منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

في كاليفورنيا.. الأمن العام يخسر أمام استعراض “الحدود المفتوحة”

31 مايو 2026
معركة قانونية وسياسية بين كاليفورنيا والسلطات الفيدرالية بشأن الهجرة
معركة قانونية وسياسية بين كاليفورنيا والسلطات الفيدرالية بشأن الهجرة

ريتشي غرينبرغ*

عندما تقع جريمة قتل ثلاثية، ويُتهم بارتكابها شخص أُتيحت أمام السلطات فرص متعددة لإبعاده عن البلاد لكنها اختارت عدم القيام بذلك بسبب سياسة متعمدة من عدم التعاون في كاليفورنيا، فإن النتيجة تكون عائلات مدمرة ومجتمعاً غارقاً في الحزن. ومن حقنا الكامل أن نصف ذلك بأنه أمر صادم وغير مقبول.

ما حدث ليس مجرد سوء حظ أو خطأ عابر، بل فشل سياسي له ضحاياه من البشر، وهو يجسد بصورة مثالية المواجهة العبثية بين نموذج «المدن الملاذ» الذي تتبناه كاليفورنيا وبين تطبيق قانون الهجرة الفيدرالي.

فحتى مطلع هذا العام، أعلنت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية أن الولايات والمقاطعات التي تتبنى سياسات الملاذ في كاليفورنيا أفرجت منذ 20 يناير 2025 عن أكثر من 4500 شخص كانت بحقهم طلبات احتجاز نشطة من إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية(ICE) ، بينهم أشخاص مدانون أو متهمون بجرائم قتل واعتداءات جنسية واعتداءات جسدية واتجار بالمخدرات وجرائم أسلحة.

ويبدو أن خواكين إسكوتو، المتهم بقتل رضيع وامرأتين في مدينة موديستو، يمثل النموذج ذاته للمجرم المتكرر الذي سعت الحكومة الفيدرالية إلى ترحيله.

ما المبرر الذي تسوقه كاليفورنيا لرفض التعاون مع السلطات الفيدرالية؟ الإجابة المعتادة هي «بناء الثقة مع المجتمعات المحلية» و«عدم تحويل الشرطة إلى وكلاء للهجرة».

لكن النتيجة العملية لهذا النهج هي توفير الحماية لمخالفين متكررين مثل إسكوتو الذي سبق ترحيله من الولايات المتحدة ثلاث مرات قبل ذلك.

القوانين المعمول بها في كاليفورنيا تجعل تطبيق إجراءات الهجرة أكثر صعوبة عن قصد، حتى عندما يتعلق الأمر بأشخاص أعيدوا إلى البلاد بصورة غير قانونية ولديهم سجلات جنائية.

فالتجاوب مع طلب بسيط من إدارة الهجرة والجمارك بعد توقيف شخص بتهمة القيادة تحت تأثير الكحول، وهو شخص سبق ترحيله ثلاث مرات، لا يمكن اعتباره «ترحيلاً جماعياً» أو فصلاً للعائلات كما يدعي البعض.

بل هو مجرد تنسيق أساسي يتعلق بالسلامة العامة بين مستويات الحكم المختلفة في قضية تقع أصلاً ضمن الاختصاص الفيدرالي.

والأم أن كاليفورنيا ليست مطالبة أصلاً بتطبيق قوانين الهجرة الفيدرالية نيابة عن الحكومة المركزية، لكنها ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر عرقلة تنفيذها وحجب معلومات أمنية وروتينية يفترض أن تكون متاحة.

لا يوجد مبرر أخلاقي أو عملي لحماية شخص مثل إسكوتو من الترحيل الفيدرالي بعد عودته المتكررة إلى البلاد وانخراطه في أنشطة إجرامية.

كما أن شعار «حماية المهاجرين» يفقد مصداقيته عندما يتحول إلى غطاء يحمي أفراداً يستهدفون الفئات الضعيفة، وغالباً من داخل المجتمعات المهاجرة نفسها.

وفي التجمعات والاحتجاجات، أصبحت هتافات مثل «تباً لإدارة الهجرة والجمارك» و«أخرجوا ICE من كاليفورنيا» تتردد على ألسنة نشطاء ونقابيين ومعلمين وطلاب وسياسيين، في تعبير عن نزعة أيديولوجية متطرفة تعد كل أشكال تطبيق القانون غير شرعية، وتنظر إلى أي تعاون مع سلطات الهجرة باعتباره خيانة أخلاقية، لكن لهذه العقلية ضحايا حقيقيين.

وتصف إدارة الرئيس دونالد ترامب هذا الواقع بأنه نظام حماية متعمد للمهاجرين المخالفين ذوي السجلات الإجرامية على حساب أرواح الأمريكيين.

أما رد كاليفورنيا فكان إصدار مزيد من القوانين التي تجعل عمل سلطات الهجرة أكثر صعوبة.

وينطبق الأمر نفسه على مدينة لوس أنجلوس، حيث تفاخرَت عضوة المجلس البلدي والمرشحة لمنصب العمدة نيثيا رامان عبر منصة «إكس» بخطتها لجعل لوس أنجلوس «أقوى مدينة ملاذ في البلاد».

وبموجب بند السيادة الوارد في الدستور الأمريكي، تبقى قضايا الهجرة ضمن الاختصاص الحصري للحكومة الفيدرالية، فالكونغرس يمتلك السلطة التشريعية في هذا المجال، كما أن قوانين مثل المادة 1373 من الباب الثامن في القانون الأمريكي وُضعت تحديداً لمنع الولايات من عرقلة التواصل بين أجهزة الشرطة المحلية وسلطات الهجرة.

لكن قوانين الملاذ في كاليفورنيا حولت السجون المحلية إلى أبواب دوارة يدخل منها المجرمون ويخرجون بسهولة، فالولاية تمنع تنفيذ طلبات الاحتجاز الصادرة عن إدارة الهجرة ما لم تكن مدعومة بأمر قضائي، وتعرقل الإخطارات الروتينية، وتحظر استخدام موارد الولاية للمساعدة في ترحيل الأشخاص الذين ترغب الحكومة الفيدرالية في إبعادهم.

ومن خلال أغلبية ديمقراطية كاسحة في المجلس التشريعي، وبدعم من الحاكم غافين نيوسوم، تحولت سياسات الملاذ -في رأيي- من مجرد حماية قانونية إلى شكل من أشكال العرقلة المتعمدة.

والنتيجة أن مجرمين كان ينبغي ترحيلهم يُطلق سراحهم داخل كاليفورنيا ليعودوا إلى ارتكاب الجرائم مجدداً، وهكذا تصطدم أولوية القانون الفيدرالي بمحاولات التعطيل على مستوى الولاية.

ومن الطبيعي أن ترد إدارة ترامب بالضغط المالي وتكثيف إجراءات التنفيذ، لكن المحاكم تستمر في إبطال العديد من الإجراءات الفيدرالية، ما يبقي حالة الجمود قائمة، في حين يتزايد عدد الضحايا.

أما المدافعون عن سياسات الملاذ، فما زالوا يكررون الحجج ذاتها: «معدلات الجريمة بين المهاجرين منخفضة عموماً»، و«هذه الحالات نادرة»، و”الإجراءات القانونية الواجبة مهمة”.

لكن جرّبوا أن تقولوا ذلك للطفل الوحيد الذي نجا من هذه الجريمة الثلاثية.

فعندما تؤدي سياسات الملاذ عمداً إلى منع تسليم المخالفين المتكررين المعروفين إلى السلطات الفيدرالية، لا يمكن وصف النتائج بأنها مجرد “مصادفة مؤسفة”، ولا يوجد أي عذر لذلك.

فهذا ليس دفاعاً عن المهاجرين، بل حماية لمجرمين مثل إسكوتو من المساءلة والعقاب وفق القانون الفيدرالي، إنه تطرف في سياسات الملاذ، وليس نموذجاً للحكم الرحيم أو المتعاطف، بل أيديولوجيا استعراضية تحمل عواقب قاتلة.

 

وفي الوقت الذي يهنئ فيه الساسة والنشطاء أنفسهم على تحدي إدارة الهجرة والجمارك، يشاهد الأمريكيون العاملون بجد أسراً تتفكك وحياةً تُدمر، ويتساءلون لماذا يستمر الأمن العام في الخسارة أمام استعراضات “الحدود المفتوحة”.

*نقلاً عن نيويورك بوست