منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ضحايا الانهيار الاقتصادي في لبنان

أمهات يستيقظن على الفقر وأطفال ينامون على الجوع.. قصص موجعة من بيروت

16 مارس 2026
المنظمات الحقوقية تحذر من "كارثة اجتماعية" في لبنان حيث تتوارث الأجيال الفقر واليأس والبطالة
المنظمات الحقوقية تحذر من "كارثة اجتماعية" في لبنان حيث تتوارث الأجيال الفقر واليأس والبطالة

بين دروب أحد الأحياء الشعبية في بيروت، تجلس مريم (38 عاماً)، أم لثلاثة أطفال، على سرير متهالك بغرفة ضيقة تتسع لأسرتها بالكاد، تقول بصوت يفوح منه اليأس: “لم أعد أستطيع شراء الحليب لابني الصغير، فأحياناً ينام جائعا، وأحيانا أخرى أكتفي بالماء والسكر لأخدع معدته الفارغة”.

الحالة التي تعيشها مريم ليست استثنائية في البلد العربي المأزوم، بل باتت صورة تختصر مأساة آلاف الأسر اللبنانية التي وجدت نفسها رهينة انهيار اقتصادي غير مسبوق يضرب بلادهم منذ سنوات، لا سيما في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتدهور قيمة الليرة، الأمر الذي أصبح في سياقه الحد الأدنى للأجور لا يكفي سوى لشراء بضع وجبات بسيطة في الشهر.

وانطلاقا من كونها الحلقة الأضعف في المجتمع، فإن النساء هن الأكثر معاناة، إذ اضطرت العديد منهن إلى التخلي عن بعض ضروريات الحياة لتأمين الأساسيات، بينما لجأت أخريات إلى العمل في مهن شاقة أو غير لائقة لتأمين لقمة العيش.

وأصبح الأطفال بدورهم ضحايا صامتين للأزمة المتفاقمة منذ سنوات، حيث تسرب آلاف التلاميذ من المدارس بسبب عجز الأسر عن دفع الرسوم أو تكلفة النقل، فيما ارتفعت نسب عمالة الأطفال بشكل مقلق، فتحولت الطفولة إلى سباق مرير مع متطلبات الحياة.

ورغم المبادرات الفردية وبعض برامج المساعدات الإنسانية، فإن الفجوة تتسع يوماً بعد يوم، إذ حذرت المنظمات الحقوقية من “كارثة اجتماعية” قد تترك ندوباً طويلة الأمد على المجتمع اللبناني، حيث تتوارث الأجيال الفقر واليأس والبطالة.

ورغم هذه المعاناة، لا تزال بعض الأمهات يتمسكن بأمل ضئيل في أن يستعيد لبنان استقراره الاقتصادي، ويعود الأطفال إلى مدارسهم بدلا من التسكع في الشوارع، وأن تتحول دموع الجوع إلى ضحكات أمل.

أرقام مفزعة

ولم تكتفِ الحرب بتمزيق جغرافيا لبنان، بل التهمت اقتصاده وأحلام شعبه، ففي عام 2024، انكمش الاقتصاد الحقيقي بنسبة 6.6%، بينما قدرت الخسائر الكلية بأكثر من 8.5 مليار دولار، ومعها ضاعت فرص عمل نحو 166 ألف شخص، لتتسع دوائر البطالة والفقر.

أما الأطفال، فكانوا الوجه الأكثر إيلاماً للأزمة، فبحلول يوليو 2025 وجد نحو 155 ألف طفل أنفسهم خارج مقاعد الدراسة، بعدما تحول التعليم إلى رفاهية لا يقدر عليها الأهل بفعل الرسوم الباهظة وتكاليف النقل وغياب الكتب، إلى جانب ذلك تحولت 770 مؤسسة تعليمية إلى ملاجئ للنازحين، فيما أغلقت نحو 400 مدرسة أبوابها نهائياً، لتُطفَأ أحلام الطفولة مبكراً.

وكانت النساء والأطفال الفئة الأكثر هشاشة، إذ شكلوا أكثر من 70% من النازحين داخلياً، والذين بلغ عددهم نحو 103 آلاف حتى يناير 2025، هؤلاء الصغار لم يخسروا منازلهم فحسب، بل خسروا أيضاً الأمان، ليجدوا أنفسهم فريسة للقلق الشديد والاكتئاب والحزن، وفق تقديرات “اليونيسف”.

وخلال الأيام القليلة الماضية نزح أكثر من 800 ألف شخص في لبنان جراء تجدد الحرب، بعد دخول حزب الله في المواجهات لإسناد إيران في حربها ضد أمريكا وإسرائيل منذ 28 فبراير الماضي، بحسب ما ذكر المجلس النرويجي للاجئين.

وقال المجلس النرويجي إن أعداد النازحين تتزايد يوميا مع استمرار الحرب، فيما لم تتمكن الحكومة من توفير المأوى سوى لـ 12 ألف نازح فقط.

ولم تقتصر الخسائر على البشر فحسب، بل طالت كل حجر وركن في البلد العربي المأزوم، إذ قدرت الأضرار الاقتصادية بنحو 8 مليارات دولار، بينها 3.6 مليار نتيجة تدمير البنية التحتية، و1.6 مليار خسائر في المالية العامة، و2.4 مليار دولار تبخرّت من الناتج المحلي.

وما زاد المشهد قتامة أن لبنان، الذي يعاني انهياراً اقتصادياً منذ 2019، فقدت عملته نحو 95% من قيمتها، فيما جُمدت مدخرات الناس في البنوك، وسقط أكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر.

ورغم هذه المظاهر السوداوية تلوح في الأفق بادرة أمل، حيث شهد الاقتصاد اللبناني في العام الماضي 2025 نموا طفيفا وارتفع ناتج الإجمالي المحلي بنسبة 3.5%، بحسب ما ذكر البنك الدولي، متوقعا ارتفاع نسبة الناتج المحلي بنسبة 4% خلال العام الجاري 2026.

بيئة ينهشها الانقسام

تتجسد مآسي النساء والأطفال في لبنان كأحد أثقل وجوه الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات، كما يصفها الصحفي اللبناني وفيق الهواري في حديثه لـ”صفر”.

يقول الهواري: “منذ نحو سبع سنوات ولبنان يعيش انهياراً مالياً واقتصادياً عميقاً، لم يترك أحداً بمنأى عن تبعاته، لكنه سحق بشكل خاص الفئات الأضعف؛ النساء والأطفال”.

ويضيف أن هذا الانهيار لم يقتصر على الجانب المعيشي، بل أصاب البنية الاجتماعية نفسها، ففككها وترك النساء أمام واقع قاسٍ دفع بالكثير منهن، بلا مؤهلات، إلى أسواق عمل شاقة ومتواضعة لا تليق بكرامتهن.

أما من حيث أوضاع الرجال والعائلات ككل، فقد عصفت بهم الأزمات حتى ارتفعت معدلات الطلاق بشكل غير مسبوق، وصلت إلى عشر حالات طلاق مقابل حالتي زواج فقط في بعض الفترات، وهو ما انعكس بمرارة على الأطفال الذين وجدوا أنفسهم في بيئة ينهشها الانقسام والتوتر، يقول الهواري.

ويرى الصحفي اللبناني أن النساء دفعن الضريبة الأثقل في هذه المأساة، فيما حُرم الأطفال من أبسط حقوقهم في التعليم، إذ ارتفعت أقساط المدارس الخاصة وتدهورت المؤسسات الرسمية، فوجدت آلاف العائلات نفسها أمام خيار مرير، إما إخراج أبنائها من التعليم أو دفعهم نحو سوق العمل المبكر، لتتفاقم ظاهرة عمالة الأطفال.

ويختم الهواري قائلاً: “الأثمان الباهظة التي تدفعها النساء والأطفال اليوم في لبنان ما زالت مستمرة، لكن الأمل يبقى أن تشرق شمس التغيير يوماً ما، لتُطوى هذه الصفحة الثقيلة من تاريخ البلاد”.

طلاق وعنف أسري

في حديثه لـ”صفر”، يرسم المحلل السياسي اللبناني طارق أبو زينب، صورة قاتمة للواقع المعيشي في لبنان، مؤكداً أن النساء والأطفال هم الأكثر هشاشة وسط الانهيار الاقتصادي المستمر.

ويقول أبو زينب: “هناك عائلات بأكملها اليوم عاجزة عن تأمين الغذاء والدواء، فيما يُحرم الأطفال من أبسط حقوقهم في التعليم والصحة والحياة الكريمة، ويُدفع بعضهم إلى سوق العمل في سن مبكرة، معرضين للاستغلال والتحرش”.

ويشير أبو زينب إلى أن النساء بدورهن يتحملن عبئاً مضاعفاً؛ إذ يواجهن البطالة والعنف الأسري وارتفاع نسب الطلاق، في ظل غياب أي خطط رسمية لدعمهن أو حمايتهن.

ومع اشتداد الغلاء وانهيار العملة، يصف أبو زينب الأزمة بأنها تحولت إلى “مأساة يومية يتجرعها اللبنانيون”، محذراً من أن استمرارها قد يضيّع أجيالاً كاملة، خصوصاً من النساء والأطفال، ما لم تتحرك الحكومة سريعاً لإيجاد حلول توقف هذا الانحدار وتحمي من تبقى واقفاً على حافة الانكسار.

التمسك بأهداب الأمل

منذ أواخر عام 2019، يعيش لبنان واحدة من أشد أزماته الاقتصادية قسوة في تاريخه الحديث، أزمة لم تترك بيتاً إلا وطرقت بابه، كما تقول الإعلامية والمحللة السياسية اللبنانية ميساء عبد الخالق في حديثها لـ”صفر”.

وتشير ميساء إلى أن وطأة الانهيار طالت كل شرائح المجتمع، إلا أن النساء والأطفال ظلوا الأكثر هشاشة أمام العواصف، حيث وجدت المرأة اللبنانية نفسها أمام تحديات تفوق طاقتها، وباتت تكافح يومياً لتأمين لقمة العيش لأسرهن، فيما تتضاعف معاناة الأطفال الذين يحتاجون إلى الغذاء والكساء والتعليم، وهي أبسط الحقوق التي بات الحصول عليها رفاهية للكثير من العائلات.

وتضيف أن الحرب الإسرائيلية على الجنوب وقلب العاصمة بيروت لم تكن سوى جرح جديد فوق جراح اللبنانيين، لتزيد الضغوط، وتجعل الأعباء أثقل على الفئات الأضعف وهم النساء والأطفال.

ورغم كل هذا السواد، تتمسك عبد الخالق بخيط من الأمل، إذ تؤمن بأن لبنان قادر على النهوض مجدداً، وأن عهداً رئاسياً جديداً وحكومة جادة في الإصلاح والدعم الاجتماعي يمكن أن يفتحا نافذة للخلاص، حتى تستعيد النساء والأطفال بعضاً من الطمأنينة التي انتُزعت منهم قسراً.

وتضع قسوة الأزمات، التي تعصف بلبنان، النساء والأطفال في صدارة من يدفعون الثمن الأغلى، إذ تتسع دائرة المعاناة وتضيق فسحة الأمل، ما ينذر بخطر يحلق في سماء لبنان ما لم يتم إنصاف أضعف حلقاته، ليكون لهم الحق في مستقبل لا يشبه هذا الحاضر المثقل بالوجع.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان