جورج ف. ويل*
عندما يُرحَّل نادل عمل في هذا المجال لعشرين عاماً، تصبح قضية الهجرة ذات وجه ملموس، وتزداد تعقيداً. فقد تضافرت جهود وكالتين حكوميتين مختلفتين، من دون قصد، لتوضيح الجدل الدائر حول الهجرة؛ إذ حولت تجاوزات مقلقة من جانب إدارة الهجرة والجمارك تفضيلات سياسية مجردة لدى كثير من الأمريكيين إلى واقع ملموس يثير القلق، فيما أظهرت بيانات مكتب الإحصاء أن البلاد بحاجة إلى المهاجرين بقدر حاجتها إلى ما توفره الحرية الأمريكية من مزايا.
وإذا ما وُضع الأمريكيون أمام خيار ثنائي واضح: مع أو ضد ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، فإن معظمهم سيؤيد الترحيل. ومع ذلك، فإن الصورة تتغير عندما تتجسد القضية في الواقع اليومي. ففي أحد أيام الأحد، ذهب أمريكي مؤيد للترحيل بشكل معتدل، كعادته، لتناول فطور متأخر في مطعم الحي. لكنه اكتشف أن “خوسيه”، الذي اعتاد تقديم الفطائر له طوال عشرين عاماً، وكان يتبادل معه الأحاديث الودية عن العائلة والحياة، قد تم ترحيله “لمصلحة أمريكا”. عندها بدت قضية الهجرة أكثر وضوحاً، وأكثر تعقيداً في الوقت ذاته.
لقد أدى قرار الرئيس جو بايدن بعدم تطبيق قوانين الهجرة إلى تسميم النقاش العام حول هذه القضية، كما أسهم في تعزيز انعدام الثقة بالحكومة. وزاد من تعقيد الصورة التدفق الكبير والمتفرق للمهاجرين خلال فترة رئاسة بايدن، إذ بلغ عددهم نحو 8.3 مليون مهاجر، وهو رقم يفوق إجمالي ما شهدته السنوات الاثنتا عشرة السابقة.
وتشير البيانات إلى أن نسبة السكان المولودين خارج الولايات المتحدة بلغت 15.8% من إجمالي السكان، وهي أعلى نسبة تسجلها البلاد منذ عام 1850 على الأقل. ومع ذلك، وبحلول عام 2023، لم يكن سوى 27% من هؤلاء يحملون تصاريح إقامة قانونية، في حين حصل أكثر من نصفهم، أي نحو 52%، على الجنسية الأمريكية.
وقبل موجة الهجرة التي شهدتها فترة بايدن، كان معظم المهاجرين غير الشرعيين قد وصلوا إلى الولايات المتحدة قبل عام 2010، وبلغت نسبة من أقاموا في البلاد لمدة عشرين عاماً أو أكثر نحو 43% بحلول عام 2020. كما أن نحو ثلثهم يمتلكون منازل، في حين أن أبناءهم – البالغ عددهم نحو خمسة ملايين مولود في الولايات المتحدة – يحملون الجنسية الأمريكية، ما يجعل الحديث عن إعادتهم إلى “أوطانهم الأصلية” أمراً لا معنى له، لأنهم ببساطة يعيشون في وطنهم بالفعل.
وفي الواقع، يستحق هؤلاء الشكر على مساهمتهم في المجتمع. فقد أفاد مكتب الإحصاء الأمريكي بأن عدد سكان الولايات المتحدة نما بنسبة 0.5% فقط بين يوليو 2024 ويوليو 2025، أي أقل بنحو 1.4 مليون شخص مقارنة بالأشهر الاثني عشر السابقة، ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى انخفاض مستويات الهجرة.
كما أشار مركز “بيو” للأبحاث إلى أن عدد السكان المولودين في الخارج انخفض بأكثر من مليون شخص خلال الأشهر الستة الأولى من الإدارة الحالية، وهو أول انخفاض من نوعه منذ ستينيات القرن الماضي. ووفقاً لمعهد سياسات الهجرة، فقد شكلت الهجرة كامل النمو السكاني في الولايات المتحدة بين عامي 2022 و2023، وذلك للمرة الأولى منذ بدء تسجيل بيانات التعداد السكاني ذات الصلة عام 1850.
ومع تقدم سكان الولايات المتحدة في العمر، يتجه المزيد منهم إلى التقاعد والانضمام إلى نظامي الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية. وبما أن معدل المواليد في البلاد أقل من مستوى الإحلال السكاني، فإن الهجرة تظل عاملاً أساسياً في تعويض النقص في القوى العاملة التي تمول هذه البرامج من خلال الضرائب.
ويشكل المهاجرون نحو 23.6% من العاملين في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وهي قطاعات حيوية للاقتصاد الأمريكي. كما يمثل المهاجرون نسبة مهمة في قطاع الرعاية الصحية، إذ إن 15.9% من الممرضين و28.4% من مساعدي الرعاية الصحية مولودون خارج الولايات المتحدة، وهو ما يجعلهم عنصراً أساسياً في مجتمع يشهد شيخوخة متزايدة.
ويشير تقرير حديث لمعهد كاتو بعنوان “الآثار الحديثة للمهاجرين في الميزانيات الحكومية: 1994 – 2023” إلى أن المهاجرين ساهموا في دفع ضرائب للحكومة أكثر مما حصلوا عليه من مزايا. كما أنهم حققوا فائضاً مالياً تراكمياً قدره 14.5 تريليون دولار بالقيمة الحقيقية لعام 2024، بما في ذلك نحو 3.9 تريليون دولار من وفورات الفوائد التي لم تكن لتُدفع على ديون لم تُضَف أصلاً.
كما كان المهاجرون، في المتوسط، أكثر عرضة للتوظيف بنسبة تزيد على 12% مقارنة بالسكان المولودين في الولايات المتحدة. ويشير معهد كاتو إلى أنه في عام 1994 كانت حصة المهاجرين من الإنفاق الحكومي أقل بنسبة 18% من نسبتهم في السكان، وفي عام 2023 اتسعت هذه الفجوة لتصل إلى 25%.
وفي عام 2023 شكّل المهاجرون نحو 18% من القوى العاملة المدنية في الولايات المتحدة، وكان أكثر من ثلثهم يعملون في وظائف إدارية ومهنية وما يرتبط بها، وهو ما يقارب ضعف نسبة العاملين في قطاع الخدمات، مثل الضيافة، التي بلغت 21%.
كما بلغ متوسط دخل الأسر المهاجرة في عام 2023 نحو 78,700 دولار سنوياً، وهو رقم أعلى بقليل من متوسط دخل الأسر الأمريكية الذي بلغ 77,600 دولار.
وتعتمد بيانات معهد كاتو على حسابات مالية ثابتة، وليست ديناميكية، ما يعني أنها لا تقيس التأثيرات الأوسع للهجرة، مثل الابتكار وريادة الأعمال. فالهجرة في جوهرها تمثل مخاطرة يسعى من خلالها الأفراد إلى تحقيق فرص أفضل، وهي سمة ترتبط بروح المبادرة الاقتصادية.
وليس من المستغرب، في ضوء هذه المعطيات، أن تبلغ نسبة مشاركة المهاجرين في القوى العاملة نحو 66.5%، مقارنة بنسبة 61.7% للسكان المولودين في الولايات المتحدة. كما أن نسبة المهاجرين المشاركين في تسجيل براءات الاختراع وتأسيس الشركات الناشئة في الولايات المتحدة تتجاوز نسبتهم في عدد السكان.
ومن المفارقات أن كثيراً من المهاجرين غير الشرعيين الذين يعملون بهويات مستعارة أو مسروقة تُقتطع منهم الضرائب من قبل أرباب العمل، رغم أنهم غير مؤهلين للحصول على كثير من المزايا الحكومية. كما أنهم أقل ميلاً من غيرهم إلى تقديم إقرارات ضريبية للمطالبة باسترداد الضرائب.
ولهذا خلص معهد كاتو إلى أن المهاجرين حققوا فائضاً مالياً هائلاً للحكومة الأمريكية، إذ تعادل المدخرات التي بلغت 14.5 تريليون دولار نحو 33% من إجمالي العجز التراكمي المعدل حسب التضخم للفترة بين عامي 1994 و2023.
وفي النهاية، سيظل ذلك الرجل الذي اعتاد تناول فطوره المتأخر في المطعم يحصل على الفطائر التي يحبها، لكنه سيفتقد خوسيه، وملايين مثله، بطرق تفوق ما كان يتصوره.
* كاتب عمود متخصص في السياسة والشؤون الداخلية والخارجية، وصدرت له عدة كتب منها: “السعادة والسخط الأمريكي”، “الحساسية المحافظة”، “أمريكا رجل واحد: متع واستفزازات أمتنا الفريدة”.
نقلاً عن واشنطن بوست
