منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

هجرة آلاف الأسر.. أزمة الطاقة تهدد المناطق الصناعية في الهند وتدفع العمال نحو الريف

12 مايو 2026

بدأت موجة نزوح جديدة من المدن الصناعية في الهند مع تزايد الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الوقود والغذاء، بعدما دفعت تداعيات الحرب في الشرق الأوسط إلى اضطراب في إمدادات الطاقة، ما انعكس مباشرة على حياة العمال المهاجرين الذين يعتمدون على دخول يومية محدودة لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية.

غادرت أسر عمالية متعددة المناطق الصناعية المحيطة بدلهي ومدن أخرى، بعد أن أصبحت تكلفة المعيشة أعلى من قدرة الدخل اليومي، حيث لم تعد أجور العمال تكفي لتأمين الغذاء أو أسطوانات الغاز التي ارتفعت أسعارها بشكل حاد، ما أدى إلى توقف القدرة على الاستمرار داخل المدن.

أكدت “فايننشيال تايمز” أن عمالًا مثل كونتا ديفي اضطروا إلى مغادرة المصانع والعودة إلى القرى، بعد تضاعف سعر غاز الطهي بشكل كبير، ما جعل الدخل الشهري البالغ نحو 20 ألف روبية غير كافٍ لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة.

قالت الناشطة العمالية شريا غوش، وفق ما نقلته الصحيفة، إن مئات الآلاف من العمال غادروا بالفعل المناطق الصناعية، موضحة أن الحد الأدنى للأجور لم يعد قادرًا على مواكبة ارتفاع الأسعار، ما دفع الكثيرين إلى العودة إلى القرى بحثًا عن بدائل معيشية أقل كلفة.

استعرضت التقارير الميدانية أن مناطق صناعية مثل نويدا شهدت إغلاقًا متزايدًا للمشاريع الصغيرة والمطاعم، نتيجة نقص الوقود وارتفاع أسعار الغاز، ما أدى إلى تقليص فرص العمل اليومية التي يعتمد عليها العمال المهاجرون في تأمين دخلهم الأساسي.

أوضح عامل شاي في أحد أحياء نويدا أن ارتفاع أسعار الغاز جعل استمرار النشاط اليومي غير ممكن، مشيرًا إلى أن الكثير من العمال لم يعودوا قادرين على تحمل تكاليف المعيشة في المدينة، ما أدى إلى موجة مغادرة جماعية نحو القرى.

وأشار صاحب مصنع ملابس في المنطقة الصناعية إلى أن الإنتاج تراجع إلى نحو 30% فقط من طاقته بسبب نقص العمالة الناتج عن النزوح، مؤكدًا أن ارتفاع التكاليف التشغيلية يجعل استمرار العمل في المدن الكبرى أكثر صعوبة.

واستعرضت الصحيفة أن اتحاد الصناعات الهندية حذر من أن ارتفاع الحد الأدنى للأجور وتكاليف التشغيل قد يدفع الشركات إلى نقل أعمالها إلى ولايات أقل تكلفة، في ظل ضغوط متزايدة على القطاع الصناعي الذي يعتمد على العمالة منخفضة الأجر.

قال فينود شارما، ممثل اتحاد الصناعات، إن معظم الشركات تعمل بهوامش ربح ضعيفة، مشيرًا إلى أن المنافسة مع دول مثل الصين وفيتنام تزيد من هشاشة الوضع الصناعي في الهند، حيث ترتفع التكاليف دون أن ترتفع الإنتاجية بالمعدل نفسه.

أفاد أستاذ اقتصادات العمل في جامعة جواهر لال نهرو، هيمانشو، بأن الأجور لم تواكب ارتفاع الأسعار منذ سنوات، موضحًا أن هذا الخلل البنيوي أدى إلى تآكل قدرة العمال على البقاء في المدن، ودفعهم تدريجيًا نحو العودة إلى الريف.

تفكك الاقتصاد اليومي

من جانبها، قالت مجلة “جاكوبين” الأمريكية أن الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن تداعيات الحرب على إيران وما تبعها من اضطراب في أسواق الطاقة، حيث أدى نقص الوقود وارتفاع أسعاره إلى إغلاق مطاعم وشركات صغيرة، ما ضرب بشكل مباشر شبكة العمل غير الرسمي التي يعتمد عليها العمال المهاجرون.

قالت الباحثة أنانيا ويلسون-بهاتاشاريا إن نقص أسطوانات الغاز في المدن جعل الطهي اليومي شبه مستحيل، ما دفع العديد من الأسر إلى العودة إلى القرى لاستخدام الحطب كبديل، في ظل غياب بدائل ميسورة داخل المدن.

أوضحت المجلة أن العمال المهاجرين لا يستطيعون غالبًا الحصول على بطاقات الغاز المنزلية، ما يحد من قدرتهم على الوصول إلى الإمدادات الرسمية، ويجعلهم أكثر عرضة لتأثيرات السوق السوداء وارتفاع الأسعار.

أفاد عامل النقل فيجيندر بأن محطات القطارات تشهد تدفقًا يوميًا لعمال يغادرون المدن، مشيرًا إلى أن المشهد يعيد إلى الواجهة أزمات سابقة شهدت نزوحًا جماعيًا مماثلًا، حين أجبرت الأزمات الاقتصادية والصحية العمال على العودة إلى قراهم.

قالت جاكوبين إن الأزمة الحالية تكشف عن هشاشة البنية الاقتصادية التي تعتمد على العمالة المهاجرة، حيث يؤدي أي اضطراب في الطاقة أو الغذاء إلى انهيار سريع في قدرة العمال على الاستمرار داخل المدن.

نزوح متكرر

من جانبها، أكدت “الغارديان” أن أسرًا عمالية في دلهي ومحطات صناعية أخرى بدأت مغادرة المدن بشكل جماعي، بعد أن تحولت تكلفة المعيشة إلى عبء لا يمكن تحمله، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الغذاء ونفاد أسطوانات الغاز، ما جعل حتى الطهي داخل المنازل تحديًا يوميًا.

قال عامل جمع القمامة راجو براساد، وفق ما نقلته الصحيفة، إن أسرته لم تعد قادرة على البقاء في المدينة بعد أن تدهورت قدرتها على توفير الطعام، مشيرًا إلى أن العودة إلى القرية أصبحت الخيار الوحيد للبقاء على قيد الحياة.

أفادت “الغارديان” بأن مطاعم وأكشاكًا صغيرة أُغلقت في عدة مناطق حضرية نتيجة نقص الوقود، ما أدى إلى تراجع فرص العمل اليومية للعمال، الذين يعتمدون على هذه الأنشطة غير الرسمية كمصدر دخل رئيسي.

أوضحت طالبة في جامعة جاميا ميليا إسلاميا أن نقص الغاز وارتفاع أسعار الطعام أجبرها على تقليل وجباتها اليومية، مشيرة إلى أن استمرار الأزمة قد يدفعها إلى العودة إلى أسرتها في الريف، رغم تأثير ذلك على دراستها.

استعرضت التقارير أن أسعار أسطوانات الغاز في السوق السوداء وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، ما جعل الحصول على الوقود شبه مستحيل للعمال ذوي الدخل المنخفض، ودفعهم إلى استخدام بدائل تقليدية أقل كفاءة.

قالت “الغارديان” إن موجة النزوح الحالية تعكس إعادة إنتاج لمشهد مشابه خلال جائحة كوفيد-19، حين اضطر العمال إلى مغادرة المدن سيرًا على الأقدام بسبب توقف الاقتصاد، في ظل غياب شبكات حماية اجتماعية كافية.

والخلاصة أن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بارتفاع الأسعار، بل تعكس اختلالًا أعمق في بنية الاقتصاد الحضري، حيث يصبح بقاء العمال المهاجرين في المدن مرتبطًا بشكل مباشر بتقلبات الأسواق العالمية للطاقة والغذاء، دون وجود ضمانات للحد الأدنى من الحقوق المعيشية.