لم تعد جماعة الإخوان (المصنفة إرهابية) التي تصدرت المشهد السياسي في عدد من الدول العربية قبل أكثر من عقد، تشبه تلك التي خرجت من رحم احتجاجات عام 2011 وهي تقترب من مراكز السلطة والنفوذ، فبعد سنوات من الصعود السياسي والسيطرة على المناصب العليا في مصر وتونس، تبدو الجماعة اليوم أمام واحدة من أصعب مراحلها.
وتواجه قيادات الجماعة واحدة من أصعب مراحلها، في ظل التشرذم والضعف والقيود؛ إذ يقبع كثير منهم خلف القضبان، في حين يعيش آخرون في المنفى، وتخضع شبكات الجماعة المالية والتنظيمية لضغوط متزايدة، في حين تواجه فروعها الحظر أو التصنيف الإرهابي، في وقت تعصف فيه الانقسامات الداخلية بما تبقى من قدرتها على إنتاج قيادة موحدة أو رؤية سياسية مشتركة.
أزمة الجماعة لم تعد مرتبطة فقط بخسارة السلطة، وإنما باتت أعمق من ذلك، فهي أزمة تنظيمية وفكرية وسياسية وقانونية، تتقاطع فيها ملاحقات الدولة مع صراعات مراكز القرار داخل الجماعة نفسها، في وقت تتقلص فيه مساحات الحركة أمامها من القاهرة إلى عمان وتونس، وصولاً إلى الساحة الإقليمية الأوسع.
وقبل نحو عقد ونصف، كانت الأحزاب والحركات المرتبطة بالإخوان من أبرز المستفيدين سياسياً من موجة الاحتجاجات العربية التي انطلقت من تونس أواخر 2010 وانتشرت خلال 2011، ففي مصر وصلت الجماعة إلى رئاسة الجمهورية في أول انتخابات رئاسية بعد سقوط نظام الرئيس الراحل حسني مبارك، في حين تصدرت حركة النهضة المشهد السياسي في تونس بعد الانتخابات التي أعقبت الثورة، ودخلت في تحالفات حكم خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي، لكن تجربة السلطة لم تدم طويلاً.
ومنذ ذلك الحين، دخل التنظيم مرحلة مختلفة تماماً، فلم يعد السعي إلى الوصول إلى السلطة هو الأولوية، وإنما الحفاظ على وجوده التنظيمي والسياسي في ظل الاعتقالات والملاحقات ومصادرة الأصول وتضييق المجال العام، وفي هذا السياق اتخذت السلطات إجراءات واسعة بحق أموال وشركات وكيانات قالت إنها مرتبطة بالجماعة، في محاولة لتجفيف شبكات التمويل التي كانت تمثل أحد مصادر قوتها الاجتماعية.
وفي تونس، تحول الوضع إلى ساحة مواجهة بين السلطة والمعارضة، وكانت حركة النهضة بقيادة راشد الغنوشي، أحد أبرز الفاعلين السياسيين منذ الثورة التونسية، لكن المشهد تغير بصورة حادة بعد الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد في يوليو 2021، والتي أنهت عملياً النظام السياسي الذي كانت النهضة أحد أعمدته؛ إذ يقبع الغنوشي في السجن ويواجه عدة قضايا وأحكاماً منذ أبريل 2023.
وفي الأردن تعرضت الجماعة لضربة كبيرة في أبريل 2025، عندما أعلنت السلطات حظر أنشطتها واعتبارها كياناً غير قانوني، وأعلنت إغلاق مقارها وتسريع إجراءات مصادرة ممتلكاتها.
وقالت السلطات الأردنية آنذاك إن القرار جاء في أعقاب اتهامات لأعضاء في الجماعة بالتورط في أنشطة تهدد الأمن والاستقرار، منها تصنيع أسلحة ومتفجرات والتخطيط لهجمات، وهي اتهامات نفتها الجماعة.
ضربات دولية قاصمة
لكن الضربة الأحدث والأكثر تأثيراً في المستوى الدولي جاءت من الولايات المتحدة، ففي 24 نوفمبر 2025 بدأ الرئيس دونالد ترامب رسمياً إجراءات لتصنيف فروع من جماعة الإخوان في مصر ولبنان والأردن، عبر توجيه وزارتي الخارجية والخزانة إلى دراسة تصنيفها بموجب أدوات مكافحة الإرهاب، وفي 13 يناير 2026 تحولت الخطوة إلى قرار فعلي.
فقد صنفت الولايات المتحدة الفرعين المصري والأردني باعتبارهما كيانين إرهابيين عالميين بشكل خاص، في حين صنفت الفرع اللبناني المعروف في هذا السياق بالجماعة الإسلامية منظمة إرهابية أجنبية، وقالت واشنطن إن الإجراءات تستند، من بين أمور أخرى، إلى اتهامات بتقديم دعم مادي لحماس وأنشطة مرتبطة بالعنف وزعزعة الاستقرار.
ويحمل التصنيف الأمريكي آثاراً تتجاوز الإدانة السياسية؛ إذ يفتح الباب أمام تجميد أصول وأموال، وتقييد التعاملات المالية، وفرض عقوبات على الأشخاص والكيانات المرتبطة بالجهات المصنفة، كما وصفت واشنطن القرار بأنه مجرد “خطوة أولى ضمن جهد مستمر” لمواجهة فروع الجماعة التي تعدها تهديداً.
وإذا كانت الضغوط الخارجية قد أضعفت الجماعة، فإن الانقسام الداخلي عمق أزمتها، فبعد خروج معظم قيادات الصف الأول من مصر، انتقلت أجزاء من النشاط التنظيمي إلى الخارج، وبرزت مراكز قيادة متنافسة، منها ما عُرف إعلامياً بجبهة لندن وجبهة إسطنبول، إلى جانب مجموعات أخرى حاولت تقديم نفسها بوصفها ممثلة لقيادة التنظيم.
ومع مرور الوقت، امتدت الخلافات إلى طريقة إدارة التنظيم، وآليات اتخاذ القرار، ومستقبل العمل السياسي، فضلاً عن اتهامات متبادلة بشأن إدارة الأموال والتبرعات، وبذلك فقد التنظيم واحدة من أهم نقاط قوته التاريخية والمتمثلة في مركزية القرار والانضباط التنظيمي، خصوصاً في ظل غياب قيادة واحدة قادرة على فرض رؤيتها على قواعد التنظيم.
التنظيم يمضي بالقصور الذاتي
قال المحلل في شؤون تيارات الإسلام السياسي، أحمد بان، في حديث لـ”صفر”، إن تنظيم الإخوان الذي نشأ في مصر ثم امتد حضوره عربياً وغربياً يمر بمرحلة غير مسبوقة من التفكك والضعف.
وأكد بان أن “القوة التاريخية لتنظيم الإخوان كانت تنبع من كونه تنظيماً واحداً مركزياً يمتلك قيادة موحدة وخطاً فكرياً وسياسياً واحداً، حتى في حركته على المستوى الدولي التي كانت تعتمد على حضور مصري قوي”، مشدداً على أن التراجع الحالي في دولة المنشأ مصر، هو تراجع لم تواجهه الجماعة عبر تاريخها، حيث ينقسم التنظيم لأول مرة إلى ثلاث مجموعات بين إسطنبول ولندن، فضلاً عن مجموعة السجون في مختلف البلدان، ما أفقد التنظيم كثيراً من قدراته وحواضنه التقليدية في العالم العربي.
وأوضح أن هناك يقظة دولية متزايدة تجاه أنشطة التنظيم وخطورته، خصوصاً في المجتمعات الغربية، فضلاً عن اتخاذ تدابير إضافية في دول كانت تعد حواضن رئيسية للتنظيم، مثل فرنسا وألمانيا، إلى جانب التدقيق في نشاطه في بريطانيا، لافتاً إلى أن التنظيم يواجه في الولايات المتحدة تضييقاً غير مسبوق، بالتزامن مع حظر فروعه في لبنان ومصر والأردن والسودان، واستمرار بعض الولايات في حظر التنظيم والتدقيق في أنشطته تمهيداً لحظره بشكل شامل.
وأكد أن تنظيم الإخوان، بوصفه حركة اجتماعية وسياسية، استكمل أطوار حياته، ومن الصعب أن يعبر إلى قرن جديد ما لم ينخرط في مراجعات جادة تشمل أدبياته وأفكاره وسلوكه، مؤكداً أن التاريخ تجاوز القدرة على قبول جناح دعوي وسياسي يعيد تجربة الإخوان، ولذلك يتعين على الحركة الاختيار بين صيغة واضحة للعمل السياسي أو العمل العسكري بوصفها حركة مقاومة بعيداً عن السياسة؛ لأن الإصرار على الجمع بين المسارين لن يقودها إلى نتيجة كما حدث من قبل.
ويرى بان أن التنظيم يمضي حالياً بالقصور الذاتي، ولم تعد لديه القدرة على مواجهة التدابير المتخذة ضده، مشيراً إلى أن التنظيم سيحاول التحرر من صورته التنظيمية الصلبة ليتحول إلى تيار عام يسعى إلى نشر أفكاره وأدبياته عبر وسائل ومنصات وواجهات جديدة، خصوصاً أن الحديث عن انتهائه بشكل كامل لا يزال مبكراً.
وفيما يخص استراتيجية “المظلومية” التي تتبناها الجماعة، أكد بان أنها ليست سلاحاً عابراً للزمن، بل سلاح له فترة صلاحية، قد يحقق بعض المكاسب المؤقتة أو يستثير بعض العواطف، لكنه لم يعد قادراً على إعادة تعويم الجماعة وأفكارها في الوعي الجمعي من جديد.
جماعة تتلاشى وسط الأزمات
من جانبه، قال العضو السابق في المجلس الاستشاري لدونالد ترامب، جبرائيل صوما إن الجماعة تتلاشى وسط أزمات عميقة داخلية وضربات أمنية وقانونية ضدها في العالم؛ إذ تعاني الجماعة حالياً أزمات عميقة أثرت بشكل بالغ في قدراتها، بدت بوضوح في تعدد مراكز القرار وانقسام القيادات كجبهة لندن وجبهة إسطنبول ومجموعات المكتب العام.
وأوضح صوما -العضو بالحزب الجمهوري الحاكم بالولايات المتحدة- لـ”صفر” أن الأوضاع الحالية للجماعة تتمثل في غياب القيادة الموحدة، وتضارب الخطاب السياسي، وتصاعد الخلافات الداخلية لتشمل اتهامات بإدارة الأموال والتبرعات، فضلاً عن غياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة للتأقلم مع الواقع الجديد، وكذلك التراجع الشعبي مقارنة بالسابق.
وأشار إلى أن القرار الأمريكي الأخير بتصنيف الجماعة في مصر ولبنان ضمن قائمة المنظمات الإرهابية وفرع الأردن منظمة إرهابية عالمية يحمل أهمية كبيرة في سبيل القضاء على تلك الجماعة، فضلاً عن دور الإمارات والسعودية ومصر في بناء سردية تربط جماعة الإخوان المسلمين بالإرهاب ودمجها في سلة واحدة مع تنظيمات مثل القاعدة وداعش.
ساحات افتراضية لفرض الوجود
من داخل فرنسا التي تقود أيضاً مواجهة مع تنظيم الإخوان، قال الأكاديمي المتخصص في القانون الدولي، مجيد بودن، لـ”صفر” إن التنظيم في ظل التضييق المفروض عليه يحاول تغيير أسلوب تحركه، من مواجهة سيادة القانون والحريات والتطرف الديني التي طبعت بعض مراحله في سبعينيات القرن الماضي، إلى توظيف التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي في محاولة لإيجاد موطئ قدم جديد، من خلال التحالف مع تيارات أخرى.
وشدد بودن على أن الانحسار الحالي لتنظيم الإخوان يأتي، بحسب تقديره، نتيجة لمواجهة ما يصفه بجرائمه وخروج ممارساته عن القانون، مؤكداً أهمية اتباع مقاربة شاملة في مواجهته على المستويات الفكرية والأمنية، بالتزامن مع التيارات القومية المتحالفة معه، ما يحول دون استمرار نفوذه كما حدث مع الشيوعية سابقاً.
وحذر مجيد بودن من الاستمرار في استخدام الوسائل التقليدية لمواجهة التنظيم، مشدداً على أن انتقاله إلى توظيف التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي يفرض تطوير أدوات المواجهة، بهدف الحد من قدرته على إعادة إنتاج نفوذه بصورة كاملة.

