منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

أضعف القضايا تنجح ضد وسائل التواصل

26 مارس 2026
المحامي مارك لانيير، ممثل المدعية كالي جي. إم يتحدث إلى وسائل الإعلام خارج المحكمة
المحامي مارك لانيير، ممثل المدعية كالي جي. إم يتحدث إلى وسائل الإعلام خارج المحكمة

جوناثان تورلي

في وقتٍ ما، كانت جوجل ترفع شعاراً بسيطاً لكنه طموح: “لا تكن شريراً”. لاحقاً، ومع إعادة هيكلتها عام 2015، استبدلت الشعار بعبارة أكثر نعومة: “افعل الصواب”، لكن، وبحسب حكم هيئة محلفين في كاليفورنيا هذا الأسبوع، يبدو أن أياً من الشعارين لم يصمد أمام اختبار الواقع.
ففي حكم وُصف بالتاريخي، خلصت هيئة المحلفين إلى أن كلاً من جوجل وميتا تعمّدتا تصميم منصاتهما الرقمية بطريقة تُغري الأطفال وتدفعهم نحو الإدمان، ومنهم المدعية التي عُرفت باسم “كايلي”.
لم يكن الأمر مجرد استخدام عابر، بل منظومة مصممة -وفق ما استمعت إليه المحكمة- لاستهداف المستخدمين الصغار وتعزيز تعلقهم المستمر بالمنصات.

الحكم قضى بتعويضات بلغت 3 ملايين دولار أضراراً تعويضية، توزعت بنسبة كبرى على “ميتا”، إضافة إلى 3 ملايين أخرى أضراراً عقابية.
صحيح أن هذه الأرقام تبدو ضئيلة أمام شركات تُقدّر قيمتها بمليارات الدولارات، لكنها في الواقع تحمل دلالة أبعد من قيمتها المالية؛ إذ تمثل إشارة قوية لمحامي المدّعين بأن الباب بات مفتوحاً على مصراعيه أمام موجة متصاعدة من الدعاوى القضائية، موجة قد تتحول سريعاً إلى “تسونامي”، خاصة مع وجود آلاف القضايا المرفوعة بالفعل، وتسويات سابقة من شركات مثل تيك توك وسناب.
ورغم الزخم، فإن الطريق القانوني لا يزال طويلاً، فالقضية في كاليفورنيا مليئة بإشكاليات قانونية معقدة، خصوصاً على مستوى الاستئناف، ما يعني أن أي تنفيذ فعلي للأحكام قد يستغرق سنوات.
المفارقة أن هذه القضية، على أهميتها، لم تكن الأقوى من حيث الوقائع، فالمدعية التي بدأت استخدام وسائل التواصل في سن السادسة، عاشت طفولة مضطربة، واجهت خلالها مشاكل أسرية وتنمراً مدرسياً، إلى جانب معاناتها من الاكتئاب والقلق واضطراب صورة الجسد، فاستخدامُها للمنصات لم يكن عادياً، بل مفرط إلى حد الاستهلاك الكامل لوقتها ويومها.
دفعت “ميتا” بأنها تمنع المستخدمين دون 13 عاماً من استخدام منصاتها، في حين توفر “يوتيوب” نسخاً مخصصة للأطفال. غير أن كايلي -كما كُشف خلال المحاكمة- أنشأت عشرات الحسابات لتعزيز تفاعلها وزيادة الإعجابات، ما يعكس تعقيداً بالغاً في تحديد المسؤولية.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية إذ كيف يمكن عزل العامل الحاسم في تشكيل تجربة طفولة مضطربة كهذه؟ هل هو تصميم المنصات أم البيئة الأسرية؟ أم الضغوط الاجتماعية؟ أم مزيج من كل ذلك؟
بصفتي متخصصاً في قانون المسؤولية التقصيرية، يصعب عليّ القبول بسهولة بفكرة وجود علاقة سببية واضحة في مثل هذه الحالات، حتى في قضايا التبغ التي بدت أكثر مباشرة، استغرق إثبات العلاقة بين المنتج والضرر سنوات من التقاضي المعقد.
ومع ذلك، أظهر محامو المدّعين براعة قانونية لافتة، حين التفوا على الحصانة التي يوفرها القسم 230 من قانون الاتصالات لعام 1934، عبر تحويل القضية من محتوى منشور إلى “تصميم منتج”، أي إنهم لا يطعنون فيما يُنشر على المنصات، بل في البنية ذاتها التي تُنتج هذا التفاعل الإدماني.
غير أن هذا الطرح، رغم ذكائه، قد لا يصمد أمام جميع القضاة، فالقانون صُمم أساساً لحماية المنصات من المسؤولية عن محتوى الأطراف الثالثة، وليس بالضرورة عن طبيعة تصميمها. والسؤال الذي سيبقى مطروحاً: هل يمكن اعتبار “نموذج العمل” نفسه منتجاً خاضعاً للمساءلة؟
هيئة المحلفين رأت أن تصميم هذه المنصات ينطوي على نية واضحة لدفع المستخدمين إلى تفاعل لا ينقطع، بل وتعريضهم لمحتوى ضار ومُحبِط، لكن الفاصل بين “التسويق” و”الاستهداف” يظل رفيعاً للغاية، وربما ضبابياً.
ثم ماذا عن التحذيرات؟ ماذا كان يمكن لهذه الشركات أن تفعل أكثر مما فعلت؟ وهل كانت أي تحذيرات إضافية ستغيّر سلوك فتاة حاولت والدتها بالفعل تقييد استخدامها دون جدوى؟
لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي تملك جاذبية طاغية، ليس فقط للأطفال بل للبالغين أيضاً. فهي تفتح آفاقاً غير مسبوقة للتواصل والتعبير. لكن السؤال الأعمق يظل معلقاً: هل نحن أمام منتج صُمم عمداً للإدمان، أم أمام ظاهرة إنسانية تستجيب ببساطة لما هو جذاب ولا يُقاوم؟
الشيء الوحيد المؤكد بعد هذه الأحكام هو أن المزيد منها قادم، فبمجرد النطق بالحكم، انهالت “الإعجابات” من محامي المدّعين عبر المنصات ذاتها، مفارقة لافتة، لكنها تعكس واقعاً جديداً: معركة قانونية طويلة، لا تزال في بدايتها، حيث تُترك الكلمة الأخيرة في الوقت الراهن للمحاكم، لا للشركات، لتحديد ما إذا كان على هذه المنصات أن “تفعل الصواب”.

 نقلاً عن نيويورك بوست