أمل العمر
في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تعد الأزمات المالية مجرد أرقام في تقارير النمو أو معدلات التضخم، بل أصبحت واقعاً يومياً ينعكس مباشرة على حياة ملايين البشر، فارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء يعيد طرح سؤال جوهري حول العدالة الاقتصادية بوصفها جزءاً لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان.
وتؤكد المواثيق الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، أن الحق في مستوى معيشي لائق يشمل الغذاء والسكن والعمل والصحة والتعليم، وهي حقوق تتعرض اليوم لضغوط متزايدة مع استمرار الأزمات الاقتصادية العالمية.
وفي هذا السياق، تحذّر تقارير صادرة عن البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية من أن تداعيات التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي لا تتوزع بالتساوي، بل تضرب بشكل أكبر الفئات الأكثر هشاشة، مثل العمال ذوي الدخل المحدود والنساء والشباب وسكان الدول النامية.
ومع استمرار اتساع فجوة عدم المساواة، تبدو العدالة الاقتصادية اليوم أكثر من مجرد شعار سياسي أو اقتصادي؛ فهي قضية حقوقية وإنسانية تمس قدرة الأفراد على العيش بكرامة، وتطرح تحدياً حقيقياً أمام الحكومات والمؤسسات الدولية لإعادة التفكير في سياسات التنمية والحماية الاجتماعية، بما يضمن ألا تتحول الأزمات الاقتصادية إلى عامل إضافي يعمّق الفقر والتهميش حول العالم.
وتشير بيانات صادرة عن البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية إلى أن الضغوط الاقتصادية العالمية باتت تؤثر بشكل مباشر على الفئات الأكثر هشاشة في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي واتساع فجوة عدم المساواة في العديد من الدول.
هشاشة اقتصادية واسعة
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن ما يقارب 10% من سكان العالم يعيشون في فقر مدقع على أقل من 2.15 دولار يومياً، في حين يعيش نحو 3.4 مليار شخص أي ما يقارب 40% من سكان العالم، بأقل من 6.85 دولار يومياً، وهو مستوى دخل يعكس هشاشة اقتصادية واسعة في العديد من الدول النامية.
ولا تتوقف تداعيات الأزمات الاقتصادية عند مستويات الدخل فقط، بل تمتد إلى أسواق العمل العالمية فوفقاً لتقارير منظمة العمل الدولية، يبلغ معدل البطالة العالمي نحو 5%، أي ما يعادل نحو 186 مليون شخص بلا عمل، بينما تصل بطالة الشباب إلى أكثر من 12%، ما يعكس فجوة متزايدة في فرص العمل بين الأجيال.
وفي مؤشر إضافي على عمق التحديات الاقتصادية تشير بيانات المنظمة إلى أن الفجوة العالمية في فرص العمل تبلغ نحو 402 مليون شخص ممن يرغبون في العمل لكنهم لا يجدون فرصاً مناسبة أو توقفوا عن البحث عن عمل بسبب ضعف الفرص الاقتصادية.
كما تظهر المؤشرات أن العمل بحد ذاته لم يعد ضماناً للخروج من الفقر، إذ يعيش مئات الملايين من العمال حول العالم في حالة فقر رغم أنهم يعملون، ما يعكس تراجع جودة الوظائف واتساع ظاهرة العمل منخفض الأجر في العديد من الاقتصادات.
تقديرات الأمم المتحدة
وفي السياق، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن النمو الاقتصادي العالمي سيبقى محدوداً في السنوات المقبلة، حيث من المتوقع أن يبلغ نحو 2.7% خلال العام الجاري 2026، وهو معدل أقل من متوسط النمو العالمي قبل جائحة كورونا والذي كان يقارب 3.2%، ما يعكس استمرار الضغوط الاقتصادية العالمية.
كما توقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ النمو الاقتصادي العالمي نحو 3.3% في عام 2026 رغم استمرار التوترات الجيوسياسية والضغوط التضخمية في العديد من الاقتصادات.
ويرى الخبير الجيوسياسي الدكتور عامر السبايلة أن الأزمات الاقتصادية لا تنعكس فقط على المؤشرات المالية، بل تؤثر بشكل مباشر في الاستقرار السياسي والاجتماعي داخل الدول، موضحاً أن تراجع الأوضاع الاقتصادية وازدياد الضغوط المعيشية يرفعان من احتمالات عدم الاستقرار السياسي خاصة في الدول التي تعاني من ضعف السياسات الاقتصادية أو محدودية شبكات الحماية الاجتماعية.
وقال السبايلة، في تصريحات خاصة لـ“صفر”، إن قوة الاقتصاد تشكل أحد أهم عوامل التوازن والاستقرار الداخلي وإن تدهور الظروف الاقتصادية غالباً ما ينعكس على العلاقة بين الدولة والمجتمع ويؤثر في مستوى الثقة بالمؤسسات.
من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي مازن أرشيد أن ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية يدفعان العديد من الأسر إلى اتخاذ خيارات صعبة تتعلق بتقليص الإنفاق على احتياجات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.
وأكد أرشيد، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، أن السياسات الاقتصادية في أوقات الأزمات تحتاج إلى تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على الاستقرار المالي وضمان حماية الفئات الأكثر هشاشة من خلال تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي وتوسيع فرص العمل المستدامة، بما يسهم في الحد من تداعيات الأزمات الاقتصادية على مستوى المعيشة.
الوصول إلى الخدمات الأساسية
وتنعكس هذه التحديات الاقتصادية بشكل مباشر على قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات الأساسية، ففي ظل ارتفاع تكاليف المعيشية تضطر العديد من الأسر إلى تقليص الإنفاق على التعليم أو تأجيل العلاج بسبب ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية ما يهدد الحق في الصحة والتعليم ويزيد من هشاشة الفئات الأكثر فقراً خاصة في الدول التي تعاني من ضعف شبكات الحماية الاجتماعية.
وتبرز الفئات الأكثر هشاشة، مثل العمال ذوي الدخل المحدود والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي والنساء والشباب، باعتبارها الأكثر تأثراً بتداعيات الأزمات الاقتصادية، ففي ظل غياب فرص العمل المستقرة وضعف شبكات الأمان الاجتماعي، تتحول الأزمات الاقتصادية بسرعة إلى أزمات معيشية تمس الحقوق الأساسية للإنسان وتعمّق فجوات عدم المساواة داخل المجتمعات.
ويتطلب تحقيق العدالة الاقتصادية في زمن الأزمات سياسات اقتصادية أكثر شمولاً توازن بين الاستقرار المالي وحماية الفئات الأكثر ضعفاً، غير أن هذه التحديات الاقتصادية لا يمكن فصلها عن السياق السياسي العالمي، في ظل تصاعد النزاعات المسلحة والتوترات الجيوسياسية في عدة مناطق من العالم.
ومع استمرار الحروب والصراعات وارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء عالمياً تزداد الضغوط على الاقتصادات الوطنية، ما يجعل تحقيق العدالة الاقتصادية وحماية الحقوق الأساسية للإنسان أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومات في المرحلة الراهنة.

