منصة راصدة تحليلية عميقة لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية عميقة لقضايا حقوق الإنسان

الأمراض المناعية.. لصوص تسرق حياة الفقراء في مصر

وسط ارتفاع التكلفة وغياب التشخيص المبكر
13 مارس 2026

ثلاث سنوات قضتها نسرين مصطفى (29 عاماً) في دوامة وجع غامض، تنقلت خلالها بين التخصصات الطبية المختلفة، والتشخيص الخاطئ والمتأخر أحياناً، حتى تأكدت إصابتها بالتهاب المفاصل الروماتويدي، وهو مرض مناعي مزمن يؤثر على المفاصل، ويسبب التهاباً وتورماً وألماً، وقد يؤدي إلى تلف المفاصل.

انطفأت الحيرة بمعرفة المرض، لكن الجسد المنهك لم يهدأ بالتسكين المؤقت، فالطريق لم يكن سهلاً، وسنوات الألم لم تكن وهماً، بل كانت نداءات استغاثة من جسد يُهاجمه جهازه المناعي ذاته.

لم تكن رحلة العلاج أقل تحدياً من رحلة التشخيص، فبعد أن وضعت نسرين قدمها أخيراً على أول الطريق الصحيح، اصطدمت بعقبة أخرى وهي تكلفة العلاج، إذ كانت تتطلب ميزانية شهرية تتجاوز قدراتها المالية، التي تكفي بالكاد مصاريف المعيشة والنفقات الشخصية.

معارك غامضة

الحرب التي خاضتها الفتاة العشرينية لم تكن ضد الألم الجسدي فحسب، بل كانت أيضاً ضد نظرات الاستغراب وعدم الفهم، فجميع من حولها لا يعرفون شيئا عن مرض التهاب المفاصل الروماتويدي، ولا يرون آثاره على وجهها، ولا يدركون حجم معاناتها وهي تحاول أن تُخفي آلام مفاصلها كل صباح، ولا يشعرون بمرارة الألم وهي تفتح باب المكتب أو تكتب على لوحة مفاتيح جهاز الكمبيوتر.

تقول نسرين لـ”صفر” بنبرة صادقة لا تخلو من الوجع: “دائما ما أشعر بالوحدة لأن المرض الذي يسكن جسدي لا يراه أو يشعر به أحد سواى، قضيت شهورا طويلة في القراءة، أبحث عن كل حرف ومعلومة يمكن أن تساعدني على فهم هذا اللص الذي اقتحم حياتي ليسرقها أمام عيني، كنت أحتاج إلى أن أتهيأ نفسياً لأستقبل أعراضه دون انهيار مع كل نوبة ألم”.

“مع الوقت وجدت في المعرفة والاطلاع سندا، فأصبحت أدرك ما تعنيه عبارة تيبس المفاصل، وأعرف أسباب الإجهاد المصاحب لكل حركة أو نشاط يومي، بذلت مجهودا إضافيا لأجيد التعامل مع العدو الذي احتضنه بين أحشائي، والذي لا يزال حتى الآن غامضاً وصامتاً”، تضيف نسرين.

لم تعد نسرين تحلم بمعجزة إلهية بالشفاء، بل انحصرت معظم أحلامها في فرصة آدمية بالعلاج، وأن يفهم المجتمع طبيعة هذا المرض المناعي المزمن، بدلا من إطلاق الأحكام التي تضاعف من وطأة الألم.

أعداء صامتة

والأمراض المناعية تشمل مجموعة واسعة من الحالات التي يهاجم فيها جهاز المناعة عن طريق الخطأ أنسجة الجسم السليمة، وأكثرها شيوعاً في مصر التهاب المفاصل الروماتويدي، والذئبة الحمراء، والصدفية، وداء الأمعاء الالتهابي، والتصلب المتعدد (MS)، ومتلازمة غيلان باريه، والتهاب الأوعية الدموية، والبهاق.

ورغم أن كثيراً من أعراض الأمراض المناعية لا تُرى، فإن بعض الحالات تترك آثاراً ظاهرة، تطل من على سطح الجلد كعلامات شاهدة على معارك الألم التي يشعر بها المصابون، والتي يأتي أبرزها “الذئبة الحمراء”، و”الصدفية”، و”البهاق”، ما يعرض معظم المرضى للنبذ والوصم المجتمعي.

وغالبا ما يكون تشخيص الأمراض المناعية متأخراً، بسبب تشابه أعراضه مع أمراض أخرى، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى ضياع شهور طويلة أو سنوات في المعاناة دون تلقي العلاج المناسب، والذي عادة ما يكون أدوية تثبط المناعة أو تتحكم في الأعراض، بعضها باهظ الثمن، وبعضها يتطلب متابعة دقيقة طوال الحياة.

وتكمن صعوبة الأمراض المناعية في انعكاساتها النفسية، حيث يشعر الكثير من المرضى بالعزلة والوحدة، لأن الأعراض لا ترى، وعادة ما يتم التعامل معها بنوع من التشكيك، نظرا لتغيب المصاب عن العمل بشكل متكرر، وعدم قدرته على بذل مجهود بسبب الإرهاق المزمن، ما يمثل عبئاً نفسياً يفوق تأثير الألم الجسدي.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، يعاني نحو 5-8% من سكان العالم من أحد أمراض المناعة الذاتية، وما يقارب 400 مليون شخص عالمياً مصابون بهذه الأمراض، كما أن 75% من المصابين بالأمراض المناعية نساء.

وتظهر معظم الأمراض المناعية بين سن 15 و45 عاماً، وأكثر الأمراض المناعية انتشاراً عالمياً التهاب المفاصل الروماتويدي، الذئبة الحمراء، التصلب المتعدد والسكري من النوع الأول.

وفي مصر يعاني الملايين من الأمراض المناعية، وبحسب بيانات وزارة الصحة المصرية والجمعية المصرية لأمراض الروماتيزم،  يعاني نحو 1% من السكان من الروماتويد، بينما يعاني نحو 40-50 حالة لكل 100 ألف شخص مصابون بالذئبة الحمراء، ويبلغ عدد المصابين بمرض التصلب المتعدد في مصر نحو 60 ألفاً.

رحلة مع الألم

تحت ضوء شاشة هاتفها الخافت، وفي لحظة تأمل موجعة، كتبت مريم خير (23 عاماً) تدوينة لامست قلوب الآلاف، تحكي فيها عن ثلاث سنوات من الصراع الصامت مع مرض التصلب المتعدد (MS)، وهو أحد الأمراض المناعية الذاتية التي تهاجم الجهاز العصبي المركزي، وتترك خلفها آثاراً تمسّ تفاصيل الحياة اليومية.

وتقول مريم: “زي النهارده من 5 سنين، أصبت بالتصلب المتعدد، مرض بيهاجم المخ والنخاع الشوكي، وبيأثر على الإبصار، وعلى الإحساس، وعلى التحكم في الإخراج، وأعراض تانية بتستمر لحد ما يدخل الكورتيزون الجسم بجرعات كبيرة”.

ورغم حدة الأعراض وتعددها، كان أكثر ما يؤلم مريم هو فقدان قدرتها على القيام بأبسط ما كانت تحبه: “بقالي أكتر من سنة مش قادرة أكتب ولا أسوق، وإيديا مش بتساعدني.. وبعاني من أوجاع مزمنة مالهاش سبب واضح، ولا ليها علاج لحد دلوقتي (حتى الآن)”.

لكن وسط كل هذا، لم تفقد مريم شجاعتها ولا قدرتها على رؤية النور في نهاية النفق: “رغم كل ذلك، ممتنة جداً للـ(MS).. لأنه وعاني على قيمة النِعم اللي كنا واخدينها كأنها ضمان أبدي.. النِعم اللي بنفقدها فجأة ومنحسش بيها غير لما تغيب”.

وفي ختام كلماتها، رفعت مريم دعاءها إلى السماء في لحظة إنسانية خالصة: “يا رب ارزقني الشفاء منه قبل مماتي، وهون عليّ كل صعب”.

وخلال خمس سنوات شاقة، خاضت مريم معركة صامتة ضد مرض التصلب المتعدد (MS)، سردت قصتها في تدوينة مؤثرة تتداخل فيها صرخات الألم مع خيوط الأمل، وتُضاف إليها لمحات عن أحدث الأبحاث التي تُبشر بشيء أكثر من مجرد تخفيف الأعراض.

“التشخيص المبكر” كلمة السر

ويحمل الدكتور ماجد عبد النصير، أستاذ أمراض المخ والأعصاب بجامعة القاهرة ورئيس شعبة التصلب المتعدد (MS) بالجمعية المصرية للأمراض العصبية، في حديثه نبرة تحذير ممزوجة بمرارة الواقع، حين يصف مرض التصلب المتعدد قائلاً: “هو مرض قاسٍ يهاجم شباباً في عمر 20 إلى 40 عاماً، في ذروة أعمارهم، عندما تبدأ أحلامهم بالكاد في التشكل، تتحول أجسادهم فجأة إلى أرض معركة غير مفهومة ضد أنفسهم”.

ويشرح أن الخلل الجوهري في هذا المرض يكمن في الجهاز المناعي، الذي ينقلب فجأة على صاحبه، ويبدأ بمهاجمة الجهاز العصبي المركزي -المخ والنخاع الشوكي- بدلاً من مقاومة الفيروسات أو البكتيريا، موضحا: “تخيل أن ما يحميك طوال عمرك، يقرر يوماً أن يُهاجمك.. يبدأ بتآكل الأعصاب، ويضرب الرؤية أو القدرة على الحركة أو التوازن، بل قد يؤدي إلى شلل”.

ورغم شراسة المرض، فإن الأمل لا يزال ممكناً، إذ يقول عبد النصير: “التشخيص المبكر بالرنين المغناطيسي قد يمنح المريض فرصة للسيطرة على الأعراض، والتدخل بالعلاج المناعي في مراحله الأولى والرعاية الصحية السليمة يمكن أن يُبطئ تقدم المرض، لكن المشكلة الحقيقية، ليست في قلة الإمكانيات الطبية، بل في غياب الوعي وتأخر التشخيص، فالكثير من المرضى يتنقلون بين تخصصات مختلفة، ويُشخصون خطأ، حتى يفوت الوقت الذهبي للتدخل”.

ولا توجد إحصائيات رسمية محددة حول عدد المصابين بالأمراض المناعية في مصر بشكل عام، غير أن الدكتور محمد نبيل رأفت، أستاذ ورئيس وحدة المناعة والحساسية بكلية طب جامعة الأزهر، قال في تصريح صحفي عام 2016 إن نسبة الإصابة بالأمراض المناعية فى مصر تتراوح بين 30% و40%.

وأضاف الدكتور نبيل أن “النسبة قد ترتفع بعد عمل مسح شامل دقيق على المصابين بالأمراض المناعية لأننا نعاني في مصر من مشكلة كبيرة وهي أن الأمراض المناعية غير مشخصة بطريقة صحيحة، وأكثر الأمراض المناعية المنتشرة بمصر هي الروماتويد والذئبة الحمراء”.