مايكل جودوين
مع دخول موسم إعداد الموازنة في مجلس المدينة، على سكان نيويورك أن يستعدوا لوابل من الوعود البراقة بما يسمى “مزايا حكومية مجانية”.
هذه هي طبيعة الحياة في ولاية يغلب عليها اللون الأزرق سياسياً، حيث تتحول المنافسة الأشرس بين الديمقراطيين من أقصى اليسار إلى سباق حول من يستطيع تقديم أكبر قدر من “المجانيات”.
وبالتوازي، هناك سباق آخر لا يقل سخونة: من الأكثر حماساً لفرض ضرائب أعلى على الشركات والأثرياء لتمويل تلك الوعود.
يمكن وصف المشهد كأنه مسابقة اشتراكية مفتوحة، بدأها العمدة مامداني بالفعل، عندما وعد بأن الطريق إلى “المدينة الفاضلة” سيمهد بضرائب أعلى وإنفاق حكومي أكبر.
هذه الرسالة قادته إلى فوز صادم العام الماضي، وأصبح معظم الديمقراطيين اليوم يرددون صداها.
أما الأثرياء، فلن يكون لهم دور حقيقي سوى التذمر.. ثم الرحيل عن المدينة والولاية هرباً من الكارثة التي تتشكل. وينطبق الأمر ذاته على الشركات الناجحة، التي ينظر إليها اليسار باعتبارها مجرد “دجاج جاهز للذبح”.
الرئيس التنفيذي لـ”جي بي مورغان تشيس”، جيمي ديمون، لخّص الوضع بوضوح هذا الأسبوع عندما قال إن هناك “نزوحاً كبيراً يحدث بالفعل، وهذا ليس في مصلحة المدينة”.
وأضاف أن من يرفعون الضرائب بشكل مفرط يظنون أنهم يتصرفون بدافع أخلاقي، لكن الحقيقة أنهم يضرون بمدينتهم، لأن الناس في النهاية “تصوت بأقدامها”.
وقبل حتى أن تصل معركة الموازنة إلى نهايتها، يجدر التوقف عند مثال كاشف لطبيعة هذا الانفلات الحكومي في نيويورك، حيث لا يبدو أن أي مستوى من الضرائب أو الإنفاق كافٍ، إذ تظل الحاجة للمزيد في توسع دائم. الأمر أشبه بفرض رسوم الازدحام.. لكن بشكل مضاعف.
والحقيقة التي كشفتها قاعة المدينة -ربما دون قصد- هي أن أزمة القدرة على تحمل التكاليف، التي أصبحت شعار المرحلة، ترتبط بشكل مباشر بتكلفة الحكومة نفسها.
والمفارقة أن المثال الأبرز يأتي مما يعتبره مامداني وحلفاؤه “انتصاراً كبيراً”.
فقد أعلن العمدة عن أول برنامج لرعاية الأطفال مجاناً لموظفي البلدية، باعتباره خطوة نحو توفير رعاية شاملة للجميع.
البرنامج التجريبي سيخدم أطفال العاملين في مبنى ديفيد دينكينز الحكومي في مانهاتن، إلى جانب موظفي إدارة الخدمات الإدارية، وسيقدم رعاية مجانية طوال أيام الأسبوع من الثامنة صباحاً حتى السادسة مساءً.
“مجاني” يبدو سعراً رائعاً.. أليس كذلك؟
لكن ما لا يُقال هو أن المدينة ستنفق أولاً 10 ملايين دولار لتجديد موقع لا تتجاوز مساحته 4 آلاف قدم مربعة، تمهيداً لاستقبال نحو 40 طفلاً فقط.
أما تكلفة التشغيل السنوية فتبلغ 2.3 مليون دولار.
وعند حسابها بدقة، فهذا يعني أن دافعي الضرائب سيتحملون نحو 57,500 دولار سنوياً لكل طفل، أي أكثر من ضعف تكلفة الرعاية الخاصة، التي تتراوح بين 23 و26 ألف دولار.
هذا الفارق ليس سوى دليل إضافي على كفاءة حكومية غائبة.
تبرير المدينة هو أن هذا البرنامج يعيد نحو 20 ألف دولار سنوياً إلى جيوب الأسر العاملة ويساعد في الاحتفاظ بالكفاءات وزيادة الإنتاجية.
لكنها لا تفسر لماذا لا تستطيع تقديم الخدمة بتكلفة قريبة من القطاع الخاص، ولا تعترف بمشكلة العدالة الواضحة: 40 موظفاً فقط سيحصلون على ميزة ضخمة، ممولة من ملايين دافعي الضرائب الذين يعانون أصلاً من التكاليف نفسها.
هذه القصة ليست سوى نموذج جديد لمسار يقود نيويورك نحو أزمة مالية كاملة.
فالمدينة تواجه عجزاً يبلغ 5.4 مليار دولار مع بداية العام المالي الجديد في يوليو، ومع اتجاه العمدة إلى استخدام الاحتياطي إلى جانب المطالبة بضرائب أعلى، بدأ القلق يتصاعد في وول ستريت.
وقد خفّضت ثلاث وكالات تصنيف نظرتها المستقبلية للائتمان إلى “سلبية”، ما يعني تكلفة اقتراض أعلى.
حتى مراقب الحسابات، مارك ليفين، أشار إلى أن أحد أسباب هذا القرار هو “غياب استراتيجية واضحة” في مشروع الموازنة لإعادة بناء الاحتياطي المالي.
قريباً، ستجد الحاكمة كاثي هوشول نفسها أمام هذه الفوضى.
في سعيها لإعادة انتخابها، راهنت على التحالف مع مامداني، أملاً في الاستفادة من شعبيته بين الشباب، رغم إعلانها معارضة رفع الضرائب.
لكن تاريخها السياسي يوحي بأنها قد تتراجع في النهاية وتدعم هذه الزيادات، حيث تعتقد أن الأصوات الانتخابية هناك.
ربما تكون على حق.. إذ لا تزال تتقدم في استطلاعات الرأي، لكن الفارق يتقلص.
فبعد أن كان 20 نقطة، انخفض إلى 13 نقطة فقط، مع تراجع دعمها داخل المدينة وصعود منافسها بين المستقلين.
والأخطر أن مؤشرات الرأي العام تحمل إشارات تحذيرية إضافية، ما قد يضيق هامش المناورة أمامها.
إذا استمرت هذه الاتجاهات، ومع تزايد قلق وول ستريت من الإنفاق والدين، فإن محاولة إرضاء تيار اليسار المتشدد قد تدفع نيويورك إلى أزمة مالية حادة… وربما موجة هروب جماعي.
وفي هذه الحالة، لن تخسر هوشول الانتخابات فقط، بل قد تُسجل في التاريخ باعتبارها الحاكمة التي كسرت نيويورك.
نقلاً عن نيويورك بوست
