يعيش إقليم باسك الفرنسي واحدة من أشد أزمات السكن حدّة في فرنسا، حتى بات العثور على مسكن دائم بسعر معقول تحديًا يوميًا لآلاف الأسر والشباب والعاملين الموسميين والطلاب.
وعلى هذا الشريط الساحلي المطلّ على الأطلسي، لم تعد المشكلة تقتصر على ارتفاع الأسعار، بل تحولت إلى اختلال بنيوي في وظيفة السكن نفسها.. من حق أساسي للسكان إلى أصل عقاري شديد الجاذبية للاستثمار السياحي والإقامات الثانوية.
وتُظهر البيانات الرسمية أن السكن بات ملفًا سياسيًا مركزيًا أيضًا على مستوى فرنسا كلها؛ فبحسب بارومتر Odoxa-Nexity-BFM-Capital المنشور في فبراير 2026، قال 71% من الفرنسيين إنهم سيأخذون مقترحات المرشحين بشأن السكن في الاعتبار عند التصويت في الانتخابات البلدية.
فيما قال 69% إن العثور على مسكن في بلديتهم أصبح أمرًا صعبًا، وهذا يعني أن أزمة السكن في إقليم باسك ليست مجرد أزمة محلية، بل مثالاً صارخاً على أزمة وطنية أوسع.
سكان أكثر وبيوت أقل
تكشف أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية، الخاصة بالتجمع الحضري لإقليم الباسك، أن المنطقة ضمت في 2022 نحو 215,708 مساكن، منها 161,255 مسكنًا رئيسيًا، و43,199 مسكنًا ثانويًا أو عرضيًا، و11,254 مسكنًا شاغرًا.
وبعبارة أوضح، فإن 20% من المساكن في الإقليم كانت مساكن ثانوية أو عرضية، فيما شكّلت المساكن الشاغرة 5.2% من الإجمالي.
وبين 2016 و2022، زاد عدد المساكن الرئيسية بنحو 16,348 وحدة، لكن الحاجة إلى السكن ظلت ترتفع أيضًا بفعل النمو الديموغرافي وتراجع حجم الأسر، وهو ما يبرزه المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية بوضوح في تفسيرها لزيادة الطلب حتى عندما لا يكون النمو السكاني وحده العامل الحاسم.
هذا الخلل بين العرض المتاح للسكن الدائم وبين الاستخدامات السياحية أو الثانوية للعقار هو أحد جذور الأزمة الحالية.
ارتفاع أسعار الإيجار
يظهر الضغط أيضًا في سوق الإيجار الخاص، فبحسب مرصد الإيجارات المحلي في إقليم الباسك وجنوب لاند، بلغ الإيجار الوسيط في 2024 نحو 650 يورو لمسكن متوسط مساحته 67 مترًا مربعًا، أي 11.3 يورو للمتر المربع، مقابل 10.9 يورو للمتر المربع في 2023.
أما في الشريط الساحلي الباسكي، الذي يضم بلدات مثل بياريتز وبيدار وغيتاري وسان جان دو لوز، فقد بلغ الإيجار الوسيط 725 يورو لمسكن متوسط مساحته 62 مترًا مربعًا، أي 11.7 يورو للمتر المربع، وهو مستوى قالت الجماعة المحلية إنه يقارب ما يُسجل في مدن كبيرة مثل ليون أو مرسيليا.
هذه الأرقام تفسر لماذا يشعر السكان المحليون بأنهم ينافسون على السكن في سوق أقرب إلى المدن الكبرى، من دون أن تكون دخولهم المحلية دائمًا على المستوى نفسه.
الإيجارات الموسمية.. عامل طرد
يُحمّل كثير من المنتخبين المحليين وجمعيات السكان جزءًا كبيرًا من المسؤولية للتوسع السريع في الإيجارات السياحية القصيرة الأمد.
وقد ردّت جماعة إقليم الباسك على ذلك بسلسلة إجراءات تنظيمية، أبرزها أن الترخيص بتحويل المسكن إلى إيجار سياحي في 24 بلدية “متوترة” أصبح، منذ 1 مارس 2023، مشروطًا بما يسمى “التعويض”: أي تحويل محل غير سكني إلى سكن داخل البلدية نفسها لتعويض كل مسكن يخرج من السوق السكنية ويتحول إلى نشاط سياحي.
كما اعتمدت الجماعة في نوفمبر 2024 نظام سقف الإيجارات في 24 بلدية للحد من الزيادات المفرطة في الإيجارات.
وتُظهر هذه القرارات أن السلطات المحلية نفسها باتت تعتبر العلاقة بين الإيجار السياحي وأزمة السكن علاقة مباشرة لا يمكن تجاهلها.
مساعٍ لضبط الإيجارات
وتشير التقديرات الرسمية المحلية أيضًا إلى أن التنظيمات الجديدة الخاصة بالمساكن السياحية قد تمس نحو 11 ألف مسكن ثانوي، أي ما يعادل 6.5% من إجمالي المخزون السكني في إقليم الباسك، مع هدف معلن يتمثل في إعادة جزء من هذه الوحدات إلى سوق الإيجار السنوي.
وفي المادة نفسها، أوضحت الجماعة أن هذا التنظيم يندرج ضمن سياسة أوسع تشمل إنشاء أدوات عمرانية عامة، والسعي إلى ضبط الإيجارات، والضغط من أجل سياسات ضريبية تشجع التأجير السنوي بدل الموسمي.
كما تظهر بيانات AUDAP على مستوى إقليمي أوسع أن عدد الإيجارات القصيرة الأجل في لانْد والبيرينيه الأطلسية بلغ 51 ألف وحدة في 2023، بعدما كان 16 ألفًا فقط في 2016؛ وهي قفزة تعكس حجم الظاهرة في المنطقة السياحية التي ينتمي إليها إقليم الباسك.
ورغم أن هذا الرقم لا يخص الإقليم الباسكي الفرنسي وحده، فإنه يوضح السياق الذي تعمل داخله سلطات الإقليم لمحاولة كبح تحويل المساكن إلى سوق موسمية مربحة.
الحاجة ترتفع والإنتاج لا يواكب
تتفاقم الأزمة لأن البديل الاجتماعي لا ينمو بالسرعة الكافية، فبحسب AUDAP في تقريرها عن أوضاع السكن في إقليم الباسك، فإن الطلب على السكن الاجتماعي الإيجاري يواصل الارتفاع، بينما تتراجع أو تتباطأ وتيرة التخصيصات.
وتشير خلاصة التقرير المنشورة في نتائج البحث إلى أن المنطقة شهدت في 2023 تمويل أو اعتماد 592 وحدة سكن اجتماعي إيجاري فقط ضمن تفويض مساعدات الدولة للبناء، وهو رقم يعكس جهدًا قائمًا لكنه لا يبدو كافيًا أمام الطلب المتزايد.
كما تؤكد الجماعة المحلية أن من أهدافها زيادة حصة السكن الاجتماعي في البرامج الجديدة، وقد رصدت في موازنة 2025 نحو 7 ملايين يورو لدعم مشاريع بناء وتجديد السكن الاجتماعي الإيجاري.
غير أن ضخامة الأزمة مقارنة بهذه الوتيرة تجعل السؤال قائمًا: هل يمكن فعلاً للحلول الحالية أن تعيد التوازن في المدى القريب؟
حق السكان في البقاء
تنعكس هذه الأزمة بوضوح على الحياة اليومية.. شباب لا يستطيعون الاستقلال عن أسرهم، عمال لا يجدون مسكنًا قريبًا من وظائفهم، وبلديات ساحلية تتحول تدريجيًا إلى أسواق عقارية أكثر منها مجتمعات سكنية متوازنة.
كما تطرح الأزمة تحديًا مباشرًا على صناع القرار المحليين، لأن البلديات تمتلك أدوات تنظيمية مهمة في التخطيط والعمران والتراخيص، لكنها ليست قادرة وحدها على تغيير السوق من دون دعم وطني أوسع.
وهذا ما يجعل السكن قضية انتخابية من الدرجة الأولى في فرنسا اليوم، لا سيما في المناطق الساحلية والسياحية مثل إقليم الباسك، حيث يشتد التنافس بين منطق “الجاذبية الاقتصادية” ومنطق “حق السكان في البقاء”.
وفي هذا السياق، لا يبدو الشعار الأساسي المطروح في الإقليم معقدًا: كيف يبقى الناس في أرضهم حين تصبح البيوت نفسها أندر من أن تُسكن وأغلى من أن تُحتمل؟
