منصة راصدة تحليلية عميقة لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية عميقة لقضايا حقوق الإنسان

أبناء الحرب.. جيل جديد بلا وثائق رسمية يواجه المجهول في سوريا

12 مارس 2026
لاجئون يحملون أطفالهم
لاجئون يحملون أطفالهم

كتبت: فيولا فهمي

على مسطبة حجرية متهدمة تجلس أم عبد الله في أحد الأزقة الضيقة على أطراف مدينة مدمرة شمالي سوريا، تحتضن طفليها اللذين لا يعرفان من العالم سوى قسوة الخيام المهترئة الباردة وصوت قصف الصواريخ.

لم تتجرع أم عبد الله مرارة 15 عامًا دامية من الحروب والصراعات فحسب، بل زادها حزناً أنها تقف مكتوفة الأيدي أمام ضياع مستقبل أبنائها، إذ تهمس بنبرة يمتزج فيها الغضب بالألم: “لم أستطع تسجيلهما في السجلات الرسمية، ليس لهما شهادة ميلاد، ولا حتى اسم معترف به لدى الدولة”.

حال أم عبد الله لم تكن على سبيل الاستثناء، بل هي صورة مكررة لمأساة آلاف الأمهات السوريات المكلومات، فالحرب التي أحرقت البيوت وأزهقت الأرواح، سرقت أيضاً حق الأطفال في أبسط حقوقهم المتمثلة في إثبات وجودهم.

ويعيش جيل كامل في سوريا اليوم بلا أوراق ثبوتية رسمية، الأمر الذي ينعكس بالضرورة على حرمانهم من التعليم والرعاية الصحية، ليترك الأطفال في مواجهة حياة قاسية لا تعترف بوجودهم في بلادهم.

ويولد الكثير من هؤلاء الأطفال في مناطق خارجة عن سيطرة الدولة، أو في مخيمات النزوح، أو خلال رحلة اللجوء، بعضهم فقد آباءهم في الحرب، وبعضهم الآخر جاء إلى الدنيا من زيجات غير موثقة، ما أسفر عن جيل كامل “معلّق” بين الأرض والسماء، غير معترف به قانونيًا.

وأنتج النزاع السوري الذي اندلع عام 2011 واقعاً اجتماعياً معقداً، يتمثل في وجود مناطق نفوذ متعددة، وصعوبات في الوصول إلى الخدمات الأساسية أو الحصول على أوراق ثبوتية رسمية، وهو ما جعل مئات الآلاف من الأطفال بلا هوية قانونية، مهددين بالضياع بين التشرد والحرمان.

ولدعم أطفال سوريا، قدّم الاتحاد الأوروبي في عام 2025 منحة بقيمة 14.5 مليون يورو إلى منظمة اليونيسف، من أجل دعم برامجها الإنسانية في مجالات حماية الطفل والتعليم والتغذية والمياه والصرف الصحي.

ويهدف التمويل الأوروبي إلى توسيع نطاق الاستجابة والوصول إلى الأطفال الأكثر هشاشة، لا سيما المقيمين في المخيمات والمناطق الأشد احتياجاً.

وتعمل اليونيسف على تعزيز حماية الأطفال من الانتهاكات الجسيمة لحقوقهم عبر آليات رصد فعّالة، والتنسيق مع الجهات المختصة، وتقديم خدمات متخصصة وشاملة في مجال حماية الطفل، كما تعمل على توسيع نطاق الوصول إلى تعليم جامع ومنصف، يشمل الفتيات اليافعات والأطفال ذوي الإعاقة، من خلال توفير بيئات تعليمية آمنة وداعمة.

مأساة جماعية

وتحكي إحدى النازحات في ريف إدلب (شمال) بصوت مبحوح من البكاء: “ابني عمره سبع سنوات، لا يعرف المدرسة، كلما حاولت تسجيله طلبوا مني أوراقاً لا أملكها ولا أعرف كيف أستخرجها”.

وفي المخيمات تتضخم المأساة بصمت وحسرة، فأطفال بلا مأوى آمن، وبلا شهادات ميلاد، وبلا تأمين صحي، وبلا مستقبل، إذ تتضاعف معاناتهم مع كل عام، ليصبحوا أكثر عرضة للاستغلال والعمل المبكر والتجنيد القسري.

ومن دون اعتراف قانوني وأوراق ثبوتية تفيد بوجودهم بات هؤلاء الصغار جيلاً مهدداً بالضياع والحرمان، وكأنهم يولدون ويعيشون خارج حدود الزمن والذاكرة والإنسانية.

ورغم مساعي بعض المنظمات الإنسانية المحلية والدولية لإيجاد حلول مؤقتة عبر توثيق الولادات أو منح بطاقات تعريفية بديلة، تبقى هذه الجهود محدودة وعاجزة أمام حجم الكارثة التي تواجه جيلاً كاملاً في سوريا.

وتنام الأمهات وأطفالهن كل ليلة في خيام النازحين المهترئة، في حين يظل السؤال المؤلم يطاردهن: هل سيكبر الأطفال بلا هوية وكأنهم غرباء في وطنهم، وبلا مستقبل يقيهم التيه والضياع؟ أم إن الإنسانية ستظل غافلة حتى فوات الأوان؟

وداخل المخيمات يكبر بعض الصغار غير المقيدين في سجلات الدولة وهم يشاهدون أقرانهم يدخلون المدارس أو يحصلون على المساعدات الرسمية، في حين يقفون هم على هامش الحياة، فيسرق الزمن طفولتهم، وأحلامهم البسيطة، ويحرمون حتى من معرفة القراءة والكتابة.

مصير مؤلم

الباحث السوري الدكتور زيدون الزعبي يرى أن وقوف سوريا اليوم أمام جيل جديد بلا أوراق ثبوتية أو مأوى “يشكل واحدة من أعقد المآسي في تاريخها الحديث”.

ويفسر الزعبي في تصريح لـ”صفر” أن غياب الوثائق لا يعني فقط فقدان ورقة رسمية، بل يعني ضياع حق الأطفال في التعليم، وفي الملكية، وفي كل حقوقهم المدنية الأساسية، وكأنهم يعيشون خارج الاعتراف والوجود والزمن.

ويضيف: “هذه المأساة ليست غريبة على بلدان أنهكتها الحروب، لكنها في سوريا تزداد عمقاً مع طول أمد الصراع”، مشدداً على ضرورة الوصول إلى حل سياسي بين الأطراف المتنازعة؛ لأنه الطريق الأسرع لتخفيف حدة الأزمة.

وبقوله: “آثارها السلبية ستخيم على البلاد لعقود إذا لم ينظر إليها بعين الاعتبار الجاد” يحذر الزعبي من مغبة استمرار هذه المأساة، مؤكداً أن الحلول الاجتماعية أكثر استدامة، لكنها تحتاج زمناً أطول، في حين يظل الحل السياسي هو الأكثر إلحاحاً في قضية الوثائق؛ لأن مصير هذه الأوراق مرتبط بالقوانين والسلطات المحلية.

ويتساءل بمرارة: “ماذا يجدي اتفاق سياسي إن لم يجد ركائز اجتماعية تحميه؟” لكنه يستدرك: “في قضية الوثائق تحديداً، يبقى الحل السياسي هو الأكثر أهمية وإلحاحًا الآن”.

أزمة الأوراق الثبوتية

من جانبه، يوضح المحامي والناشط السوري أنس جودة، أن أزمة الأوراق الثبوتية التي يعيشها جيل كامل في سوريا هي قضية معقدة للغاية، لكنها في الوقت ذاته تمس حياة الناس اليومية بعمق كبير.

ويشير جودة، في حديثه لـ”صفر” إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بأطفال فقدوا آباءهم أو ولدوا في النزوح، بل أيضاً بأطفال ولدوا في ظروف أشد قسوة، مثل أولئك الذين يُعرفون بـ”أطفال داعش”.

ويضيف جودة، بأسى أن كل هؤلاء الأطفال، على اختلاف خلفياتهم، يشتركون في مصير واحد وهو مستقبل ضائع بلا هوية، في بلد يئن من جراحه، مختتمًا حديثه بعبارة: “نحن أمام جيل يحتاج لحلول عاجلة، فالتأخر يعني أن نتركه يغرق في المجهول أكثر فأكثر”.

ووسط أنقاض الحرب السورية يعيش آلاف الأطفال في مناطق كانت تحت سيطرة تنظيم “داعش”، إلى جانب العائلات التي نزحت فجأة من قراها ومدنها، بدون وقت أو مجال لأخذ أوراقهم الثبوتية.

وتحت وطأة هذه الأحداث فر الكثير من السوريين من القصف أو خشية الوقوع تحت سيطرة النظام، فتركوا أطفالهم بلا هوية ولا مستقبل محدد وواضح.

إحصاءات مرعبة

تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن نحو 2.4 مليون طفل وُلدوا في اللجوء بين عامي 2018 و2024، بمعدل تقريبي يبلغ 338 ألف طفل سنويًا، وهم يكادون أن يكونوا “أبناءً بلا سجلات” ولا اعتراف قانوني بوجودهم.

ومن ناحيتها حذرت منظمة “يونيسيف” من أن أكثر من 75 بالمئة من الأطفال السوريين -أي ما يقارب 7.9 مليون طفل من أصل 10.5 مليون- وُلدوا في ظل الحرب، تحت وطأة النزوح والعنف والدمار.

ومع تدمير ما يقرب من 40 بالمئة من المدارس في سوريا، غاب ما يزيد على 2.4 مليون طفل عن الحصول على فرصة التعليم، في حين يهدد أكثرَ من مليون طفل خطرُ التسرب وانقطاع التعليم.

وترصد الطواقم الميدانية العاملة في مخيمات شمال غرب سوريا واقعًا مأساويًا، من زواج غير موثق، وأطفال بلا تسجيل، وأيتام يعيشون مع أقارب بدون وثائق، وأمهات لم تُدون صرخاتهن في سجلات الدولة.

غياب الأوراق لم يحرم هؤلاء الأطفال فقط من الهوية، بل ألغى أمامهم حق التنقل بين المناطق، ومنعهم من استخراج جوازات سفر أو الالتحاق بالمدارس، كما حرمت العائلات من أبسط مقومات الحياة في الحصول على المساعدات الغذائية، والخدمات الصحية، أو حتى التسجيل في برامج دعم الأيتام.

وفي ظل تدمير المؤسسات التعليمية وقلة الدعم المالي والقانوني، يؤكد حقوقيون ضرورة إطلاق خطة متكاملة تبدأ بتوعية مجتمعية حول أهمية الأوراق الثبوتية، وتشجيع الأهالي على مراجعة المحاكم ومؤسسات الدولة لاستكمال تسجيل الزيجات والمواليد فورًا.