منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أمل يباع بالمال.. مأساة المهاجرين المفقودين في السنغال تتحول إلى تجارة للوهم

16 يونيو 2026
مواطنون في السنغال ينظرون إلى صور المهاجرين المفقودين
مواطنون في السنغال ينظرون إلى صور المهاجرين المفقودين

كانت المواطنة السنغالية بينيتا دينغ تمسك هاتفها المعطل كما لو أنه آخر خيط يربطها بابنتها. منذ أكتوبر 2023 لم تسمع خبراً مؤكداً عن ميمونة التي غادرت على متن قارب متجه نحو أوروبا؛ لم يصل اتصال، لم تصل رسالة، ولم يظهر اسمها بين الناجين أو الضحايا، لكن شيئاً واحداً ظل حاضراً في حياتها اليومية، وهو الوعود المتكررة التي يقدمها بعض القادة الروحيين بأن ابنتها لا تزال على قيد الحياة.

وفق تحقيق وكالة الأنباء الإسبانية إي إف إي، تمثل قصة بينيتا واحدة من مئات القصص المتشابهة في السنغال، حيث تلجأ عائلات المهاجرين المفقودين إلى من يعرفون محلياً باسم “المارابو”. ويشغل هؤلاء مكانة دينية واجتماعية مؤثرة داخل المجتمع السنغالي، إلا أن تحقيقات صحفية وشهادات محلية كشفت أن بعضهم بات يستغل معاناة الأسر عبر تقديم معلومات غير موثقة مقابل مبالغ مالية متفاوتة.

مأساة تتسع كل عام

تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن طريق الأطلسي الرابط بين سواحل غرب إفريقيا وجزر الكناري الإسبانية يعد من أخطر طرق الهجرة في العالم. وخلال عام 2025 وصل 17788 مهاجراً إلى جزر الكناري بعد انطلاقهم من سواحل غرب وشمال إفريقيا. ورغم انخفاض العدد مقارنة بعام 2024، فإن الطريق ظل شديد الخطورة. وسجلت المنظمة الدولية للهجرة 54 حادث غرق موثقاً خلال عام 2025، أسفرت عن وفاة أو اختفاء 1214 مهاجراً. وتؤكد المنظمة أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى فقط بسبب صعوبة توثيق جميع الحوادث.

وتظهر بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن 3845 مهاجراً من غرب ووسط إفريقيا لقوا حتفهم أو فُقدوا خلال عام 2025 أثناء محاولات عبور الأطلسي أو البحر المتوسط أو الصحراء الكبرى للوصول إلى أوروبا. وتوضح المنظمة أن الكثير من القوارب تختفي دون أن تترك أثراً، ما يجعل الحصيلة الحقيقية أعلى من الأرقام المعلنة.

الفراغ الذي يصنع الوهم

في هذا الواقع المليء بالغموض، تجد الكثير من العائلات في السنغال نفسها أمام سؤال واحد لا تملك له جواباً.. هل أبناؤها أحياء أم أموات؟

وفق وكالة الأنباء الإسبانية إي إف إي، أخبر أكثر من مارابو والدة ميمونة بأن ابنتها لا تزال على قيد الحياة. كما أكدوا أنها محتجزة داخل المغرب. وتلقت عشرات العائلات الأخرى الرواية ذاتها تقريباً. وبالنسبة لكثيرين، تحولت هذه الروايات إلى المصدر الوحيد للأمل في ظل غياب أي معلومات رسمية.

ويقول باكو مباي، أحد زعماء مجتمع الليبو المحلي، إن بعض المارابو ينشرون إعلانات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ويزعمون قدرتهم على معرفة مصير المفقودين أو التواصل معهم روحياً. ويضيف أن كثيراً من الأسر تلجأ إليهم بدافع اليأس والرغبة في الحصول على أي إجابة.

ثمن الأمل

تكشف الشهادات التي وثقتها وكالة الأنباء الإسبانية إي إف إي أن بعض المارابو في السنغال يطلبون مبالغ كبيرة مقارنة بظروف الأسر الاقتصادية. فقد طلب أحدهم من مجموعة من الأمهات 250 ألف فرنك إفريقي مقابل تقديم معلومات إضافية عن أماكن أبنائهن. ويعادل هذا المبلغ نحو 375 يورو.

كما تحدثت أسر أخرى عن مطالبات مالية تراوحت بين 50 ألفاً و55 ألف فرنك إفريقي لإجراء طقوس يزعم أصحابها أنها تساعد على عودة المفقودين.

ولا تنظر بعض العائلات إلى هذه الممارسات باعتبارها احتيالاً. بل تراها محاولة أخيرة للتمسك بالأمل. وتقول بينيتا دينغ إنها كانت ستدفع المبلغ المطلوب لو امتلكته بالفعل.

الفقد الغامض

تصف اللجنة الدولية للصليب الأحمر حالة عائلات المفقودين بأنها من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً. فالعائلة لا تملك دليلاً على الوفاة ولا دليلاً على النجاة. وتظل معلقة بين احتمالين متناقضين لسنوات طويلة.

وتشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن أكثر من 340 ألف فرد من أسر المهاجرين المفقودين حول العالم تأثروا بصورة مباشرة بالأزمة منذ عام 2014. وتشمل الآثار أضراراً نفسية واجتماعية واقتصادية وقانونية طويلة الأمد.

ويفسر هذا الواقع استعداد بعض الأسر لتصديق روايات غير موثقة، فالمعلومة المطمئنة، حتى لو كانت غير مؤكدة، قد تبدو أقل قسوة من احتمال فقدان الأبناء نهائياً.

بارغني.. قرية تنتظر أبناءها

تعد بارغني من أكثر المناطق السنغالية تأثراً بالهجرة غير النظامية. ووفق المعطيات المحلية التي أوردتها وكالة الأنباء الإسبانية إي إف إي، غادر أكثر من خمسة بالمئة من سكان البلدة خلال عامي 2023 و2024 عبر رحلات بحرية نحو أوروبا.

وتشير البيانات المحلية إلى أن أكثر من مئة شخص من أبناء البلدة لا يزالون في عداد المفقودين. كما كانت ميمونة ضمن مجموعة ضمت أكثر من 150 مهاجراً على متن قارب اختفى أثره بعد مغادرته السواحل السنغالية.

ومع مرور السنوات دون معلومات مؤكدة، أصبح الانتظار جزءاً من الحياة اليومية لعشرات الأسر.

تضليل يتغذى على وسائل التواصل

يؤكد باكو مباي أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أداة رئيسية لنشاط بعض المارابو. فالإعلانات والمنشورات ومقاطع الفيديو القصيرة تساعدهم على الوصول إلى العائلات في مختلف المناطق.

وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أن بعض القادة الروحيين يمتلكون معرفة حقيقية بأوضاع الهجرة. كما يمكنهم الوصول إلى معلومات منشورة عبر الإنترنت حول أوضاع المهاجرين في المغرب وإسبانيا وموريتانيا. ثم يعيدون توظيف أجزاء من هذه المعلومات لبناء روايات تبدو مقنعة.

ووفق تحقيق وكالة الأنباء الإسبانية إي إف إي، فإن جميع العائلات التي تمت مقابلتها تقريباً تلقت الرواية نفسها بشأن وجود أقاربها داخل المغرب. لكن الوكالة توصلت إلى أن نحو 300 سنغالي فقط كانوا محتجزين فعلياً في المغرب. ومعظمهم وصلوا إليه عبر مسارات مختلفة عن تلك التي سلكها المفقودون المنطلقون من السواحل السنغالية.

مأساة تتجاوز الحدود

لا تقتصر الأزمة على السنغال وحدها. فقد شهدت منطقة غرب إفريقيا سلسلة من الكوارث البحرية خلال السنوات الأخيرة. وفي أغسطس 2025 لقي عشرات المهاجرين مصرعهم أو فُقدوا بعد غرق قارب انطلق من المنطقة باتجاه جزر الكناري. وكان معظم الركاب من السنغاليين والغامبيين.

كما سجلت منظمات دولية استمرار الحوادث المميتة خلال عام 2026. وأفادت منظمة كاميناندو فرونتيراس الإسبانية بأن أكثر من 1300 مهاجر لقوا حتفهم أثناء محاولات الوصول إلى السواحل الإسبانية خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري.

وتشير وكالة رويترز إلى أن أكثر من ثلاثة آلاف شخص فقدوا حياتهم على طريق جزر الكناري خلال عام 2025 وفق تقديرات منظمات إنسانية متخصصة.

ماذا تقول المنظمات الدولية؟

تؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن غياب المسارات الآمنة للهجرة يدفع مزيداً من الأشخاص إلى الاعتماد على شبكات التهريب. كما يزيد من احتمالات الاختفاء والموت في البحر. وتطالب المنظمة بتوسيع قنوات الهجرة النظامية وتعزيز عمليات البحث والإنقاذ وتحسين آليات تحديد هوية المفقودين.

أما المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فتشدد على ضرورة توفير الدعم النفسي والقانوني لعائلات المفقودين. كما تؤكد أهمية حصول الأسر على معلومات موثوقة حول مصير أقاربها بدلاً من تركها فريسة للشائعات والاستغلال.

الحق في معرفة الحقيقة

تنص المبادئ الدولية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان على حق العائلات في معرفة مصير أقاربها المفقودين. وتعد منظمات حقوقية استمرار الغموض لسنوات طويلة يمثل معاناة إنسانية قائمة بذاتها.

ويؤكد خبراء اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن غياب المعلومات الرسمية يخلق بيئة خصبة للمعلومات المضللة والاستغلال المالي. فكلما طال الانتظار، زادت قابلية الأسر لتصديق أي رواية تمنحها أملاً ولو مؤقتاً.

الهجرة والفقر والبحث عن المستقبل

ترتبط موجات الهجرة من السنغال بعوامل اقتصادية واجتماعية معقدة. فالكثير من الشباب يغادرون بحثاً عن فرص عمل فضلى في أوروبا. كما تواجه المجتمعات الساحلية تحديات مرتبطة بتراجع عائدات الصيد وارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة.

وتحولت جزر الكناري خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أبرز بوابات الهجرة نحو أوروبا. لكن هذه الرحلات تتم غالباً على متن قوارب متهالكة تفتقر إلى شروط السلامة الأساسية.

أمل مؤجل

في بارغني لا تزال بينيتا دينغ تنتظر، لا تعرف إن كانت ابنتها حية أم إن المحيط ابتلعها منذ سنوات. لكنها ما زالت تبحث عن إجابة. وبين تقرير دولي يوثق أعداد المفقودين، ورسالة جديدة من أحد المارابو، يبقى اليقين غائباً.

وتكشف هذه القصة جانباً خفياً من أزمة الهجرة. فالمأساة لا تنتهي عند غرق القوارب أو اختفاء الركاب، بل تمتد إلى سنوات طويلة من الانتظار والقلق والاستنزاف النفسي. وفي هذا الفراغ المؤلم، يتحول الأمل أحياناً إلى سلعة تباع وتشترى، في حين تبقى الحقيقة غارقة في أعماق الأطلسي.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية