يشهد ملف حقوق الإنسان في إيران تصعيداً لافتاً بالتزامن مع التوترات العسكرية المتصاعدة في المنطقة، حيث تتجه السلطات إلى تشديد قبضتها الأمنية في الداخل، في مشهد يعكس نمطاً متكرراً من توظيف الأزمات الخارجية لتقييد الحريات وتعزيز أدوات السيطرة.
و اعتقلت السلطات الإيرانية اليوم الثلاثاء الناشطة المدنية والسجينة السياسية السابقة ليلى ميرغفاري عقب مداهمة منزلها، دون إعلان أسباب التوقيف أو الجهة المسؤولة عنه، وفق ما نقلته تقارير إعلامية.
ولم تصدر أي بيانات رسمية توضح ملابسات الواقعة، وهو ما يثير تساؤلات حول قانونية الإجراءات المتبعة، ومدى التزام السلطات بضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في القوانين الدولية.
التضييق على النشطاء والمعارضين
وتُعد هذه الواقعة جزءاً من سياق أوسع من التضييق على النشطاء والمعارضين، إذ غالباً ما تُنفذ عمليات الاعتقال دون مذكرات قضائية واضحة، أو يتم احتجاز الأفراد لفترات طويلة دون توجيه اتهامات رسمية، في انتهاك صريح للحق في الحرية والأمان الشخصي، كما تنص عليه المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي تعد إيران طرفاً فيه.
في موازاة ذلك، كشفت وكالة تسنيم عن اعتقال عشرة أجانب من قبل جهاز المخابرات التابع للحرس الثوري الإيراني بتهم تتعلق بجمع معلومات عن مواقع حساسة والإعداد لعمليات ميدانية في شمال شرق البلاد، دون الإفصاح عن جنسياتهم أو تقديم تفاصيل إضافية بشأنهم.
ويثير هذا النوع من الاعتقالات مخاوف حقوقية جدية، خاصة في ظل غياب الشفافية، وعدم إتاحة المعلومات حول أوضاع المحتجزين، أو تمكينهم من التواصل مع محامين أو ممثليهم الدبلوماسيين، وهو ما يتعارض مع المعايير الدولية المتعلقة بحقوق الأجانب والمحتجزين.
خطاب رسمي متشدد
التصعيد الأمني داخل إيران لم يقتصر على الاعتقالات، بل تزامن مع خطاب رسمي متشدد، حيث كثفت الأجهزة الأمنية والقضائية تحذيراتها من أي نشاط معارض، معتبرة أنه قد يندرج ضمن تهم “التجسس” أو “التعاون مع جهات معادية” مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس السلطة القضائية إصدار أوامر بمصادرة ممتلكات أشخاص متهمين بالتعاون مع جهات خارجية، مع الإشارة إلى أن العقوبات قد تصل إلى الإعدام.
وتثير هذه الإجراءات مخاوف كبيرة بشأن انتهاك الحق في الملكية، وكذلك الحق في الحياة، خاصة في ظل الانتقادات الدولية المتكررة لاستخدام عقوبة الإعدام في قضايا تتعلق بالأمن القومي، والتي غالباً ما تُبنى على اعترافات مثيرة للجدل.
وأعدم أكثر من 1600 شخص خلال العام الجاري، في وقت يخضع فيه الفضاء الرقمي الإيراني لقيود واسعة النطاق، مع حجب منصات دولية ودمج آليات مراقبة معقدة ضمن البنية التحتية للاتصالات، بحسب تقرير لسارة حسين، رئيسة بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة المعنية بحالة حقوق الإنسان في إيران.
مخاوف حقوقية
وتحذر منظمات حقوقية دولية، منها هيومان رايتس ووتش، من أن هذا المناخ الأمني المشدد قد يمهد لموجة جديدة من الاعتقالات التعسفية، في ظل غياب الضمانات القضائية الكافية، واعتماد السلطات على تهم عامة مثل “الإفساد في الأرض” أو “العمل ضد الأمن القومي”، وهي تهم تُستخدم على نطاق واسع لتجريم المعارضة السلمية.
كما تزداد المخاوف بشأن أوضاع المحتجزين، في ظل تقارير متكررة عن تعرض بعضهم لسوء المعاملة أو التعذيب، بهدف انتزاع اعترافات قسرية تُستخدم لاحقاً في المحاكمات، وتشير هذه الممارسات، إن ثبتت، إلى انتهاكات جسيمة لاتفاقية مناهضة التعذيب التي تحظر بشكل مطلق أي شكل من أشكال التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.
ويأتي هذا التصعيد في سياق أوسع يشهد تضييقاً على حرية التعبير وحرية التنظيم، حيث يتم استهداف الصحفيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، عبر الاعتقال أو الاستدعاءات الأمنية أو حظر السفر، ما يعكس تراجعاً مستمراً في مساحة الحريات العامة داخل البلاد، في وقت يخضع فيه الفضاء الرقمي الإيراني لقيود واسعة النطاق، مع حجب منصات دولية ودمج آليات مراقبة معقدة ضمن البنية التحتية للاتصالات. بحسب تقارير أممية.
ويمنح تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة السلطات الإيرانية مبرراً إضافياً لتشديد الإجراءات الأمنية، تحت ذريعة حماية الأمن القومي، وهو ما يؤدي عملياً إلى تقليص الحقوق المدنية والسياسية، وإضعاف الرقابة المجتمعية على أداء المؤسسات، حيث واصل “النظام الإيراني ممارسة القمع المنهجي ضد المتظاهرين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، ومنهم الأقليات العرقية والدينية”، بحسب ما أشارت إليه سارة حسين رئيسة بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة المعنية بحالة حقوق الإنسان في إيران في إطار فعاليات الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة بجنيف.
