في مطار غاتويك، في منتصف النهار، كان المشهد على المدرج أقرب إلى الفوضى.. سياسة عامة تُنفّذ أمام أعين الناس، ناخبون ومواطنون يشاهدون ما لا يُراد لهم عادة أن يروه.
“مردار… مرداااار”، يصرخ الرجل الضخم وهو يقاوم بعنف، في حين يحاول عدد من رجال الأمن، بسترهم الصفراء الواضحة وإصرارهم الصلب، تثبيته في مقعد خلفي على متن الطائرة. «ما أقدرش أرجع جامايكا»، يهتف بصوت يهز أرجاء الطائرة. “قتلوا أخويا… وحيقتلوني”.
خمسة أو ستة من الحراس، ليسوا ضعاف البنية، لكن إدخال رجل بهذا الحجم والهياج في مقعد اقتصادي لم يكن مهمة سهلة. كان يملك من القوة ما يكفي، على الأقل مؤقتاً، لإفشالهم. أحدهم انحنى للأمام وأحكم قبضته حول عنقه، فتعالت شهقات الركاب. بعضهم أخرج هاتفه وبدأ التصوير، متجاهلاً توسلات المضيفة بالبقاء في المقاعد. آخرون، وقد شدّهم المشهد رغم رغبتهم في الإقلاع، اتجهوا إلى الخلف لمشاهدة هذا العرض الكابوسي.
وصلت المواجهة إلى حالة جمود متوتر: قوة لا تُقاوَم تتمثل في فريق الترحيل، تصطدم بجسم لا يتحرك هو المرحَّل المحتمل. في تلك اللحظة الصاخبة، بدأت بوادر التمرد. «لا يمكننا الإقلاع هكذا»، قال أحد الركاب بغضب. «هذا غير آمن»، احتج آخر. «سيهدأ»، ردّت المضيفة، لكن أحداً لم يصدقها… وربما لم تصدّق نفسها.
ارتفع الصخب أكثر: صراخ الرجل، أوامر الحراس، واحتجاجات الركاب الغاضبة. ثم فجأة… تراجع. «حسناً، لن تسافر»، قال أحد الحراس، قبل أن يسحبوه بعنف خارج الطائرة. تلاشى صوته تدريجياً، وانتهى المشهد. عاد الركاب إلى مقاعدهم، أُغلقت الأبواب، وتحركت الطائرة. العاصفة مرّت.
في ديمقراطيتنا شيء من التجريد. نصوّت لسياسات ونترك للآخرين تنفيذ التفاصيل. حين تكون تلك السياسات رحيمة، نسمع عنها ونشعر بالفخر. أما حين تكون قاسية ومربكة، فنتمتع برفاهية ألا نراها… أن يقوم بها غيرنا بعيداً عن أعيننا.
الترحيل القسري يقف في قلب سياسة الهجرة الحكومية. الوزراء يقدّمونه بوصفه دليلاً على الفاعلية. في فبراير أعلنت وزارة الداخلية ترحيل نحو 60 ألف مهاجر غير نظامي ومدان منذ وصول حزب العمال إلى الحكم.
هذا النهج يلقى حماسة خاصة لدى اليمين الذي يطالب بالمزيد وبسرعة كبرى. لكن قلة ممن يدعمونه يضطرون فعلياً إلى إجبار رجل يصرخ ويقاوم على الجلوس في طائرة، أو الاستماع إلى توسلاته اليائسة. أشك أن كثيرين منهم قد يشهدون ذلك أصلاً.
أتساءل كيف كان سيتعامل كير ستارمر، أو شابانة محمود، أو كيمي بادينوك، أو نايجل فاراج مع رحلة تستغرق عشر ساعات بجوار مشهد كهذا. وإذا كان ذلك غير مقبول لهم، فلماذا يُفرض على ركاب عاديين؟
يبدو أن نقل تنفيذ هذه السياسات إلى شركات الطيران والمضيفين المنهكين يبعد المسؤولية خطوة عن صانعي القرار ومؤيديهم.
ربما يظن البعض أن كشف هذه المشاهد سيزيد دعم الناس للسياسة. لكن ما رأيته يوحي بالعكس. كثيرون، مثل ركاب تلك الرحلة، قد يرون في هذا المشهد تأكيداً لشكوكهم الأخلاقية. وربما يعيد حتى المؤيدون التفكير، إذا شاهدوا التنفيذ بأعينهم.
كان من المستحيل رؤية ذلك الاشتباك دون تذكّر جيمي موبينغا، طالب اللجوء الأنغولي الذي توفي عام 2010 أثناء تقييده على متن رحلة ترحيل.
الحقيقة أن ما حدث في غاتويك ليس استثناءً. كثير من محاولات الترحيل القسري على رحلات الركاب تسير على النمط ذاته: صراع، فوضى، غضب… ثم تراجع.
لا أدافع عن هذا الرجل. لا أعرف قصته. ربما يستحق الترحيل. القضية هنا ليست «لماذا»، بل «كيف»؛ لأن القرارات الديمقراطية، مهما بدت بعيدة، تضع مسؤولية أخلاقية على من يدعمها ومن ينفذها. وربما لا ندرك ذلك إلا حين نواجه نتائجها وجهاً لوجه.
نقلاً عن الجارديان
