في الوقت الذي تشهد فيه تونس تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، تصدّر مقترح قانون يتعلّق بالتقاعد المبكر الاختياري للمرأة العاملة في القطاع الخاص الجدل داخل الأوساط السياسية والمدنية.
المشروع الذي أحيل إلى مجلس نواب الشعب مؤخراً، أثار نقاشات حول حقوق المرأة، والعدالة الاجتماعية، ودور الدولة في تنظيم سوق العمل وحماية المكتسبات المهنية للنساء.
مشروع القانون
ينص مقترح القانون الذي يحمل رقم 104 لسنة 2025 في تونس المتعلق بالتقاعد المبكر الاختياري للمرأة العاملة في القطاع الخاص على تمكين المرأة التي تعمل في القطاع الخاص من طلب الإحالة إلى التقاعد بصفة اختيارية عند بلوغها سن 50 سنة على الأقل، وذلك شريطة أن تكمل ما لا يقل عن 80 ثلاثية من الإسهامات الفعلية في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وأن تتوقّف نهائياً عن النشاط المهني مقابل الحصول على جراية التقاعد، دون اشتراط أن تكون أماً لثلاثة أبناء، كما كان معمولاً به سابقاً.
تنص وثيقة شرح الأسباب لمقترح القانون على أن هذه المبادرة تهدف إلى تعزيز ما هو متاح بالفعل في المنظومة التشريعية، وذلك عبر حذف شرط الأمومة الذي كان يحدّ من استفادة الكثير من النساء من الحق في التقاعد المبكر، واعتُبر غير ملائم مع التحولات الاجتماعية الحالية.
خلفية الجدل
داخل البرلمان وخارجه، انقسمت الآراء حول المشروع.. يرى مؤيدوه أن إلغاء شرط الأمومة يمثّل خطوة تقدمية تُجابه التمييز الذي تواجهه نساء كثيرات في سوق العمل، خصوصاً اللواتي لم تنجبن أو اللواتي تركز مسؤولياتهن المهنية بعيداً عن الحياة الأسرية التقليدية.
في المقابل، أثار المقترح غضب بعض منظمات المجتمع المدني النسائية التي ترى فيه «إعادة نسقية غير مباشرة للمرأة إلى أدوارها التقليدية»، وتوجيهه بوصفه حلاً لإشكاليات سوق العمل على حساب حقوق النساء.
ووصفت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات المشروع بأنه «يمسّ حقّ العمل اللائق ويحوّله إلى آلية ضغط غير مباشرة» في سياق هشاشة أوضاع النساء العاملات في القطاع الخاص، ودعت إلى سحب المقترح وإعادة صياغة تشاركية له.
من جهتها، دعت الجمعية نفسها إلى فتح حوار وطني شامل يجمع المجتمع المدني، والشركاء الاجتماعيين، والسلطات المعنية لإعادة التفكير في إصلاح أنظمة التقاعد بطريقة أكثر عدالة وشمولاً.
تفاوت اجتماعي
و تعاني المرأة من فجوات واسعة في الأجور، حيث تتقاضى 30٪ أقل مقارنة بالرجال، وتواجه مستويات فقر عليا بنسبة 15٪، وفق الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات التي تشير بياناتها إلى ارتفاع احتمالات البطالة بين النساء بنسبة 10٪.
وتعكس هذه الأرقام محدودية تمثيل المرأة في مواقع القرار داخل تونس، إذ تبلغ نسبتهن في المناصب القيادية نحو 20٪ فقط، مع انخفاض المشاركة النسائية في القطاع الخاص بنسبة 50٪، ما يوضح التحديات المستمرة في تحقيق المساواة بين الجنسين وتحقيق العدالة الاجتماعية في سوق العمل التونسي.
أبعاد حقوقية
يُنظر إلى هذا الجدل من زاوية حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين، حيث يؤثر التقاعد المبكر في معدلات المرأة بسوق العمل، وفي قدرتها على التخطيط لمستقبلها المالي والاجتماعي. وفي مجتمع لا تزال فيه الفوارق في الأجور وفرص الترقية بين الرجال والنساء قائمة، فإن أي تعديل في التشريعات المتعلقة بالعمل والتقاعد يمسّ مباشرة نوعية حياة المرأة وعائلتها.
وتأتي هذه النقاشات في سياق أوسع يواجه فيه سوق العمل في تونس تحديات كبيرة مثل ارتفاع البطالة والفقر وتصاعد الهشاشة، خاصة بين النساء اللاتي تتجاوز نسب بطالتهن المعدلات العامة. وفي الوقت ذاته تربط بعض الأصوات بين سياسة التقاعد المبكر والضغوط الاقتصادية على الصناديق الاجتماعية، حيث يشكّل الإنفاق على المعاشات التقاعدية جزءاً من الميزانيات العامة التي تواجه اختلالات مالية متزايدة.
ردود فعل
المقترح الذي تمت مناقشته داخل لجنة تنظيم الإدارة والحوكمة بالبرلمان شهد دعماً كبيراً من النواب الذين أكدوا ضرورة المضي قدماً في الإصلاحات الاجتماعية التي تعيد توزيع الحقوق بطريقة أكثر إنصافاً.
وعبّر بعض النواب عن دعمهم لتوسيع دائرة المنتفعين من حق التقاعد الاختياري، معتبرين أن ذلك سيمنح المرأة مرونة كبرى في التخطيط لحياتها المهنية والشخصية.. إلا أن جدول الأعمال لا يزال مفتوحاً، مع نية استكمال المداولات وسماع آراء أصحاب المصلحة جميعاً قبل الحسم النهائي في النص التشريعي.
بين الحقوق والتحديات
وتبقى معركة التقاعد المبكر الاختياري للمرأة في تونس أكثر من مجرد تعديل قانوني؛ حيث تأتي بوصفها انعكاساً لصراع أوسع حول دور المرأة في المجتمع، والعلاقة بين العمل والأسرة، ومدى قدرة التشريعات على مواكبة التحولات الاجتماعية. فبينما يرى البعض في المشروع تقدماً في حقوق المرأة، يحذّر آخرون من أن تطبيقه في غياب حلول أوسع لسوق الشغل قد يؤدي إلى نتائج عكسية تؤثر على مكانة المرأة في العمل.

