في قطاع غزة، لم يعد فقدان المنزل يعني فقدان سقف فقط، بل فقدان مساحة تحمي الأسرة من المطر والحرارة والمرض والخوف، بعدما امتدت الحرب إلى البيوت والبنية التحتية وأجبرت غالبية السكان على النزوح المتكرر، وبينما يعيش مئات الآلاف داخل خيام وملاجئ مؤقتة، تتآكل هذه المساكن بفعل الاستخدام الطويل والطقس والاكتظاظ، فيما تتسع الفجوة بين الاحتياجات الفعلية وما يصل إلى القطاع من مستلزمات المأوى.
وتظهر أحدث البيانات الأممية والإنسانية أن أزمة المأوى ليست أزمة خيام فحسب، وإنما أزمة حق أساسي في السكن الآمن واللائق، فقد أظهر تقييم الاحتياجات الذي استندت إليه مجموعة المأوى في يونيو 2026 أن نحو ثلثي الأسر تعيش في خيام أو ملاجئ مؤقتة، وأن أكثر من نصف الأسر التي تقيم في الخيام تستخدم الخيمة نفسها منذ أكثر من عام، كما يحتاج نحو 850 ألف شخص إلى مواد مأوى طارئة، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
خيام تتحول إلى مساكن دائمة
أفاد المجلس النرويجي للاجئين في يونيو 2026 بأن نحو 170 ألف أسرة، أي قرابة مليون شخص، كانوا يعيشون في خيام داخل غزة، بينما كان نحو 5 آلاف أسرة ينامون في العراء، و52 ألف أسرة تقيم في ملاجئ مكتظة.
وأوضح المجلس أن نحو 850 ألف شخص ما زالوا يفتقرون إلى مواد المأوى الطارئ، مثل الأغطية البلاستيكية والخشب والحبال، في وقت أصبحت فيه الخيام المؤقتة مسكناً طويل الأمد لمئات الآلاف.
وأوضح المجلس النرويجي للاجئين أن المشكلة لا تتعلق بدرجات الحرارة وحدها، بل بتدمير المساكن والنزوح المتكرر والقيود على إدخال مواد المأوى، ويعني ذلك أن الأسرة التي غادرت منزلها بحثاً عن مكان أكثر أمناً قد تجد نفسها بعد أشهر أو سنوات داخل خيمة لم تُصمم أصلاً لتكون بديلاً دائماً عن المنزل.
بيوت لم تعد صالحة للحياة
أظهر التقييم المشترك للاحتياجات وإعادة الإعمار الذي أجرته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي أن 76.6% من الوحدات السكنية في غزة، أي 371888 وحدة من أصل 485361، تعرضت للدمار أو الأضرار حتى أكتوبر 2025، كما أظهر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن 81% من جميع المباني في قطاع غزة تعرضت للدمار أو الضرر وفق بيانات الأقمار الصناعية حتى التاريخ نفسه.
وأوضحت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أن نحو 1.4 مليون شخص كانوا يعيشون في قرابة ألف موقع نزوح حتى فبراير 2026، غالباً في ظروف مكتظة وخيام توفر حماية محدودة من الطقس ولا تمنح السكان الخصوصية الكافية.
وتكشف هذه الأرقام أن أزمة المأوى نشأت من حجم الدمار نفسه، ثم تفاقمت مع النزوح المتكرر ونقص المواد اللازمة لإصلاح المساكن.
مخاطر متعددة
قالت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين إن العواصف والأمطار خلال الشتاء الماضي دمرت وألحقت أضراراً بخيام وملاجئ مؤقتة، بينما عانى النازحون من تراكم المياه ومياه الصرف الصحي ونقص مياه الشرب والصابون ووسائل الإضاءة ووقود الطهي، كما رصدت الوكالة انتشار القوارض في مواقع النزوح، ما جعل مكافحة الآفات جزءاً من الاستجابة الإنسانية اليومية.
فيما تصل درجات الحرارة النهارية في أكثر شهور الصيف حرارة إلى 34.5 درجة مئوية، مع توقع زيادة عدد الأيام التي تبلغ فيها الحرارة 35 درجة أو أكثر، والأهم أن المشكلة لا تتعلق بدرجة الحرارة الخارجية وحدها؛ فالخيمة الصغيرة المصنوعة من مواد مؤقتة تفتقر إلى العزل والتهوية والتبريد، ما يجعل البقاء داخلها خلال ساعات النهار شديد الصعوبة.
وأفادت تقارير ميدانية حديثة من غزة بأن العائلات تضطر إلى فتح جوانب الخيام وإضافة أغطية أو ظلال بدائية لمحاولة إدخال الهواء وتقليل تعرضها المباشر للشمس.
كما أن نقص المياه والكهرباء يجعل التعامل مع موجات الحر أكثر صعوبة، إذ لا يستطيع النازحون تبريد أجسادهم أو حفظ المياه والأغذية والأدوية بصورة آمنة، بينما يواجه الأطفال وكبار السن والمرضى مخاطر أكبر عند التعرض للحرارة المرتفعة لفترات طويلة.
وأظهرت منظمة الصحة العالمية أن الاكتظاظ ونقص المياه والصرف الصحي وتعطل الخدمات الصحية يرفعان مخاطر انتشار الأمراض المعدية في مواقع الإيواء.
وأكدت المنظمة أن توفير المياه الآمنة والصرف الصحي والنظافة الشخصية يمثل جزءاً أساسياً من حماية السكان، خصوصاً في الأماكن التي يعيش فيها عدد كبير من النازحين داخل مساحات محدودة.
المأوى الهش يهدد الأطفال
أوضحت منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن الخيام المؤقتة أصبحت خط الدفاع الأخير لعائلات كثيرة خلال الشتاء، بعدما تعرضت مخيمات النزوح للأمطار والرياح والفيضانات، وروت اليونيسف في تقرير عن شتاء غزة حالة أسرة غمرت المياه خيمتها، فأصبحت الملابس والفرش والأرضيات مبللة، ولم تجد الأسرة مكاناً جافاً للنوم أو الطهي.
وتكشف هذه الوقائع كيف يتحول تدهور المأوى إلى خطر مباشر على الأطفال، خصوصاً مع البرد والرطوبة والأمراض التنفسية.
وأكدت اليونيسف أن الأطفال يعيشون داخل بيئة تتداخل فيها مخاطر النزوح وسوء التغذية والمياه غير الآمنة والأمراض وانقطاع الخدمات، ولا تقتصر حماية الطفل في هذه الظروف على توفير الطعام والدواء، لأن المأوى الملائم يوفر أيضاً مساحة للنوم والخصوصية والحماية من العنف والاستغلال والطقس القاسي.
الخصوصية والكرامة في مهب الخطر
أفاد تقييم المأوى الوارد في المادة التي أعدها المجلس النرويجي للاجئين بأن أكثر من نصف الخيام والملاجئ المؤقتة التي جرى فحصها كانت في حالة سيئة أو سيئة للغاية، فيما واجه أكثر من 100 ألف أسرة ملاجئ تحمل مخاطر جسيمة على الصحة والسلامة والكرامة، كما أبلغت 98% من الأسر عن وجود خطر بيئي واحد على الأقل بالقرب من مساكنها، بينما أفادت 89% بوجود قوارض داخل ملاجئها.
وأوضحت مجموعة المأوى أن الأسر الكبيرة التي تضم سبعة أفراد أو أكثر والأسر التي تضم أشخاصاً ذوي إعاقة تواجه مستويات أعلى من الحاجة إلى المأوى.
وتكشف هذه الفجوة أن المأوى لا يمكن أن يعامل كاحتياج موحد؛ فالمرأة الحامل والطفل والشخص ذو الإعاقة والمسن والأسرة الكبيرة يحتاجون إلى ترتيبات حماية ومساحة وخدمات مختلفة.
النزوح المتكرر يستنزف الإنسان
أشارت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين إلى أن أوامر الإخلاء المتكررة دفعت السكان إلى التنقل بين مناطق مختلفة، بينما ظلت مواقع النزوح مكتظة وغير مناسبة للإقامة الطويلة.
وأكدت الوكالة في تقاريرها أن العائلات اضطرت إلى الطبخ والنوم وتخزين ممتلكاتها داخل مساحات صغيرة، مع محدودية الخصوصية ووسائل الحماية من الظروف الجوية.
وقالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في إحدى اتصالاتها بشأن قطاع غزة إن ما لا يقل عن 259 ألف أسرة، أي أكثر من 1.45 مليون شخص، كانوا يحتاجون إلى مساعدات مأوى طارئة في أواخر 2025، فيما كان نحو مليون شخص يقيمون في مئات مواقع النزوح.
ووصفت المفوضية ظروف السكن بأنها تشمل الخيام والملاجئ المؤقتة والمباني المتضررة، مع استمرار الاكتظاظ في مواقع عديدة.
المساعدات تواجه فجوة كبيرة
أكد المجلس النرويجي للاجئين أن مخزونات الخيام والبطانيات والفرش ومستلزمات المأوى داخل غزة كانت تواجه ضغوطاً شديدة، بينما بقيت مواد إصلاح المنازل وتحسين الملاجئ ومستلزمات الطاقة وتخزين المياه أقل من الاحتياجات.
وأرجع المجلس اتساع الفجوة إلى القيود على إدخال مواد الإغاثة ونقص التمويل وحجم الدمار الهائل.
وأوضحت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين في تقريرها لعام 2026 أن لديها إمدادات مأوى مخزنة خارج غزة تكفي مئات الآلاف من الأشخاص، لكنها أشارت إلى القيود التي حالت دون إدخال المساعدات مباشرة إلى القطاع.
كما أكدت الوكالة أن استمرار القيود على حركة موظفيها وإدخال الإمدادات يؤثر في قدرتها على توسيع الاستجابة الإنسانية.
المأوى حق في القانون الدولي
أكدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن الحق في السكن الملائم لا يعني مجرد وجود سقف فوق الرأس، بل يشمل الخصوصية والمساحة والأمن والإضاءة والتهوية والبنية الأساسية والموقع الملائم والوصول إلى الخدمات الأساسية.
كما أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن النزوح المطول في المخيمات والملاجئ المكتظة قد يعرض النازحين لانتهاكات إضافية، خصوصاً النساء والفتيات.
وأكدت المحكمة الدولية الخاصة بالقانون الدولي العام، محكمة العدل الدولية، في أمرها الصادر في 24 مايو 2024 أن على إسرائيل اتخاذ جميع التدابير الضرورية والفعالة، بالتعاون الكامل مع الأمم المتحدة، لضمان توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية بصورة واسعة ودون عوائق، بما يشمل الغذاء والمياه والكهرباء والوقود والمأوى والملابس والنظافة والصرف الصحي والمستلزمات الطبية.
أزمة تتجاوز الخيمة
تكشف أزمة المأوى في غزة أن النازح لا يحتاج إلى خيمة فقط، بل إلى منظومة حماية كاملة تبدأ بمكان آمن للنوم وتمتد إلى المياه والصرف الصحي والغذاء والطاقة والصحة والتعليم والحماية من الطقس والعنف والاستغلال، وحين تعيش الأسرة في خيمة متآكلة لأكثر من عام، وسط النفايات والقوارض والمياه الراكدة، يصبح المأوى نفسه جزءاً من الأزمة الإنسانية.
وتظهر البيانات الأممية أن الطريق إلى حل أزمة السكن أطول من توزيع الخيام، لأن إعادة الحياة تتطلب إصلاح المساكن المتضررة، وإزالة الركام، وإعادة تشغيل المياه والصرف الصحي والكهرباء، وتوفير مواد البناء، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتهيئة ظروف تسمح للسكان بالعيش بأمان وكرامة.
وبين خيمة أنهكها المطر والحرارة وبيت دمرته الحرب، يبقى ملايين الفلسطينيين أمام سؤال أساسي لا يتعلق بمكان النوم فقط، بل بحقهم في أن يجدوا مكاناً آمناً يستطيعون فيه حماية أسرهم واستعادة حياة طبيعية.

