لم يعد استهداف الصحفيين في لبنان خلال المواجهة بين إسرائيل وحزب الله يُقرأ بوصفه حوادث منفصلة في ظروف حرب متقلبة، بل صار، في نظر جهات لبنانية ومنظمات معنية بحرية الصحافة، جزءًا من نمط متكرر يضع الإعلاميين وفرق الإنقاذ التي تصل إليهم تحت خطر مباشر.
وفتح مقتل الصحفية اللبنانية آمال خليل مؤخراً هذا الملف بقوة، ليس فقط بسبب مقتلها أثناء التغطية، بل أيضا بسبب اتهامات بإعاقة الوصول إليها بعد إصابتها، وما رافق ذلك من دعوات إلى تحقيقات مستقلة ومساءلة دولية.
وقُتلت آمال خليل، مراسلة صحيفة الأخبار، وأصيبت المصورة المستقلة زينب فرج في غارة إسرائيلية قرب بلدة الطيري في جنوب لبنان، وفق وكالتي رويترز وأسوشيتد برس.
وكانت الصحفيتان تتابعان تداعيات ضربة سابقة استهدفت سيارة أمامهما، قبل أن تلجآ إلى منزل قريب تعرّض بدوره لغارة لاحقة، وتأخرت جهود الإنقاذ ساعات بعدما تعرضت سيارة إسعاف لنيران وقنبلة صوتية، قبل أن يُنتشل جثمان خليل لاحقًا من تحت الأنقاض.
وقال الجيش الإسرائيلي إن الضربة استهدفت أشخاصًا اعتبرهم مرتبطين بحزب الله دخلوا “منطقة عازلة”، ونفى تعمد استهداف الصحفيين أو منع فرق الإنقاذ، ثم أعلن لاحقًا أن الحادثة “قيد المراجعة”.
جريمة حرب محتملة
الصدمة في لبنان لم تقتصر على تفاصيل الحادث، بل اتجهت سريعًا إلى توصيفه باعتباره جريمة حرب محتملة، فالمسؤولون اللبنانيون قالوا إن استهداف الصحفيين وعرقلة إنقاذهم يمس مباشرةً قواعد الحماية التي يمنحها القانون الدولي الإنساني للمدنيين والعاملين في الإعلام والإسعاف.
وتكتسب هذه المواقف وزنًا إضافيًا لأن واقعة خليل لم تأتِ في فراغ، بل بعد أقل من شهر على حادثة أخرى أكثر دموية استهدفت صحفيين في الجنوب.
في 28 مارس 2026، قتلت غارة إسرائيلية ثلاثة صحفيين في جنوب لبنان هم: علي شعيب من قناة المنار، وفاطمة فتوني من قناة الميادين، وشقيقها المصور محمد فتوني.
وقالت رويترز إن إسرائيل أقرت يومها بأنها استهدفت شعيب تحديدًا، ووصفتْه بأنه عنصر استخبارات في حزب الله، لكنها لم تقدّم أدلة علنية على ذلك، ولم توضح أساس مقتل الصحفيين الآخرين.
وفي الوقت نفسه، قالت وزارة الصحة اللبنانية إن مسعفين كانوا متجهين إلى الموقع تعرّضوا أيضًا للاستهداف، فيما ندّد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية بالهجمات على العاملين الصحيين، مؤكدًا أنهم يتمتعون بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني.
كما قالت “مراسلون بلا حدود” إنها كانت تدق ناقوس الخطر منذ أسابيع بسبب المخاطر المتصاعدة التي تواجه الإعلاميين في لبنان.
غضب دولي
وقبل ذلك، كانت ضربة 25 أكتوبر من عام 2024 في بلدة حاصبيا قد مثّلت واحدة من أكثر الوقائع إثارة للغضب في أوساط الصحافة الدولية.
وبحسب لجنة حماية الصحفيين CPJ، قُتل ثلاثة إعلاميين عندما أصابت غارة إسرائيلية مجمعًا كان يضم 18 صحفيًا من مؤسسات متعددة، في مكان معروف بأنه مخصص لإقامة الصحفيين.
والضحايا هم: غسان نجار، ومحمد رضا من قناة الميادين، ووسام قاسم من قناة المنار.
هذه الحادثة رسّخت، لدى منظمات المهنة، المخاوف من أن تكون أماكن تجمع الصحفيين نفسها باتت عرضة للاستهداف، حتى حين تكون معلومة ومحددة بوضوح.
حوادث متكررة
وتُظهر قاعدة بيانات لجنة حماية الصحفيين أن مقتل آمال خليل لم يكن حادثة معزولة ضمن سنة 2026، فقبلها قُتل الصحفي الحر حسين حمود في غارة إسرائيلية في 25 مارس 2026، كما قُتلت الإعلامية غادة ضيخ في 8 أبريل 2026 عندما أصابت غارة منزلها في مدينة صور، وفق بيانات منفصلة للجنة.
كذلك أصيب طاقم من “روسيا اليوم” في جنوب لبنان في 19 مارس 2026 في ضربة قالت لجنة حماية الصحفيين إنها تستدعي تحقيقًا في “الاستهداف الظاهر” للطاقم.
هذا التسلسل الزمني، خلال أسابيع فقط، يعكس تصاعدًا حادًا في المخاطر المحيطة بالعمل الصحفي في لبنان، خصوصًا في الجنوب والضاحية ومناطق الغارات.
حماية دولية
وتُظهر بيانات لجنة حماية الصحفيين أيضًا أن لبنان لم يعد مجرد ساحة هامشية في سجل مقتل الإعلاميين المرتبط بالحرب الإسرائيلية، ففي تقريرها السنوي عن 2025، قالت لجنة حماية الصحفيين إن 129 صحفيًا وعاملًا في الإعلام قتلوا في العالم خلال ذلك العام، وهو أعلى رقم تسجله اللجنة منذ بدأت التوثيق، وإن إسرائيل كانت مسؤولة عن ثلثي هذه الوفيات تقريبًا في 2025 و2024.
كما قالت اللجنة إن الجيش الإسرائيلي نفذ عمليات قتل مستهدف للصحفيين أكثر من أي جيش حكومي آخر وثقته CPJ منذ عام 1992.
ورغم أن القسم الأكبر من هذه الوفيات كان في غزة، فإن لبنان يظهر في هذا السياق بوصفه امتدادًا لنمط أوسع من استهداف الإعلام في ساحات القتال المرتبطة بإسرائيل.
ومن الناحية القانونية، فإن الصحفيين المدنيين يتمتعون بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني طالما أنهم لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية.
ولهذا تثير مزاعم إسرائيل المتكررة بشأن ارتباط بعض الإعلاميين بحزب الله إشكالًا مزدوجًا: أولًا لأنها كثيرًا ما تُطرح بعد القتل، وثانيًا لأن منظمات الصحافة تقول إن هذه الادعاءات لا تُرفق غالبًا بأدلة موثوقة يمكن التحقق منها بصورة مستقلة.
رويترز نقلت هذا التوتر بوضوح في حادثة مارس 2026، حين نسبت إسرائيل لعلي شعيب صفةً عسكرية من دون أن تقدم دليلًا علنيًا، بينما نفت المنار وحزب الله ذلك، ويمثل هذا النمط محورًا رئيسيًا في مطالبات المنظمات الحقوقية والإعلامية بفتح تحقيقات مستقلة بدل الاكتفاء بالرواية العسكرية الأحادية.
تعطيل وصول المسعفين
الخطورة لا تتعلق فقط بمن يُقتل، بل أيضًا بظروف ما بعد الاستهداف، ففي حالتي آمال خليل وصحفيي مارس، وردت روايات عن استهداف أو تعطيل وصول المسعفين.
رويترز تحدثت عن مقتل مسعفين بعد ضربة مارس، وعن اتهامات لبنانية بأن سيارة الإسعاف في واقعة آمال خليل تعرّضت لقنبلة صوتية وإطلاق نار، ما أخّر إنقاذها.
وعندما يصبح الوصول إلى الجرحى نفسه محفوفًا بالنيران، فإن الخطر يمتد من الصحفي إلى كل من يحاول إنقاذه، وهو ما يضاعف شبهة الانتهاك ويعمق البعد الإنساني والحقوقي للجريمة المحتملة، وفي هذا السياق، تتصاعد المطالبات الدولية بالمحاسبة، لكن الواقع العملي لا يزال شديد الهشاشة.
وتواصل لجنة حماية الصحفيين و”مراسلون بلا حدود” الدعوة إلى تحقيقات مستقلة وذات صدقية، فيما يرى خبراء حرية الصحافة أن غياب المساءلة في الحوادث السابقة شجّع على تكرارها.
ومن بين العوامل التي تزيد القلق أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان تُنفذ في بيئة يختلط فيها العمل العسكري بالإعلامي والمدني في مناطق واسعة، لكن هذا لا يرفع الحماية عن الصحفيين، بل يجعل التحقق والتناسب والتمييز أكثر إلحاحًا من أي وقت.
وإذا كانت إسرائيل تقول إنها لا تستهدف الصحفيين، فإن تسلسل الوقائع وعدد القتلى والإصابات والضربات المتلاحقة على سيارات ومنشآت وسكنات صحفية كلها أمور تجعل هذا النفي وحده غير كافٍ لإغلاق الملف.

