منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

قمع يتصاعد وحرية تتلاشى

انتهاكات حقوق الإنسان في إيران تثير قلق المجتمع الدولي

16 مارس 2026

حذّرت سارة حسين، رئيسة بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة المعنية بحالة حقوق الإنسان في إيران، من أن عدد الإعدامات قد يتجاوز الألف بحلول نهاية عام 2025، في ظل تصاعد موجة القمع المستمرة ضد المتظاهرين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وأفادت حسين خلال الجلسة الثانية والثلاثين، في إطار فعاليات الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة اليوم الاثنين بجنيف، بأن أكثر من 1600 شخص أُعدموا خلال العام الجاري، في وقت يخضع فيه الفضاء الرقمي الإيراني لقيود واسعة النطاق، مع حجب منصات دولية ودمج آليات مراقبة معقدة ضمن البنية التحتية للاتصالات.

وأضافت أن بث الاعترافات القسرية على التلفزيون الرسمي أصبح نمطاً متكرراً، فيما تعرّض المحامون الذين دافعوا عن المحتجزين للاعتقال.

وأوضحت حسين أن التفويض الذي تعمل به البعثة لا يركز فقط على طبيعة رد فعل الدولة، بل على حجم التعبئة والقمع الذي يواجهه الشعب الإيراني يومياً.

وأشارت رئيسة بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة المعنية بحالة حقوق الإنسان في إيران إلى أن منظمات المجتمع المدني سجلت وقوع حوالي 7000 حالة وفاة، مع وجود المزيد تحت المراجعة والتحقق، فضلاً عن احتجاز عشرات الآلاف من المتظاهرين، إلى جانب العاملين في المجال الطبي الذين قدموا العلاج للجرحى، والمحامين الذين سعوا لتمثيلهم، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وللمعايير الإنسانية.

حماية المدنيين والحياد الطبي

وأكدت أن انتهاك الحياد الطبي يمثل سابقة خطيرة، إذ دُهمت المستشفيات واعتُقل موظفوها، بينما صدرت توجيهات تلزم المرافق بتقديم معلومات عن المصابين والمتظاهرين، مما يضع العاملين الصحيين تحت تهديد مباشر.

وقالت: “تلقيت طلبات مساعدة من أفراد لم يسبق لهم الانخراط في النشاط السياسي، وهو ما يعكس شدة ما شهده الشعب الإيراني، وليس قوة ولايتي.”

وأضافت حسين أن الهجمات العسكرية الإقليمية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على الأراضي الإيرانية أسفرت عن مقتل نحو ألف مدني، مع تدمير المدارس الابتدائية والمستشفيات ومواقع التراث العالمي والبنية التحتية النفطية، ما أدى إلى عواقب بيئية وخيمة قد تمتد لتشمل آثاراً صحية عامة طويلة الأمد في بلد يعاني أصلاً من نقص حاد في المياه.

وأكدت أن حماية المدنيين والحياد الطبي يجب أن يكون محور أي استجابة، وأن استمرار التصعيد العسكري سيضاعف من معاناة المدنيين ويزيد من القمع الداخلي الذي يمارسه النظام الإيراني، مشددة على ضرورة وضع حقوق الإنسان، وإرادة الشعب الإيراني، والمساءلة القانونية في صميم أي حل سياسي أو دبلوماسي.

القمع الحكومي

وشهدت الجلسة حواراً تفاعلياً مشتركاً مع ماي ساتو رحمان، المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في جمهورية إيران الإسلامية، وبعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة، وقدم المشاركون تقريراً مفصلاً عن الانتهاكات الواقعة في إيران منذ بدء الاحتجاجات في 20 ديسمبر 2025، والتي اندلعت احتجاجاً على الأزمة الاقتصادية والمطالبة بتغيير جذري في السياسات الحكومية.

وأشار المقرر الخاص وبعثة تقصي الحقائق إلى أن “القمع الحكومي” تسبب في وقوع آلاف الضحايا المدنيين، مع استخدام قوات الأمن الرشاشات الثقيلة ضد المتظاهرين والمارة، وفرض قيود صارمة على الإنترنت، وقطع الوصول إلى منصات رقمية أساسية، ما منع المواطنين من التواصل والحصول على المعلومات خلال أزمات حادة.

وأوضح أن الاحتجاجات والاشتباكات الأولى سجلت سقوط أكثر من 7000 ضحية، فضلاً عن اعتقال أكثر من 50 ألف شخص، بينهم الأطباء الذين قدموا الرعاية للضحايا، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والإنساني.

التدخل العسكري الخارجي

وركز التقرير أيضاً على التدخل العسكري الخارجي، حيث شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة جوية مدمرة على منشآت استراتيجية في إيران لمدة ثلاثة أسابيع تقريباً، مستهدفة مواقع نووية وعسكرية، وأسفرت الغارات عن سقوط مئات المدنيين، وتدمير مستشفيات ومدارس ومناطق سكنية ومخازن نفطية، بما في ذلك مدرسة في ميناب جنوب إيران قتل فيها 168 شخصاً، معظمهم أطفال.

وأوضح التقرير أن هذه الهجمات تتعارض مع قواعد الاشتباك الدولي، وتطرح أسئلة جدية حول احترام القانون الدولي الإنساني.

بالإضافة إلى التدخل الخارجي، “واصل النظام الإيراني ممارسة القمع المنهجي ضد المتظاهرين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، بما في ذلك الأقليات العرقية والدينية”، وأشارت البعثة إلى أن عقوبة الإعدام استخدمت على نطاق واسع خلال هذا العام، مع تسجيل 1639 عملية إعدام، تجاوزت بذلك إجمالي الإعدامات المسجلة عالمياً للعام السابق، بينما استمرت الحكومة في استخدام قوانين الحجاب الإلزامي كأداة لقمع النساء والفتيات، وتعزيز إجراءات قمع عابرة للحدود ضد المعارضين الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يغطون أخبار إيران من الخارج.

المساءلة القانونية

وشددت البعثة على أن المساءلة القانونية هي السبيل الوحيد لتحقيق العدالة، وليس الرد العسكري أو العنف، داعية جميع الأطراف إلى وقف الأعمال العدائية بشكل عاجل وغير مشروط، وضمان حماية المدنيين، وفتح قنوات التواصل، وإعادة الوصول الكامل للإنترنت، وحماية العاملين الطبيين والمحتجزين، ومحاكمة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان حقوق النساء والفتيات والأقليات العرقية والدينية.

وأكدت حسين أن الشعب الإيراني ما زال متحداً في رغبته بالتغيير الجذري والسلمي، وأن حقه في تقرير المصير يجب أن يكون محور أي حل سياسي مستدام.

مطالب دولية وعربية

وردت دول عدة على هذه المداولات، منها كندا وأستراليا ونيوزيلندا، مؤكدة ضرورة خفض التصعيد، وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، وضمان استمرار القنوات الدبلوماسية لحل الأزمة سلمياً.

كما أعرب الاتحاد الأوروبي عن قلقه العميق إزاء المضايقات والانتقام، بما في ذلك القمع العابر للحدود، مطالباً بوقف جميع عمليات الإعدام والاحتجاز التعسفي، وضمان الوصول الكامل إلى الإنترنت، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان حقوق المرأة والأقليات.

بدورها، أدانت ألبانيا الاستخدام المفرط للقوة ضد المتظاهرين السلميين، والاعتقالات التعسفية، والتعذيب والاختفاء القسري في مراكز الاحتجاز، معتبرة هذه الانتهاكات دليلاً على وجود نظام للإفلات من العقاب استمر لعقود، وضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان المساءلة، وأكدت فرنسا دعمها الكامل للشعب الإيراني، مطالبة بحل دبلوماسي مستدام، وإنهاء الانتهاكات الوحشية، مع احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان.

وأشارت دول أخرى، منها بلجيكا والفلبين وفنزويلا، إلى أن التصعيد الأخير له آثار إنسانية واسعة النطاق، داعية إيران إلى احترام القانون الدولي، وحماية المدنيين، ووقف الاعتقالات التعسفية والإعدامات، وضمان مساءلة المسؤولين. كما شددت هذه الدول على ضرورة إعادة فتح الإنترنت، وتأمين سبل قانونية للضحايا وعائلاتهم، وضمان سلامة المدنيين في جميع الأوقات.

من جانبها أدانت الدول العربية، بما في ذلك الإمارات، وقطر، وسلطنة عمان، واليمن، بأشد العبارات الهجمات الإيرانية على أراضيها وعلى دول الجوار، معتبرة هذه الأعمال انتهاكًا صارخًا للسيادة الوطنية والقانون الدولي وتهديدًا مباشرًا لأمن وسلامة المدنيين، وأكدت الإمارات وقطر رفض أي مبرر إيراني للتصعيد، مشددتين على أن توصيف هذه الهجمات بأنها “ضربات انتقامية” يفتقر لأي أساس قانوني أو واقعي وتمثل انتهاكا لحقوق الانسان ويمنح غطاءً غير مبرر للأعمال العدوانية، كما سجلت اليمن استمرار التدخلات الإيرانية المرفوضة في شؤونها ودعمها للميليشيات المسلحة، بما يشكل تهديدًا لاستقرار المنطقة.

وجددت هذه الدول تأكيدها على حقها الأصيل في الدفاع عن النفس وفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، والدعوة الصريحة إلى الوقف الفوري للتصعيد والعودة إلى الحوار والدبلوماسية كحلول ناجعة لمعالجة الأزمات، مع التأكيد على حماية المدنيين والمنشآت الحيوية وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي. كما دعت سلطنة عمان إلى تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لوقف الحرب، وضمان احترام حقوق الإنسان في جميع مستوياتها، ومنع أي محاولات لتقويض سيادة الدول أو تهديد شعوب المنطقة.

في ختام الجلسة، جددت سارة حسين دعوة المجتمع الدولي إلى عدم الصمت حيال ما يجري في إيران، مؤكدة أن الحقائق الميدانية واضحة، وأن استمرار التصعيد العسكري والقمع الداخلي يزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية ويهدد استقرار المنطقة، موضحة أن أي تقدم مستقبلي يجب أن يستند إلى إرادة الشعب الإيراني، وحماية حقوقه الأساسية، والمساءلة القانونية، لضمان مستقبل مختلف وسلمي للجمهورية الإسلامية.

وأكدت البعثة أنه لا يمكن لأي قوة عسكرية أو سياسات انتقامية أن تحقق نتائج حقيقية، وأن العدالة الحقيقية تتطلب مساءلة قانونية، وتغييرا جذريا في السياسات، وضمان حقوق المرأة، والأقليات، والشباب، لتشارك كل فئات المجتمع في صياغة مستقبلهم بحرية وأمان. وأشارت إلى أن الشعب الإيراني ما زال متحداً برغبة عميقة في مستقبل مختلف، يسوده احترام القانون وحقوق الإنسان، مع ضرورة وضع حقوقه في صميم أي حل سياسي.