تزداد هشاشة أوضاع العمال المهاجرين في لبنان في ظل التوترات الأمنية أو الحروب التي تشهدها المنطقة، فعند تصاعد المواجهات العسكرية أو التوترات الحدودية، يجد العمال الأجانب أنفسهم في وضع صعب، إذ لا يمتلك كثير منهم شبكات دعم اجتماعي أو موارد مالية تمكنهم من مغادرة البلاد بسرعة، وفي بعض الحالات تتدخل سفارات الدول التي ينتمي إليها العمال لتنظيم عمليات إجلاء لرعاياها، بينما يضطر آخرون للبقاء والعمل رغم المخاطر بسبب التزاماتهم المالية تجاه أسرهم في بلدانهم الأصلية بحسب منظمة العمل الدولية.
وأدت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان إلى تفاقم أوضاع العمال المهاجرين، فقد أشارت تقارير حقوقية وإنسانية إلى أن نحو 160 ألف عامل مهاجر كانوا يقيمون في لبنان خلال فترة التصعيد العسكري بين حزب الله وإسرائيل، وأن عدداً كبيراً منهم تُركوا دون دعم بعد أن تخلى بعض أصحاب العمل عنهم مع تصاعد القصف ونزوح السكان من المناطق المستهدفة، كما وجد آلاف العمال أنفسهم عالقين في بيروت ومناطق أخرى دون مأوى أو وثائق سفر أو موارد مالية، فيما اضطر بعضهم للنوم في الشوارع أو في ملاجئ مؤقتة تديرها منظمات دينية وإنسانية، وتزامن ذلك مع موجة نزوح واسعة داخل البلاد؛ إذ تجاوز عدد النازحين داخلياً 700 ألف شخص نتيجة الغارات الإسرائيلية، ما زاد الضغط على الملاجئ والخدمات الإنسانية وأثر بشكل مباشر على العمال المهاجرين الذين كانوا ضمن الفئات الأكثر تضرراً من النزوح وفقدان العمل بحسب تقارير مركز موارد الأعمال وحقوق الإنسان.
أعداد العمالة الأجنبية في لبنان
تشير الدراسات الاقتصادية إلى أن لبنان كان يضم قبل الأزمة الاقتصادية عام 2019 ما يقارب 400 ألف عامل أجنبي من مختلف الجنسيات، يعملون في قطاعات متنوعة، إلا أن هذا العدد تراجع بشكل واضح بعد الانهيار المالي الذي ضرب البلاد، حيث انخفض عدد العمال الأجانب إلى نحو 230 ألف عامل نتيجة مغادرة عشرات الآلاف منهم بسبب تراجع الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، وتظهر بيانات إجازات العمل أن العدد تراجع من 247,088 إجازة عمل عام 2019 إلى 154,985 إجازة في عام 2020، أي بانخفاض بلغ نحو 37%.
ووفق بيانات رصد الهجرة، بلغ عدد المهاجرين المقيمين في لبنان نحو 176,504 مهاجرين حتى منتصف عام 2024، وتوضح البيانات أن النساء يشكلن نحو 70% من إجمالي العمال المهاجرين، خاصة في قطاع العمل المنزلي بحسب المنظمة الدولية للهجرة و منظمة ALEF – “مركز أبحاث حقوقي لبناني”.
جنسيات العمالة الأجنبية في لبنان
تؤكد تقارير منظمة الهجرة الدولية وإحصاءات الأمن العام اللبناني أن العمال المهاجرين في لبنان ينتمون إلى جنسيات متعددة، أبرزها إثيوبيا وبنغلاديش والسودان والفلبين وسريلانكا، وتشير بيانات رصد الهجرة لعام 2024 إلى أن الإثيوبيين يشكلون نحو 38% من العمال المهاجرين، بينما يشكل البنغلاديشيون نحو 21% والسودانيون نحو 9% من إجمالي العمال الأجانب في البلاد.
تُعد العمالة السورية الأكثر حضوراً في سوق العمل اللبناني، حيث تشير تقديرات السلطات اللبنانية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى وجود نحو 400 ألف عامل سوري يعملون في لبنان، سواء بشكل رسمي أو غير رسمي، ويتركز معظم هؤلاء في الأعمال اليدوية التي تتطلب جهداً بدنياً مثل البناء والزراعة وأعمال الورش، ويعود انتشار العمالة السورية إلى القرب الجغرافي بين البلدين، إضافة إلى تدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان منذ اندلاع الحرب في سوريا عام 2011.
وتشير بيانات الأمن العام اللبناني إلى أن العمال الأجانب المقيمين في لبنان ينتمون إلى نحو 188 دولة مختلفة، ما يعكس تنوعاً كبيراً في تركيبة العمالة الأجنبية في البلاد.
القطاعات التي يعمل فيها العمال المهاجرون
يعمل العمال الأجانب في لبنان في عدد من القطاعات الاقتصادية التي تعتمد على اليد العاملة غير المحلية، ويأتي في مقدمة هذه القطاعات وفق منظمة العمل الدولية الخدمة المنزلية التي تستوعب عشرات الآلاف من العاملات القادمات من دول آسيوية وإفريقية.
تعد العمالة المنزلية أكبر فئة من العمالة المهاجرة في لبنان، حيث تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى وجود أكثر من 200 ألف عاملة منزلية مهاجرة يعملن في المنازل اللبنانية، وغالبية هؤلاء النساء قادمات من دول مثل إثيوبيا وبنغلاديش والفلبين وسريلانكا.
كما يعمل عدد كبير من العمال السوريين في قطاعي البناء والزراعة، إضافة إلى العمل في محطات الوقود وشركات التنظيف ونظارة المباني، وغالباً ما تُعد هذه الأعمال من الوظائف التي يقل إقبال اللبنانيين عليها بسبب صعوبتها أو انخفاض أجورها وفق منظمة العفو الدولية.
التوزع الجغرافي للعمالة الأجنبية
تتركز العمالة الأجنبية في لبنان في المناطق التي تشهد نشاطاً اقتصادياً أكبر، ففي بيروت وضواحيها تنتشر العمالة الأجنبية في قطاعي الخدمات والعمل المنزلي، أما في مناطق البقاع والشمال وعكار فتزداد نسبة العمال السوريين العاملين في الزراعة والأنشطة الزراعية الموسمية، وفي المدن الساحلية مثل طرابلس وصيدا يعمل كثير من العمال في قطاع البناء والمطاعم والأعمال التجارية الصغيرة، ويعكس هذا التوزيع ارتباط العمالة الأجنبية بطبيعة الأنشطة الاقتصادية السائدة في كل منطقة.
العمالة غير النظامية
تواجه السلطات اللبنانية صعوبات في تنظيم العمالة الأجنبية بسبب انتشار العمل غير النظامي، وتشير تقديرات الدراسات الاقتصادية إلى وجود ما بين 100 ألف و150 ألف عامل أجنبي يعملون بطريقة غير قانونية في لبنان. ويعود ذلك إلى انتهاء صلاحية إقامات بعض العمال أو دخولهم البلاد دون الحصول على تصاريح عمل رسمية. وغالباً ما يؤدي هذا الوضع إلى تعرض العمال للاستغلال أو العمل بأجور منخفضة دون ضمانات قانونية وفق تقرير الدولية للمعلومات حول العمالة الأجنبية في لبنان وفق حزب “القوات اللبنانية”.
أوضاع العمال المهاجرين القانونية
يعتمد تنظيم العمالة الأجنبية في لبنان على نظام الكفالة، وهو نظام يربط إقامة العامل بصاحب العمل، وتشير تقارير حقوقية إلى أن هذا النظام يجعل العمال المهاجرين عرضة لانتهاكات مختلفة، مثل العمل لساعات طويلة أو تأخير الأجور أو صعوبة تغيير صاحب العمل دون موافقته وفق منظمة العفو الدولية.
تأثير الأزمة الاقتصادية على العمال المهاجرين
أثرت الأزمة الاقتصادية التي بدأت في لبنان عام 2019 بشكل كبير على العمال المهاجرين. فقد أدى انهيار العملة اللبنانية وارتفاع التضخم إلى تراجع القدرة الشرائية للأجور التي يتقاضاها كثير من العمال بالليرة اللبنانية، كما أغلقت العديد من المؤسسات والشركات أبوابها أو خفّضت عدد العاملين لديها، ما أدى إلى فقدان كثير من العمال وظائفهم أو اضطرارهم إلى مغادرة البلاد بحثاً عن فرص عمل في دول أخرى بحسب منظمة “ALEF” لحقوق الإنسان.
دور العمالة الأجنبية في الاقتصاد اللبناني
رغم التحديات، تظل العمالة الأجنبية جزءاً مهماً من الاقتصاد اللبناني، إذ تسد نقصاً في العديد من المهن التي تتطلب عملاً شاقاً أو أجوراً منخفضة، وتؤكد دراسات اقتصادية أن بعض القطاعات مثل الزراعة والبناء والخدمات المنزلية تعتمد بشكل كبير على العمال الأجانب لضمان استمرار نشاطها، كما يسهم وجود هذه العمالة في الحفاظ على استمرارية العديد من الخدمات اليومية التي يعتمد عليها المجتمع اللبناني وفق المنظمة الدولية للهجرة (IOM).
وبحسب منظمة الهجرة تعكس أوضاع العمالة المهاجرة في لبنان واقعاً معقداً يتداخل فيه الاقتصادي مع السياسي والاجتماعي، فبين حاجة الاقتصاد اللبناني إلى اليد العاملة الأجنبية، والتحديات التي يواجهها هؤلاء العمال نتيجة الأزمات الاقتصادية والتوترات الأمنية، يبقى مستقبل هذه الفئة مرتبطاً إلى حد كبير بقدرة الدولة على تنظيم سوق العمل وتوفير الحماية القانونية والاجتماعية لهم، وفي ظل استمرار الأزمات، يبدو أن ملف العمالة الأجنبية سيظل أحد القضايا المهمة في النقاشات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان خلال السنوات المقبلة.
