لم يعد العنف التوليدي مجرد خلل في الرعاية الصحية أثناء الحمل والولادة، بل بات يُصنَّف اليوم كإحدى القضايا الحقوقية المتصاعدة عالميًا، خاصة في دول أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، بعد أن كشفت تقارير دولية أن ملايين النساء يتعرضن لأشكال مختلفة من الإيذاء الجسدي أو النفسي أثناء تلقي خدمات الصحة الإنجابية داخل المؤسسات الصحية.
وتعرّف هيومن رايتس ووتش العنف التوليدي بأنه أحد أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، يحدث داخل المرافق الصحية أثناء الحمل أو الولادة أو خدمات الصحة الإنجابية، ويشمل الإساءة الجسدية أو النفسية، والإجراءات الطبية القسرية أو غير الضرورية التي تُجرى دون موافقة المرأة، إضافة إلى الإهمال أو المعاملة المهينة أو انتهاك الخصوصية.
وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن إساءة معاملة النساء أثناء الولادة تمثل مشكلة صحية وحقوقية عالمية، وليست ظاهرة محصورة في منطقة بعينها. وتقدّر المنظمة أن نحو امرأة من كل ثلاث نساء حول العالم تتعرض لشكل من أشكال سوء المعاملة أثناء الولادة، بما يشمل الإهمال أو الإجراءات الطبية القسرية أو المعاملة المهينة والإساءة اللفظية أو الجسدية. وتؤكد المنظمة أن هذه الانتهاكات قد تخلّف آثارًا صحية ونفسية طويلة الأمد، كما تُضعف ثقة النساء في الأنظمة الصحية وقد تدفع بعضهن إلى تجنب الولادة في المؤسسات الطبية، ما يهدد الجهود العالمية الرامية إلى خفض وفيات الأمهات.
انتشار الظاهرة في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى
في هذا السياق، حذّر صندوق الأمم المتحدة للسكان من انتشار واسع للعنف التوليدي في عدد من دول أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، مشيرًا إلى أن الانتهاكات التي تتعرض لها النساء أثناء الولادة غالبًا ما تبقى غير مرئية أو غير مُبلغ عنها، رغم آثارها العميقة على صحة النساء وثقتهن في أنظمة الرعاية الصحية.
وكشف الصندوق، في تقريره الصادر في 12 مارس بعنوان “رعاية الأمومة المحترمة: تجارب النساء وتوقعاتهن في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى”، عن نتائج مقلقة تشير إلى انتشار واسع لسوء المعاملة داخل خدمات الأمومة في المنطقة.
واستند التقرير إلى استطلاع عبر الإنترنت شمل أكثر من 2600 امرأة أنجبن حديثًا في 16 دولة ومنطقة في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، ونُفّذ بالشراكة مع تطبيق الحمل amma ومركز الشراكة من أجل التنمية في مولدوفا.
ووفقًا لنتائج التقرير، أفادت نحو 67% من النساء بتعرضهن لشكل واحد على الأقل من الإساءة أثناء المخاض أو الولادة، فيما ذكرت 48.1% من المشاركات أنهن خضعن لإجراءات توليدية مثل شق العجان أو الولادة القيصرية أو إعطاء الأوكسيتوسين دون موافقة مستنيرة.
كما أفادت 24% من النساء بتعرضهن لإساءة لفظية، مثل الصراخ أو الإهانة، بينما تعرضت **واحدة من كل عشر نساء لإيذاء جسدي أو جنسي أثناء المخاض أو الفحوصات النسائية.
وقالت فلورنس باور، المديرة الإقليمية لصندوق الأمم المتحدة للسكان لأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، إن نتائج التقرير تمثل “صحوة قوية” بشأن واقع الرعاية الصحية للأمهات في المنطقة، مؤكدة أن لكل امرأة الحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة، بما يشمل الحصول على رعاية كريمة ومحترمة أثناء الولادة.
فجوة في الوعي والإبلاغ
كشف التقرير أيضًا عن ضعف واضح في الوعي بهذه الظاهرة، حيث ذكر أن 53.7% من النساء لم يسمعن من قبل بمصطلح “العنف التوليدي”. كما أن 2% فقط من النساء اللواتي تعرضن للإساءة قمن بالإبلاغ عنها رسميًا.
ويُعزى انخفاض معدلات الإبلاغ إلى عدة عوامل، من بينها الخوف من الانتقام أو سوء المعاملة لاحقًا، وضعف آليات الشكاوى والمساءلة داخل المؤسسات الصحية، إضافة إلى عدم ثقة النساء بقدرة الأنظمة الصحية على معالجة الانتهاكات.
فئات أكثر عرضة للإساءة
وأظهر التقرير أن بعض الفئات الاجتماعية أكثر عرضة للعنف التوليدي، من بينها النساء الشابات بين 18 و24 عامًا، والنساء ذوات الدخل المحدود، والنساء اللواتي لديهن مستويات تعليمية أقل. ويرى خبراء الصحة العامة أن هذه الفجوات تعكس مظاهر عدم المساواة الاجتماعية داخل أنظمة الرعاية الصحية.
كما كشف التقرير عن تفاوتات إقليمية في مستوى رضا النساء عن خدمات الأمومة، حيث سجلت دول غرب البلقان أعلى معدلات عدم الرضا، إذ بلغت 42.7% في ألبانيا و39.2% في كوسوفو، وهو ما يشير إلى تفاوت واضح في جودة خدمات الرعاية الصحية للأمهات بين دول المنطقة.
ظاهرة عالمية
ولا تقتصر الظاهرة على هذه المنطقة فقط. فوفق مراجعة علمية نشرتها مجلة Reproductive Health، فإن نسب التعرض لسوء المعاملة أثناء الولادة تتراوح عالميًا بين 1.9% و100% بحسب الدراسات المختلفة.
وتشير المراجعة إلى أن متوسط انتشار هذه الظاهرة يصل إلى 49.4% في أوروبا و8.5% في جنوب شرق آسيا، ما يؤكد أن المشكلة لا تقتصر على الدول منخفضة الدخل، بل تمتد أيضًا إلى أنظمة صحية متقدمة.
كما أظهرت دراسات أوروبية تفاوتًا بين الدول؛ ففي إسبانيا أفادت امرأة من كل ثلاث نساء بتعرضها لشكل من أشكال العنف التوليدي، بينما أبلغت امرأة من كل خمس نساء في إيطاليا عن تجربة مماثلة خلال أول ولادة، فيما تعرضت 20% من النساء في بلجيكا لتدخلات طبية غير ضرورية أو ضارة أثناء الولادة.
ورغم اتساع نطاق الظاهرة، لا يزال الإطار القانوني الأوروبي محدودًا؛ إذ لا يوجد تشريع موحد على مستوى الاتحاد الأوروبي يجرّم العنف التوليدي، فيما تُعد البرتغال من الدول القليلة التي اعترفت به قانونيًا في تشريع وطني حديث.
دعوات لإصلاح السياسات الصحية
وبالتزامن مع نشر تقريره، دعا صندوق الأمم المتحدة للسكان بالتعاون مع المجلس الأوروبي،الحكومات والقطاع الطبي إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة هذه الظاهرة.
وشملت التوصيات سنّ تشريعات وطنية تعترف بمفهوم رعاية الأمومة المحترمة وتجرّم العنف التوليدي، وتعزيز التدريب المهني للعاملين في القطاع الصحي على مبادئ حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، وتمكين النساء عبر التثقيف الصحي قبل الولادة وزيادة الوعي بالحقوق الصحية، إضافة إلى إنشاء آليات مساءلة شفافة تعتمد على تقييمات المرضى وإطلاق حملات توعية مجتمعية لكسر الصمت حول هذه الانتهاكات.
من قضية طبية إلى قضية حقوقية
وتشير تقارير حقوقية إلى أن العنف التوليدي لم يعد يُنظر إليه كخطأ طبي فردي، بل كظاهرة مرتبطة بعوامل بنيوية مثل التمييز القائم على النوع الاجتماعي واختلال موازين القوة بين المريضة والمؤسسة الصحية.
وفي ظل تصاعد النقاش العالمي حول حقوق المرأة في الرعاية الصحية، تدعو منظمات حقوقية من بينها هيومان رايتس ووتش إلى إدراج العنف التوليدي ضمن أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، وإقرار تشريعات واضحة تضمن المساءلة وتحمي النساء أثناء الحمل والولادة.

