منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بعد ظهوره باسم جديد

منصات الدردشة.. فرنسا تتحرك للتحقيق بشأن موقع إلكتروني مرتبط بـ”اغتصاب جماعي”

29 أبريل 2026
جيزيل بيليكوت

يكشف التحقيق الفرنسي الجديد في إعادة تشغيل موقع إلكتروني ارتبط بقضية الاغتصاب الجماعي لجيزيل بيليكوت عن امتدادٍ خطير لعالمٍ رقمي تحوّل إلى أداة لتجنيد المعتدين وتنظيم الانتهاكات الجنسية، في واقعةٍ أعادت فتح ملفات حساسة حول العنف الجنسي المنظم عبر الإنترنت.

ووفقا لصحيفة “ذا صن”، لم يكن الموقع مجرد منصة دردشة، بل وُصف داخل المحكمة بأنه “وكر للمفترسين” استخدم لتنسيق جرائم ممنهجة ضد النساء.

وبحسب ما ورد في تفاصيل القضية، يبدأ دومينيك بيليكوت، باستخدام اسم مستعار داخل منتدى دردشة مجهول للعثور على رجال مستعدين لاغتصاب زوجته جيزيل وهي فاقدة الوعي تحت تأثير التخدير، بينما كان يقوم بتصوير الاعتداءات.

يكشف هذا السلوك عن نمطٍ من التجنيد الرقمي الذي حول الفضاء الإلكتروني إلى وسيط مباشر في ارتكاب جرائم جسيمة، وينتهي مسار القضية بإدانة بيليكوت في ديسمبر 2024 مع 47 رجلاً آخر بالسجن 20 عاماً بتهمة الاغتصاب، إلى جانب إدانة رجلين آخرين بالاعتداء الجنسي، بعد سلسلة اعتداءات استمرت بين عامي 2011 و2020 داخل منزلهما قرب أفينيون في فرنسا.

ويظهر في هذا السياق أن الجريمة لم تكن فردية، بل شبكة واسعة من الفاعلين الذين جرى استدراجهم عبر منصة رقمية واحدة.

الموقع محور رئيسي للقضية

ووفقا لوكالة “فرانس برس”، يكشف التحقيق أن موقع Coco.gg شكّل محوراً رئيسياً في القضية، رغم مظهره البسيط الذي وصف بأنه خادع، إذ استخدمه بيليكوت لتجنيد المعتدين وإخفاء جرائمه لفترة طويلة.

يشير ذلك إلى فجوة خطيرة بين واجهة المنصات الرقمية وقدرتها الفعلية على احتضان سلوكيات إجرامية منظمة.

وتوضح ملفات المحكمة أن الموقع ارتبط لاحقاً بأكثر من 23 ألف بلاغ جنائي، تشمل إساءة معاملة الأطفال وجرائم قتل بدافع الكراهية، إضافة إلى أنشطة أخرى مثل تجارة المخدرات.

وتشير تصريحات رسمية نقلتها التقارير إلى ارتباط المنصة أيضاً بجرائم تتعلق بالعنف الجنسي والاتجار بالبشر.

عودة المنصة

تتابع السلطات الفرنسية تطورات إعادة إطلاق الموقع تحت اسم جديد، رغم إغلاقه في يونيو 2024 ضمن عملية قادتها الهيئة الوطنية لمكافحة الجريمة المنظمة “جونالكو”، وبمشاركة أجهزة أوروبية متعددة.

ويأتي هذا التطور ليعيد الجدل حول قدرة المنصات الرقمية على إعادة إنتاج نفسها خارج الرقابة القانونية.

تكشف مفوضة شؤون الطفولة في فرنسا، سارة الحيري، أن عودة الموقع تمثل “صفعة قوية لوعد الحماية”، مؤكدة أن السلطات ستلاحق القائمين عليه دون أي تساهل.. يعكس هذا التصريح تصعيداً رسمياً في التعامل مع ما تعتبره فرنسا تهديداً مباشراً لحماية الأطفال والنساء عبر الإنترنت، وفقا لصحيفة “الغارديان”.

توضح النيابة العامة في باريس أنها فتحت تحقيقاً رسمياً في إعادة تشغيل المنصة، فيما تشير تقارير إلى أن التحقيق في القضية الأصلية كان قد وصل إلى مراحل متقدمة قبل ظهور النسخة الجديدة من الموقع.

تواجه المنصة الجديدة اتهامات بوجود روابط تقنية أو بصرية مع النسخة السابقة، رغم نفي القائمين عليها أي صلة قانونية أو تنظيمية بالموقع الأصلي.

يؤكد المتحدث باسمها أنها “خدمة جديدة” مع اعتماد “مراقبة فعالة” وسياسة “عدم التسامح مطلقاً”، في حين تشكك السلطات في فعالية هذه الإجراءات.

العنف كشبكة منظمة

تكشف تقارير CNN عن وجود منصات مشابهة تعرف باسم “أكاديمية الاغتصاب”، حيث يتبادل المستخدمون حول العالم نصائح حول تخدير النساء وارتكاب الاعتداءات وتصويرها، يشير هذا الامتداد إلى أن القضية الفرنسية ليست معزولة، بل جزءاً من شبكة أوسع للعنف الجنسي المنظم عبر الإنترنت.

تدعو منظمتان فرنسيتان معنيتان بحقوق المرأة السلطات إلى توسيع التحقيق ليشمل منصات مشابهة، معتبرتين أن هذه الشبكات لا تعمل بشكل فردي بل ضمن أنظمة مترابطة تشجع على العنف وتنظمه، يعكس هذا النداء تحول القضية من ملف جنائي محلي إلى قضية حقوقية دولية.

تؤكد مؤسسة المرأة “لا تدعني أنام” أن المستخدمين الفرنسيين قد يكونون متورطين في هذه الشبكات، ما يعني أن الضحايا ليسوا محصورين في نطاق جغرافي واحد، بل يمتدون عبر دول متعددة، ويعزز ذلك الطابع العابر للحدود للجريمة الرقمية.

توضح محاكمة بيليكوت أن الجريمة بدأت داخل غرفة دردشة باسم “دون علمها”، حيث جرى استدراج عشرات الرجال للمشاركة في الاعتداء على الضحية وهي تحت التخدير، يكشف هذا الاستخدام للفضاء الرقمي كيف يمكن تحويل التواصل الافتراضي إلى أداة تنفيذ فعلية للانتهاك.

تؤكد السلطات الفرنسية أن مؤسس الموقع، إسحاق ستيدل، يخضع للتحقيق بتهم تتعلق بجرائم متعددة، بينها التواطؤ في تهريب المخدرات، واستغلال قاصر، وتوزيع مواد إباحية للأطفال، فيما ينفي جميع التهم الموجهة إليه

توضح التقارير أن خبراء التكنولوجيا يشيرون إلى صعوبة إغلاق المواقع الإلكترونية بشكل نهائي، مقابل سهولة إعادة إنشائها خلال وقت قصير، ما يخلق فجوة مستمرة بين سرعة الجريمة الرقمية وبطء الاستجابة القانونية.

يشير خبير الخصوصية بول بيشوف إلى أن نسخ المواقع لا يتطلب سوى جهد محدود، ما يجعل إعادة تشغيلها وسيلة محتملة لاستمرار النشاط الإجرامي، سواء عبر الاستغلال أو التحول إلى خدمات أخرى.

تُبرز القضية، في مجملها، تصاعد التهديدات التي تواجه الحق في السلامة الجسدية والأمان الرقمي في ظل توسع الفضاءات الإلكترونية غير المنضبطة، ويكشف تداخل الجرائم بين الواقع والإنترنت عن تحديات عميقة أمام حماية النساء والأطفال من أشكال جديدة من العنف المنظم.

تختتم السلطات الفرنسية موقفها بتأكيد استمرار الملاحقة القانونية لكل من يثبت تورطه، في حين تستمر المنظمات الحقوقية في الضغط لتوسيع نطاق التحقيقات، في محاولة لاحتواء ظاهرة تتجاوز حدود منصة واحدة لتصل إلى بنية رقمية عالمية أكثر تعقيداً.