منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

أطفال التوحد في ليبيا.. احتياج كبير وبيانات ناقصة وخدمات لا تصل إلى الجميع

28 مارس 2026
تأهيل طفل يعاني من التوحد
تأهيل طفل يعاني من التوحد

يعاني أطفال التوحد في ليبيا فجوة مزدوجة.. فجوة في الخدمات، وفجوة في البيانات، فحتى الآن لا يظهر في المصادر الرسمية الليبية أو الأممية إحصاء وطني محدد لعدد الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، وهو ما يجعل أي رقم متداول في هذا الشأن تقديرياً أكثر منه رسمياً.

لكن الصورة الأوسع لا تقل وضوحاً، فالمسح العنقودي متعدد المؤشرات 2024-2025 في ليبيا، وهو أحدث مسح وطني واسع بدعم من اليونيسف، أظهر أن 14% من الأطفال بين 2 و17 عاماً لديهم صعوبات وظيفية في مجال واحد على الأقل، مع تفاوتات جغرافية حادة بين المناطق.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التقديرات العالمية تشير إلى أن نحو شخص واحد من كل 127 شخصاً كان مصاباً بالتوحد في 2021، في حين تشير تقديرات أخرى للمنظمة إلى أن نحو طفل واحد من كل 100 طفل حول العالم على طيف التوحد.

هذا يعني أن ليبيا تواجه، على الأرجح، احتياجاً واسعاً، لكن من دون قاعدة بيانات رسمية كافية تسمح بتحديد الحجم الحقيقي للمشكلة بدقة.

بيانات أوسع من التوحد

يقدم مسح ليبيا 2024-2025 أفضل مؤشر رسمي متاح اليوم لفهم أماكن تركز الاحتياج بين الأطفال ذوي الصعوبات الوظيفية، حتى وإن لم يكن مخصصاً للتوحد وحده، فقد سجّل المسح أن نسبة الأطفال بين 2 و17 عاماً الذين لديهم صعوبة وظيفية واحدة على الأقل بلغت 14% على المستوى الوطني، وارتفعت إلى 16% بين الذكور مقابل 12% بين الإناث، كما كانت أعلى في الريف (17%) منها في الحضر (14%).

وعلى المستوى الجغرافي، برزت درنة بنسبة 36% والمرج بنسبة 31% وسرت بنسبة 25% ووادي الشاطئ بنسبة 24% والزاوية بنسبة 23% والجبل الغربي بنسبة 23%، في حين سجلت الجبل الأخضر ومصراتة أدنى النسب تقريباً عند 5% لكل منهما، وجاءت بنغازي عند 6% وطرابلس عند 14% وسبها عند 16%.

وهذه الأرقام لا تعني أن التوحد يتركز وحده في هذه المناطق، لكنها تقدم خريطة رسمية حديثة لأماكن ارتفاع الحاجة إلى التشخيص والدعم والخدمات الخاصة بالأطفال ذوي الإعاقة أو الصعوبات النمائية والسلوكية عموماً، وهي الفئة التي يندرج ضمنها اضطراب طيف التوحد في كثير من مسارات الخدمة.

خدمات غير متوازنة

تؤكد اليونيسف أن الحاجة إلى التعليم الدامج والرعاية المتخصصة للأطفال ذوي الإعاقة في ليبيا ما تزال “حرجة”، خصوصاً فيما يتعلق بـالتشخيص والمتابعة والتعامل مع صعوبات التعلم واضطرابات اللغة والسلوك والتوحد.

وفي تقريرها الإنساني الإقليمي عن 2024، أوضحت أن 9 مراكز متخصصة للأطفال ذوي الإعاقة كانت تمثل مزوداً رئيساً للخدمة، لكنها كانت بحاجة إلى موارد مادية وتعليمية لتحسين جودة الرعاية.

كما قالت إنها دربت 45 معلماً و54 مربياً من المراكز و20 من العاملين الصحيين، ودربت 84 مهنياً إضافياً على أدوات نفسية وتعليمية لدعم الأطفال وخفض الضغط عن الأسر، ووفرت 80% من الموارد المطلوبة لهذه المراكز.

وفي مسار موازٍ، دعمت اليونيسف بالتعاون مع وزارة التربية 40 غرفة مونتيسوري في مدارس حكومية دامجة عبر ليبيا، إضافة إلى 10 غرف داخل مراكز “بيتي”، مع تدريب 40 معلماً، لكن الأمم المتحدة شددت صراحة على أن هذا الدعم ما يزال غير كافٍ وأن البلاد تحتاج إلى توسيع الخدمة لتصل إلى عدد أكبر من الأطفال.

مساران منفصلان للحكومة

يوضح المشهد المؤسسي في ليبيا أن الدولة لا تتعامل مع ملف التوحد من خلال بنية موحدة ومستقرة بالكامل، بل عبر مؤسسات ومبادرات متفرقة تعكس الانقسام القائم بين الشرق والغرب.

ففي طرابلس، أعلنت وكالة الأنباء الليبية في 17 مايو 2023 أن وزارة الشؤون الاجتماعية في حكومة الوحدة الوطنية تسلمت تبعية المركز الوطني لتشخيص وعلاج أطفال التوحد، ثم اتجهت في 2024 إلى خطة لـإنشاء 5 مراكز إضافية ضمن مسار قالت الوزارة إنه يستهدف تطوير 23 مركزاً في أنحاء ليبيا.

وفي السياق نفسه، أعلنت الوزارة في يونيو 2024 عودة 27 طفلاً ليبياً على طيف التوحد من رحلة علاجية في الأردن، على أن يواصلوا برامجهم داخل المراكز التي جرى تجهيزها حديثاً في ليبيا، كما أُعلن عن مشروع لفتح مركز جديد في زليتن.

وفي الشرق الليبي، أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب في 19 يونيو 2024 إنشاء الهيئة الوطنية لعلاج وتأهيل أطفال التوحد ومقرها بنغازي، على أن يكون لها الحق في فتح فروع في مدن أخرى.

ويعني ذلك أن هناك اعترافاً رسمياً متزايداً بالمشكلة، لكن الاستجابة ما تزال موزعة مؤسسياً وجغرافياً، وليست جزءاً من شبكة وطنية متكاملة ومعلنة المعايير والقدرات.

الأسر تتحمل الكلفة

تدفع العائلات في ليبيا الثمن الأكبر عندما لا تتوفر خدمات التشخيص المبكر والتأهيل داخل نطاق قريب أو مجاني أو مستقر.

ويظهر ذلك بوضوح من لجوء السلطات نفسها إلى إرسال أطفال إلى الأردن للعلاج والتأهيل ثم إعادتهم لمتابعة برامجهم داخل البلاد، وهو ما يعكس أن بعض الأسر اضطرت لسنوات إلى تحمّل مشقة العلاج خارج ليبيا أو انتظار مبادرات حكومية استثنائية.

كما أن تقارير اليونيسف تشير إلى أن أسر الأطفال ذوي الإعاقة أبلغت عن الضغط النفسي والإحباط، ما يعزز الحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي للأسرة كلها، لا للطفل فقط.

وفي تقرير بحثي عن إدماج الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي في الرعاية الأولية في ليبيا، ذكرت اليونيسف أن البلاد كانت تضم في 2020 316,415 طفلاً نازحاً داخلياً و567,802 من العائدين، إلى جانب 574,146 مهاجراً ولاجئاً كان 9% منهم أطفالاً؛ وهي بيئة هشّة تجعل الوصول إلى الرعاية المتخصصة أكثر صعوبة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.

ومع غياب شبكة كثيفة من المراكز في الجنوب والمناطق البعيدة، تتحول الرعاية إلى مجهود فردي للعائلة، يتأرجح بين البحث عن جلسات خاصة، والتنقل إلى المدن الكبرى، والاعتماد على مبادرات أهلية أو خيرية متقطعة.

الإقصاء والوصم أبرز الانتهاكات

تتمثل الانتهاكات الأشد التي يواجهها أطفال التوحد في ليبيا في أربعة مستويات متداخلة.. التأخر في التشخيص، وضعف الوصول إلى التعليم الدامج، والوصمة الاجتماعية، وغياب التغطية المتوازنة للخدمة بين المدن.

وشددت اليونيسف في تقاريرها على أن الأطفال ذوي الإعاقة من أكثر الفئات تهميشاً، وأنهم يواجهون تمييزاً يومياً ونقصاً في السياسات والخدمات، ويكونون أقل احتمالاً للالتحاق بالمدرسة أو الوصول إلى الرعاية الصحية أو إسماع صوتهم في المجتمع.

كما أوضحت أن هذا الاستبعاد يرفع من مخاطر الإهمال والعنف والاستغلال. وفي ليبيا تحديداً، قالت بعثة الأمم المتحدة واليونيسف في فبراير 2024 إن هناك حاجة إلى دعم أكبر لدمج الأطفال ذوي الإعاقة في المدارس العامة، بما في ذلك مكافحة الوصمة التي تتعرض لها الأسر والأطفال.

وتزداد هذه المشكلات حدة لدى الأطفال الذين يحتاجون إلى تشخيصات معقدة وتدخلات مبكرة، مثل كثير من أطفال التوحد، لأن التأخر في اكتشاف الحالة أو انقطاع الجلسات لا يضر بالتعلم فقط، بل يؤثر أيضاً في التواصل والسلوك والاستقلالية المستقبلية.

الحاجة لسياسة وطنية شاملة

ترى المؤسسات الدولية أن ليبيا تحتاج إلى ما هو أبعد من افتتاح مراكز متفرقة أو تقديم علاج لحالات فردية، بل إلى سياسة وطنية شاملة قائمة على الحقوق والبيانات والدمج، فبرنامج اليونيسف في ليبيا للفترة 2023-2025 ينص صراحة على أن العمل مع الحكومة الليبية يستند إلى اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ما يعني أن التعليم والرعاية والحماية ليست خدمات تفضّلية، بل حقوق واجبة.

وقالت هيومن رايتس ووتش، في مداخلتها بشأن ليبيا أمام مجلس حقوق الإنسان في مارس الجاري، إن الإصلاحات الحقوقية ذات المعنى في البلاد يجب أن تشمل حماية الفئات الأضعف وضمان المساءلة.

وقد شدد خبراء الإعاقة وحقوق الطفل في الأمم المتحدة على أن الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية والنفسية – الاجتماعية يواجهون أشكالاً مركبة من التمييز والوصمة والعنف والإقصاء، وأن على الدول توفير دعم مالي ونفسي للأسر، وتدريب العاملين الصحيين على الاكتشاف والتدخل المبكر، وضمان التعليم المجاني والجيد والداعم للدمج.

وفي الحالة الليبية، يبدو أن هذا المعيار لم يتحقق بعد بالقدر الكافي، بسبب نقص الكوادر، والانقسام المؤسسي، وتفاوت الخدمات، وغياب الإحصاء الوطني المتخصص بأطفال التوحد أنفسهم.

أزمة خدمات وأزمة معرفة

ليبيا لا تفتقر فقط إلى المراكز، بل إلى منظومة كاملة تبدأ من العدّ والإحصاء وتنتهي بالدمج المدرسي والرعاية المستمرة، فالمتاح رسمياً اليوم هو بيانات حديثة عن الأطفال ذوي الصعوبات الوظيفية عموماً، واعتراف حكومي متزايد بملف التوحد، وبعض المراكز والبرامج في طرابلس وبنغازي وزليتن ومبادرات دعم في المدارس ومراكز “بيتي”.

لكن ما يزال غائباً هو العدد الوطني الرسمي لأطفال التوحد، وخريطة معلنة للخدمات والكوادر والتغطية، وآلية متماسكة تضمن ألا يبقى مصير الطفل مرهوناً بقدرة أسرته المالية أو بمكان سكنه.

ولهذا، فإن أي مقاربة جادة لملف أطفال التوحد في ليبيا يجب أن تبدأ بالاعتراف بأن المشكلة ليست هامشية، وأن تأخير بناء النظام الوطني للتشخيص والتأهيل والدمج يعني ببساطة إضاعة سنوات حاسمة من حياة آلاف الأطفال.