منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

استبعاد السود من هيئة المحلفين.. قضية تعيد اختبار العدالة الجنائية في أمريكا

01 أبريل 2026
القضاء الأمريكي ينظر في طعن يتهم الادعاء العام بممارسة تمييز عنصري
القضاء الأمريكي ينظر في طعن يتهم الادعاء العام بممارسة تمييز عنصري

يراجع قضاة المحكمة العليا الأمريكية واحدة من أكثر القضايا حساسية في تقاطع العدالة الجنائية مع الحقوق الأساسية، إذ ينظرون في طعن يتهم الادعاء العام بممارسة تمييز عنصري أثناء اختيار هيئة المحلفين في قضية عقوبة إعدام تعود إلى عام 2006.

وتعيد هذه القضية، التي تناولتها صحف منها “واشنطن بوست”، طرح أسئلة جوهرية حول الحق في محاكمة عادلة، والمساواة أمام القانون، وحدود سلطة الادعاء في تشكيل هيئات المحلفين.

وأدانت هيئة محلفين في ولاية ميسيسيبي، عام 2006، المتهم تيري بيتشفورد، وهو مراهق أسود، بتهمة القتل، وقضت بإعدامه رغم أنه لم يكن مطلق النار، بل أدين بالتواطؤ في جريمة قتل وقعت أثناء عملية سطو فاشلة.

وارتبطت القضية منذ بدايتها بإشكاليات تتعلق بتركيبة هيئة المحلفين، حيث ضمت محلفاً أسود واحدا فقط من أصل 12، في مقاطعة يشكل الأمريكيون من أصل إفريقي 40% من سكانها.

وأصر المتهم تيري بيتشفورد على مدى عقدين على أن محاكمته شابها خلل جوهري، معتبرا أن استبعاد المحلفين السود لم يكن عارضا، بل نتيجة ممارسات ممنهجة من قبل المدعي العام السابق دوغ إيفانز، الذي اتهم في أكثر من مناسبة بالسعي لإبعاد السود عن هيئات المحلفين.

وأظهرت سجلات المحكمة أن قائمة المحلفين المحتملين، بعد استبعاد عدد منهم، ضمت 36 شخصا أبيض وخمسة أشخاص سود، قبل أن يستخدم الادعاء سبعة طعون استباقية لاستبعاد أربعة من السود وثلاثة من البيض.

وأوضح القاضي بريت إم. كافانو، خلال جلسات الاستماع، مركزية طبيعة القضية، متسائلا عن كونها قضية عقوبة إعدام لشخص كان في السابعة عشرة من عمره وقت ارتكاب الجريمة، ولم يكن هو مطلق النار، في إشارة إلى حساسية المعايير التي يجب أن تحكم مثل هذه المحاكمات.

اختبار العدالة

استدعى القضاة سوابق قضائية بارزة، كان من بينها قضية “باتسون ضد كنتاكي” التي أرست مبدأ حظر استبعاد المحلفين على أساس العرق، ووضعت اختبارا قانونيا متعدد المراحل للتحقق من وجود تمييز.

ويقوم هذا الاختبار على إثبات وجود شبهة تمييز، ثم مطالبة الادعاء بتقديم مبررات محايدة، قبل أن يبت القاضي في مدى وجود نية تمييزية.

دقق القضاة في مدى التزام محكمة الدرجة الأولى بتطبيق هذا الاختبار، حيث ركز النقاش على ما إذا كانت محامية الدفاع قد اتخذت خطوات كافية للاعتراض على استبعاد المحلفين السود، أو ما إذا كانت المحكمة قد أخفقت في استكمال التقييم القانوني المطلوب.

واعتبر القاضي صموئيل أليتو أن طريقة إدارة هذا الاختبار “ليست نموذجا يحتذى به”، مشيرا إلى أن محامية الدفاع ربما لم تكن حازمة بما يكفي في إثارة مسألة التمييز.

أبرزت المرافعات انقساما داخل المحكمة حول مسؤولية الدفاع مقابل دور القاضي، إذ رأى بعض القضاة أن عبء إثبات التمييز يقع على عاتق الدفاع، بينما أشار آخرون إلى أن المحكمة كانت على علم بالاعتراضات، لكنها مضت في الإجراءات دون تقييم كافٍ، ولفتت القاضية سونيا سوتومايور إلى أن الاعتراضات طرحت بالفعل، رغم أنها ربما لم تصغ بأقصى درجات الحزم.

استعاد القضاة كذلك سابقة قضائية أخرى تتعلق بالمدعي العام نفسه، إذ نقضت المحكمة العليا عام 2019 إدانة المتهم كورتيس فلاورز بعد ست محاكمات، معتبرة أن الادعاء أظهر “سعيا دؤوبا” لاستبعاد السود من هيئة المحلفين، وشكلت هذه السابقة عنصرا محوريا في مرافعات الدفاع، الذي طالب بتطبيق المنطق ذاته على قضية بيتشفورد.

سياق الإعدام

أعادت القضية إلى الواجهة إشكاليات أوسع تتعلق بتطبيق عقوبة الإعدام، خاصة في الحالات التي لا يكون فيها المتهم هو الفاعل المباشر للجريمة، فقد وجهت إلى بيتشفورد تهمة القتل أثناء ارتكاب جناية، وهي صيغة قانونية تسمح بإدانة الشريك في الجريمة حتى دون إثبات نية القتل أو تنفيذ الفعل نفسه، وهو ما تطبقه نحو نصف الولايات الأمريكية، بما فيها ميسيسيبي.

أظهرت الوقائع أن الشريك الآخر، إريك بولينز، هو من أطلق النار على صاحب متجر البقالة روبن بريت، مستخدما مسدسا عيار 0.22، بينما كان بيتشفورد يحمل سلاحا مختلفا ولم يطلق النار على الضحية، بحسب ملفاته.

ومع ذلك، حكم على بيتشفورد بالإعدام، في حين لم يكن شريكه مؤهلا لهذه العقوبة بسبب كونه دون سن الثامنة عشرة، وأقر بالذنب في تهمة القتل غير العمد وحكم عليه بالسجن 20 عاما.

وأثارت هذه المفارقة تساؤلات داخل المحكمة، خاصة في ظل الطبيعة القصوى لعقوبة الإعدام، وما تفرضه من معايير مشددة لضمان العدالة، وبدت هذه الاعتبارات حاضرة في مداخلات القضاة، الذين ناقشوا ليس فقط مسألة التمييز في اختيار المحلفين، بل أيضا عدالة النتيجة النهائية للمحاكمة.

مسار النزاع

تتبعت القضية مسارا قضائيا معقدا استمر لعشرين عاما، تنقلت خلاله بين المحاكم المختلفة، في ظل محاولات متكررة لإعادة النظر في الحكم، وفي عام 2023، قضى قاضي المحكمة الجزئية الأمريكية مايكل ب. ميلز بنقض إدانة بيتشفورد، معتبرا أن محكمة الدرجة الأولى لم تمنح الدفاع فرصة كافية للطعن في استبعاد المحلفين السود، قبل أن تلغى هذه النتيجة لاحقا من قبل محكمة الاستئناف.

وأشار القاضي بريت كافانو إلى تقييم القاضي ميلز، واصفا إياه بأنه “قاضٍ متمرس للغاية”، ومشيراً إلى أنه قرأ سجل القضية بشكل مختلف، في دلالة على استمرار الخلاف القضائي حول تفسير الوقائع نفسها.

وتناول قضاة المحكمة العليا، بحسب ما أوردته صحيفة “الغارديان”، لحظة محورية في المحاكمة الأصلية، بدت فيها محكمة الدرجة الأولى غير ملتزمة بشكل كاف بتطبيق اختبار باتسون، وهو ما أعاد فتح النقاش حول مدى كفاية الإجراءات التي اتبعت في حينه.

بين الإجراء والحق

ركزت المرافعات، كما نقلت وكالة “أسوشيتد برس”، على سؤال إجرائي يبدو تقنيا، لكنه يحمل أبعادا حقوقية عميقة: هل بذل محامو الدفاع جهدا كافيا للاعتراض على التمييز، أم أن المحكمة أخفقت في حماية هذا الحق حتى في غياب اعتراض حاسم؟

وأبدى عدد من القضاة قناعة بأن أداء كل من القاضي ومحامي الدفاع لم يكن على المستوى المطلوب أثناء اختيار هيئة المحلفين، ما يعكس خللا مركبا في إدارة واحدة من أهم مراحل المحاكمة، وفي الوقت نفسه، دافع ممثلو الولاية عن الإجراءات، مؤكدين أن استبعاد المحلفين استند إلى أسباب “محايدة عرقيا”، وأن الدفاع تنازل عن حقه في الطعن.

ويبقي هذا النزاع، في جوهره، مسألة العدالة مفتوحة على احتمالات متعددة، إذ قد تقرر المحكمة العليا إعادة القضية إلى المحاكم الأدنى، أو إصدار حكم يؤسس لتفسير جديد لكيفية التعامل مع ادعاءات التمييز في اختيار المحلفين.

ينتهي هذا المسار، حتى الآن، دون حسم نهائي، لكنه يكشف بوضوح عن التوتر القائم بين الشكل الإجرائي للعدالة وجوهرها الحقوقي، حيث لا يتعلق الأمر فقط بما إذا كانت القواعد قد اتُبعت، بل بما إذا كانت قد حققت الغاية الأساسية منها: ضمان محاكمة عادلة خالية من التمييز، خاصة عندما تكون حياة إنسان على المحك.