يواجه آلاف الأطفال في الصومال خيارين قاسيين؛ الفقر أو البندقية، وتحت وطأة النزاعات المسلحة المستمرة، يتحوّل أكثر من 3 ملايين طفل إلى أرقامٍ في تقارير تُعد في مكاتب الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، بينما تتفاقم معاناتهم اليومية مع كل تفجير، وكل اقتحام، وكل اشتباك مسلح.
وتشكل النزاعات المسلحة في الصومال بيئة خصبة لتجنيد الأطفال في صفوف الجماعات المسلحة، بما فيها حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، التي تتحمل وحدها مسؤولية نحو 66% من الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال في المناطق التي تنشط فيها، بحسب تصريحات وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقي، مع تكرار حالات تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاع كجنود صغار أو كدروع بشرية.
الحاجة للمساعدات الإنسانية
في نهاية ديسمبر 2025، قدّرت اليونيسف أن 4.8 مليون شخص في الصومال بحاجة ماسة للمساعدات الإنسانية، من بينهم 3 ملايين طفل، يعانون آثار النزاع المزمن والفقر العميق، إضافة إلى تدهور الأوضاع المناخية التي أضعفت قدرة المجتمع على الصمود.
في الوقت نفسه، وجد ما يقارب 1.85 مليون طفل دون سن الخامسة أنفسهم في حالة سوء تغذية حادة، بينهم 430,000 طفل يعانون من الهزال الشديد، وهي أرقام في ارتفاع مستمر مقارنة بعام 2025، ما يعكس تصاعد الأزمة الإنسانية مع ضعف الاستجابة الدولية وتمويلها.
وبحسب اليونيسف، فإن التراجع في التمويل الإنساني سيؤدي إلى قطع خدمات الرعاية الصحية الأساسية عن نحو 6 ملايين شخص، وهو ما سيؤدي بدوره إلى توقف الخدمات في المراكز الحيوية، فيما 479,000 امرأة حامل ستفقد الرعاية ما قبل الولادة، و250,000 طفل سيفقدون علاجهم من سوء التغذية الحاد.
تأثير النزاع على الأطفال
في معترك الحياة اليومية للأطفال في الصومال، لا يقتصر الانعدام الأمني على الصدمات البدنية فحسب، بل يمتد إلى نقص الخدمات الأساسية، ووفق بيانات الأمم المتحدة الأخيرة، يوجد 4.5 مليون شخص يفتقرون إلى المياه الآمنة، بينما يعاني 1.7 مليون طفل عدم وصولهم إلى التعليم في بيئةٍ تكاد تكون فيها المدرسة الرفيق المنسي للأطفال في المناطق الأكثر خطورة.
التعليم في الصومال لم يعد مرفقاً بقدر ما أصبح امتيازاً نادراً، مع نسبة منخفضة من التغطية المدرسية وغياب الاستقرار في المناهج والتمويل، ما يجعل مستقبل الأطفال المعرّضين للعنف يبدو أكثر قتامة.
وتتداخَل هذه الاحتياجات الإنسانية مع انتهاكات حماية الأطفال في المناطق المتضررة من النزاع، ووفق تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لعام 2025 بشأن الأطفال والنزاعات المسلحة في الصومال (S/2025/735)، وثّق التقرير نماذج من الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال، من تجنيد واستخدام الأطفال كجنود، إلى القتل والتشويه، والاغتصاب، والهجمات على المنشآت التعليمية والطبية، وخطف الأطفال وحرمانهم من الوصول إلى المساعدات الإنسانية.
وأدرج التقرير جماعات مسلحة، بما فيها حركة الشباب المرتبطة بالقاعدة، ضمن الجهات المسؤولة عن نسبة كبيرة من هذه الانتهاكات، ما يعكس حجم الخطر الذي يتعرض له الأطفال في مناطق النزاع أكثر من أي فئة اجتماعية أخرى.
أوجه القصور الدولي
ما يجعل مأساة الأطفال في الصومال أشد حدّة هو أن الانتهاكات الإنسانية تتفاعل مع انعدام فرص التنمية. فالطفل الذي يتعرض للعنف لا يجد فقط بيئة مدرسية مستقرة، بل يفقد كذلك شبكة الحماية الأسرية والاجتماعية التي كان من المتوقع أن تحميه من التجنيد، أو أن تمنحه غذاءً كافياً، أو رعاية صحية أساسية.
وفي عام 2026، بحسب بيانات التخطيط الإنساني المشترك، يعاني أكثر من 5 ملايين شخص من الحاجة إلى المساعدة الصحية، و2.4 مليون شخص من الحاجة إلى دعم غذائي، و2.1 مليون طفل بحاجة إلى خدمات الحماية. هذه الأرقام المنصوبة في مخطط الاستجابة الإنسانية توضح أن الأطفال ليسوا فقط ضحايا النزاع، بل هم نقطة التقاء الأزمات المتداخلة، من صحة وتعليم وحماية نفسية واجتماعية.
حق الأطفال في المستقبل
يبقى حق التعليم للأطفال في الصومال أكثر الحقوق الأساسية تعرضًا للانتهاك نتيجة الصراع المستمر، والفقر المزمن، وتداعيات الكوارث المناخية، وبحسب خطة الأمم المتحدة للتخطيط الإنساني لعام 2026، فإن نحو 1.7 مليون طفل بحاجة للوصول إلى التعليم، مع عدم وجود بيئة تعليمية آمنة ومستقرة، مما يرفع نسبة الأطفال خارج المدرسة إلى أكثر من ثلثي السكان الطفوليين في المناطق المتضررة، هذا النقص في التعليم لا يعكس فقط أزمة وصول الخدمات، بل يكرس حلقة العنف والفقر، إذ يُحرم الأطفال من فرص التعلم التي تمنحهم القدرة على كسر دائرة التجنيد المبكر أو الانخراط في سوق العمل غير القانوني أو النشاطات المسلحة.
وتغطي برامج التعليم في حالات الطوارئ فقط 110,000 طفل من أصل ملايين الأطفال المحتاجين، بينما يتلقى 95,000 طفل مواد تعليمية فردية، مع تدريب 2,400 معلم وميسر على أساسيات التدريس والدعم النفسي والاجتماعي، بحسب يونيسف 2026.
لم تكن هذه الضغوط الإنسانية بمعزل عن الضغوط الأمنية المتصاعدة، ففي عام 2025، سجلت الصومال ارتفاعاً حاداً في عدد ضحايا الصراع، مع تسجيل أكثر من 7,700 حالة وفاة مرتبطة بالعنف في أول تسعة أشهر من العام، مقارنة بنحو 5,554 حالة في 2024.
هذا التصاعد في العنف لا يعكس فقط فشل الجهود الأمنية في الحد من الصراع، بل يشير أيضاً إلى توسع دائرة التهديدات الأمنية للأطفال، الذين أضحوا أكثر عرضة للتجنيد القسري، والاختطاف، والعنف الجنسي، لا سيما في المناطق التي تشهد تصعيداً عسكرياً.
أطفال بين الجوع والبندقية
في ظل استمرار الصراع المسلح في الصومال وتأثيراته على الأطفال، قال الدكتور حسن شيخ علي نور، أستاذ الدراسات الأمنية بالمعهد العالي للدراسات الأمنية في مقديشو، إن الشعب الصومالي يعيش منذ عقود بين فكي كماشة، إمّا البندقية وإما الجوع، مشيرًا إلى أن هذا الوضع المأساوي يمتد منذ قرابة أربعة عقود نتيجة غياب حكومة صومالية فاعلة وقادرة على حماية شعبها وتقديم الخدمات الأساسية له.
وأضاف الدكتور نور، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، أن الأطفال في الصومال هم الأكثر تضررًا من هذه المعادلة القاسية، إذ يجدون أنفسهم مضطرين للاختيار بين النزول إلى ميادين القتال أو مواجهة الجوع والفقر المدقع.
وأشار إلى أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الأطفال إلى ميادين الصراع متعددة، لكنها جميعًا تتقاطع عند غياب أجهزة الدولة الحديثة، وعدم القدرة على الحفاظ على الأمن العام.
وقال: “الأسلحة الخفيفة منتشرة في ربوع البلاد بلا رقابة، فيما تنتشر حركات التمرد والعصيان المسلح في أجزاء واسعة من البلاد، مما يترك الأطفال دون حماية من التجنيد الإجباري”، مضيفا أن هذا الفراغ الأمني والسياسي يجعل الأطفال هدفًا سهلاً للجماعات المسلحة التي تستغل ضعف الدولة لمصلحتها الخاصة.
وأشار الدكتور نور إلى “الارتزاق بحمل السلاح ضمن جماعات الإجرام، مثل حركة الشباب المجاهدين الصومالية، التي تخوض حربًا ضروسًا ضد أجهزة الأمن منذ أكثر من عقدين”.
وقال: “هذه الجماعة تجنّد الأطفال تحت غطاء ما يسمونه الجهاد، مستهدفة تعبئتهم ضد ما تصفه بالمرتدين، مقابل راتب شهري بسيط يبلغ نحو 30 دولارًا وقليل من الطعام اليومي، بدلًا من توفير فرصة التعليم لهم”.
وأضاف أن حركة الشباب الإرهابية تُعد امتدادًا لتنظيم القاعدة في الصومال، وتستخدم الدين الإسلامي كغطاء أيديولوجي لتبرير أعمال العنف المسلح ضد أبناء الشعب الصومالي، مؤكّدًا أن هذه الممارسات تدمّر مستقبل الأطفال وتزرع في نفوسهم العنف.
وأشار الدكتور نور إلى أن الحكومة الصومالية، رغم محاولاتها حماية الأطفال من الانخراط في القتال، لا تسيطر على الوضع، وقال: “حركة الشباب الإرهابية تسيطر على مساحات واسعة من البلاد، وكأنها دولة موازية، لما تمتلكه من أدوات قمع وسيطرة شاملة، ما يجعل جهود الدولة في حماية الأطفال محدودة للغاية”، مضيفا أن هذا الفراغ يجعل الأطفال عرضة للانخراط في القتال بشكل مستمر، مع آثار طويلة المدى على حياتهم ومستقبلهم.
وأوضح الدكتور نور أن انخراط الأطفال في ميادين القتال له آثار سلبية بالغة الخطورة، قائلا: “الطفل الذي يحمل السلاح منذ سن مبكرة يعتاد ممارسة العنف، ويصبح معرضًا لاحقًا لأن يصبح إما ضحية للموت، وإما مجرمًا محترفًا، أو زعيم عصابة، أو منخرطًا في عالم المخدرات والجريمة المنظمة”، لافتا إلى أن هذا النمط المتكرر من العنف يولد دورة مفرغة، حيث ينتقل العنف من جيل إلى جيل، ويصبح من الصعب كسره دون تدخل فعلي من الدولة والمجتمع الدولي.
وفي ما يخص دور المنظمات الإنسانية، أشار الدكتور نور إلى أن جهودها لإعادة تأهيل الأطفال وإعادتهم إلى التعليم والحياة المدنية ما زالت ضعيفة للغاية، مضيفا: “المنظمات الدولية تواجه صعوبة في الوصول إلى ميادين الصراع بسبب سيطرة الجماعات الإرهابية مثل حركة الشباب وتنظيم داعش، التي تمنع أي جهة من دخول مناطق نفوذها”.
وأضاف أن هذه السيطرة تجعل من الصعب إيجاد برامج كافية لكسر دائرة العنف المتجذّر في الصومال، مؤكّدًا أن غياب حكومة فاعلة يفاقم الأزمة ويترك الأطفال دون حماية.
وختم الدكتور نور تصريحاته بالقول: “إن حماية الأطفال في الصومال تتطلب جهودًا مشتركة على مستويات متعددة، تعزيز قدرة الدولة على فرض الأمن، فرض القانون، وتوفير الخدمات الأساسية، إلى جانب دعم المجتمع الدولي لتقديم المساعدات الإنسانية، وإعادة تأهيل الأطفال المجندين، وضمان عودتهم إلى التعليم والحياة المدنية.
مواجهة الفقر والاستغلال
من جانبه، قال الكاتب حسن محمد حاج، رئيس تحرير موقع الصومال الآن، إن تجنيد الأطفال في الصومال مرتبط بعوامل اجتماعية واقتصادية مركبة، مشيراً إلى أن الفقر المدقع، البطالة المنتشرة، ضعف التعليم، النزوح المتكرر، وتفكك الأسرة، كلها عناصر تجعل الطفل أكثر عرضة للاستقطاب من أي جهة توفر له المال أو شعورًا بالانتماء.
وأضاف حاج، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، أن غياب الفرص والحماية يزيد من هشاشة الأطفال أمام الاستغلال، خصوصًا في بيئات النزاع والمخيمات التي تفتقر إلى الرقابة الفعالة.
وأوضح أن الجماعات المسلحة تعتمد على آليات محددة لاستغلال الأطفال، قائلاً إنهم يقدمون حوافز مالية محدودة، أو وعودًا بالحماية والهوية، وأحيانًا يلجأون إلى الترهيب أو الضغط على الأسر، مشيرا إلى أن مخيمات النزوح تُعد بيئة عالية الخطورة، حيث يصبح الأطفال فريسة سهلة لهذه الجماعات نتيجة ضعف الرقابة ونقص الخدمات الأساسية.
وبخصوص الالتزامات الدولية، أشار حسن حاج، إلى أن الصومال صادق على اتفاقيات دولية تحظر تجنيد الأطفال، إلا أن التطبيق يظل محدودًا للغاية بسبب ضعف المؤسسات واستمرار النزاع وغياب آليات فعالة للرقابة والمساءلة، مضيفا أن الواقع على الأرض يكشف فجوة كبيرة بين القوانين المصادق عليها والقدرة على تنفيذها، مما يجعل الأطفال عرضة لمزيد من التجنيد والاستغلال.
وأشار حاج إلى أن الدولة ومنظمات المجتمع المدني تحاول مواجهة هذه الظاهرة من خلال برامج إعادة التأهيل، التي تشمل التعليم والدعم النفسي والتدريب المهني، لكنه أكد أن هذه البرامج لا تزال دون حجم التحدي القائم على الأرض، مضيفا: “نجاح هذه الجهود يتطلب استدامة التمويل، وتوسيع نطاق البرامج، وتحقيق إعادة دمج حقيقية للأطفال داخل المجتمع لضمان عدم عودتهم إلى ميادين القتال”.
وأكد حاج أن معالجة قضية تجنيد الأطفال ليست مجرد مسألة أمنية، بل هي نتيجة مباشرة لاختلالات اقتصادية واجتماعية عميقة، مشددا على أن: “الحل يتطلب تنمية شاملة تركز على حماية الطفل وخلق بدائل حقيقية قبل أن يقع في دائرة الاستغلال، إذ أن أي إغفال لهذه القضية سيعني استمرار دورة العنف واستغلال الطفولة في الصومال”.
وأضاف: “ينبغي على الحكومة والصناع الدوليين والمجتمع المدني العمل معًا لوقف الاستغلال المباشر للأطفال، وتوفير بيئات آمنة، وضمان تعليم مستدام، وفرص اقتصادية للشباب والأسر، حتى تتغير المعادلة من خيار البندقية أو الفقر إلى مستقبل قادر على حماية الطفولة ومنحها فرص النمو والتطور”.
واختتم حاج تصريحه بالقول إن تجنيد الأطفال في الصومال يظل مؤشرًا صارخًا على هشاشة الدولة وانعدام العدالة الاجتماعية، مشددًا على أن حماية الأطفال وإعادة تأهيلهم ليست خيارًا، بل واجبًا وطنيًا وإنسانيًا عاجلًا يتطلب إرادة سياسية قوية وتعاونًا متعدد الأطراف لمواجهة التحديات المستمرة على الأرض.

