أوصت المفوضية السامية لحقوق الإنسان بوقف فوري للعمليات العسكرية في أوكرانيا، مع إنهاء جميع أشكال الانتهاكات، بما في ذلك الإعدامات خارج نطاق القانون والتعذيب وسوء المعاملة، وضمان الحماية الكاملة للمدنيين وأسرى الحرب.
وشددت المفوضية على ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، وضمان عودة النازحين قسرًا بشكل طوعي وآمن، مع إشراكهم في أي عملية سلام مستقبلية، مؤكدة على أن السلام المستدام لا يمكن تحقيقه إلا عبر مفاوضات تستند إلى حقوق الإنسان وتتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة.
جاء ذلك خلال الجلسة السابعة والأربعين ضمن أعمال الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان، في إطار حوار تفاعلي بشأن التحديث الشفوي للمفوض السامي حول حالة حقوق الإنسان في أوكرانيا، عملاً بالقرار 59/22، حيث قدمت نائبة المفوض السامي ندى الناشف إحاطة مفصلة حول تطورات الأوضاع الإنسانية والميدانية بعد مرور أربع سنوات على اندلاع الحرب.
وكشف التحديث عن تصاعد مقلق في أعداد الضحايا المدنيين، إذ ارتفع العدد بنسبة 31% مقارنة بعام 2024، وبنسبة 70% مقارنة بعام 2023، ما يعكس تسارع وتيرة العنف.
تضاعف معدل الضحايا
وخلال العام الماضي، قُتل ما لا يقل عن 580 مدنيًا وأصيب نحو 3000 آخرين، فيما شهد الشهران الأولان من العام الجاري مقتل 107 مدنيين وإصابة 430، وهو ما يشير إلى تضاعف معدل الضحايا تقريبًا.
وبحسب البيانات، فإن نحو 60% من الضحايا سقطوا في مناطق قريبة من خطوط المواجهة، بينما شكّل كبار السن قرابة نصف القتلى، ما يعكس هشاشة هذه الفئة في ظل استمرار العمليات العسكرية، وتُعد الطائرات المسيّرة قصيرة المدى السبب الرئيسي في هذه الخسائر، حيث تستهدف بشكل متكرر المناطق السكنية.
وسلط التقرير الضوء على الأوضاع الإنسانية الحرجة في مناطق خط المواجهة، حيث أفاد سكان من مناطق خاضعة لسيطرة روسيا في خيرسون بأن القصف المتكرر والألغام الأرضية تعيق عمليات الإجلاء، ما يترك المدنيين عالقين وسط نقص حاد في الغذاء والخدمات الأساسية.
وفي المقابل، أشارت تقارير إلى سقوط ضحايا داخل الأراضي الروسية نتيجة هجمات أوكرانية، مع استمرار غياب الوصول المستقل للتحقق من هذه المعلومات.
استهداف البنية التحتية
وفي سياق متصل، وثّق التقرير تصعيدًا في استهداف البنية التحتية للطاقة، حيث فقدت أوكرانيا أكثر من نصف قدرتها على توليد الكهرباء نتيجة الهجمات، ما أدى إلى انقطاعات واسعة وصلت إلى 22 ساعة يوميًا في بعض المناطق.
ومع انخفاض درجات الحرارة إلى مستويات قاسية، حُرم مئات الآلاف من التدفئة، ما انعكس بشكل مباشر على الصحة والتعليم ومستوى المعيشة، خاصة للفئات الأكثر ضعفًا.
كما أعربت المفوضية عن قلقها إزاء الانتهاكات المرتبطة بأسرى الحرب، حيث أفاد أكثر من 96% من الأسرى الأوكرانيين الذين تم الإفراج عنهم بتعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة، فيما أشار أكثر من نصف الأسرى المحتجزين لدى أوكرانيا إلى تعرضهم لانتهاكات، خصوصًا خلال المراحل الأولى من الاحتجاز.
وكشف التقرير عن سياسات ممنهجة في الأراضي التي تسيطر عليها روسيا، تشمل النقل القسري والترحيل غير القانوني، إلى جانب فرض قيود على التنقل ومصادرة الممتلكات، واستهداف الأشخاص على أساس هويتهم أو مواقفهم السياسية، ما يحرم كثيرين من العودة إلى ديارهم ويعمق أزمة النزوح.
تغيير التركيبة السكانية
وخلال الجلسة، أكدت أوكرانيا أن هذه الممارسات ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، متهمة روسيا بتنفيذ سياسات تهدف إلى تغيير التركيبة السكانية في الأراضي المحتلة، داعية المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لمحاسبة المسؤولين ووقف الانتهاكات.
ومن جهته، أدان الاتحاد الأوروبي الحرب الروسية، مشيرًا إلى مقتل أكثر من 15 ألف مدني منذ بداية النزاع، بينهم مئات الأطفال، ومؤكدًا أن الانتهاكات الموثقة، بما في ذلك الترحيل القسري والتعذيب، تستوجب المساءلة الدولية.
كما أعربت عدة دول، من بينها إيطاليا واليابان وليتوانيا، عن قلقها من استمرار الهجمات على المدنيين والبنية التحتية، مؤكدة دعمها لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها، ومشددة على ضرورة تحقيق سلام عادل ودائم.
تحذير من التداعيات الإقليمية
وفي السياق ذاته، حذرت دول مثل مولدوفا ورومانيا من التداعيات الإقليمية للنزاع، خاصة في ما يتعلق بالنزوح الجماعي والضغط على الموارد، حيث اضطر ملايين الأوكرانيين إلى مغادرة منازلهم، في واحدة من أكبر أزمات النزوح في أوروبا خلال العقود الأخيرة.
وفي ختام المناقشات، شددت غالبية الوفود على أن المساءلة تمثل عنصرًا أساسيًا لتحقيق العدالة ومنع الإفلات من العقاب، مؤكدين أن أي تسوية سياسية يجب أن تضمن حقوق الضحايا وتؤسس لسلام مستدام قائم على احترام القانون الدولي. كما اعتُبر تبادل أسرى الحرب مؤخرًا خطوة إيجابية يمكن البناء عليها لتعزيز الثقة ودفع مسار الحلول الدبلوماسية.
وبينما تستمر الحرب في استنزاف الأرواح والبنية التحتية، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في نزاع مفتوح، يختبر قدرة المجتمع الدولي على فرض قواعد القانون الدولي وحماية حقوق الإنسان في زمن الأزمات الممتدة.
