منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

عفو استثنائي.. عريضة بريطانية تطالب بتسوية أوضاع مهاجرين غير نظاميين

17 يونيو 2026
مطالبات بتسوية أوضاع الـ مهاجرين غير النظاميين في بريطانيا
مطالبات بتسوية أوضاع الـ مهاجرين غير النظاميين في بريطانيا

في وقت تتصاعد فيه حدة الجدل حول الهجرة في بريطانيا، برزت عريضة برلمانية تطالب بمنح عفو استثنائي لمرة واحدة لفئة من المهاجرين غير النظاميين المقيمين في المملكة المتحدة منذ سنوات، بما يسمح بتسوية أوضاعهم القانونية وإدماجهم في المجتمع والاقتصاد بصورة رسمية.

العريضة المنشورة على موقع العرائض الرسمي للبرلمان والحكومة البريطانية، تجاوزت حاجز 10 آلاف توقيع، وهو الحد الذي يوجب على الحكومة البريطانية تقديم رد رسمي عبر نظام العرائض البرلمانية، أما إذا وصلت العريضة إلى 100 ألف توقيع، فيمكن أن تنظر لجنة العرائض في طرحها للمناقشة داخل البرلمان.

وتأتي المبادرة في لحظة سياسية حساسة، تشهد فيها بريطانيا تشديدا متواصلا في سياسات الهجرة واللجوء، إلى جانب خطاب عام أكثر حدة تجاه المهاجرين غير النظاميين.

وفي هذا المناخ، تحاول العريضة نقل النقاش من زاوية العقاب والإقصاء إلى سؤال أكثر عملية: كيف يمكن التعامل مع أشخاص يعيشون داخل المجتمع منذ سنوات، ويعمل بعضهم في الظل، دون وضع قانوني واضح؟

ما الذي تطالب به العريضة؟

تدعو العريضة إلى إنشاء مسار استثنائي ومحدد زمنيا لتسوية أوضاع بعض المهاجرين غير النظاميين، بشرط أن يكونوا مقيمين في بريطانيا منذ مدة طويلة، وأن تنطبق عليهم معايير واضحة تتعلق بعدم ارتكاب جرائم خطيرة، والاستعداد للاندماج القانوني والاقتصادي.

ولا تطرح المبادرة نفسها باعتبارها فتحا عاما للحدود أو تراجعا عن سياسة الهجرة، بل باعتبارها حلا مؤقتا لفئة موجودة بالفعل داخل البلاد، لكنها تعيش في منطقة رمادية بين الحاجة الاقتصادية والخوف القانوني.

وبحسب مؤيدي العريضة، فإن تجاهل هذه الفئة لا يلغي وجودها، بل يدفعها إلى العمل غير الرسمي، ويجعلها أكثر عرضة للاستغلال، ويمنع الدولة من معرفة دقيقة بمن يعيش على أراضيها.

البعد الإنساني

تقوم المبادرة على فكرة بسيطة لكنها شديدة الحساسية: هناك مهاجرون يعيشون في بريطانيا منذ سنوات طويلة، بنوا علاقات اجتماعية، ويعملون أو يحاولون العمل، ويدفعون أثمانا يومية بسبب غياب الوضع القانوني.

فالمهاجر غير النظامي غالبا ما يتحرك بخوف دائم؛ يخاف من المرض لأنه قد يتردد في طلب الخدمة، ومن صاحب العمل لأنه لا يمتلك حماية كافية، ومن الشرطة أو المؤسسات الرسمية لأنه يخشى الترحيل، ومن المستقبل لأنه لا يعرف إن كان سيبقى أو يرحل.

وهنا يصبح ملف الهجرة ليس مجرد أرقام على الحدود، بل حياة معلقة، أسر لا تعرف إن كانت ستستقر، عمال يقبلون بأجور أقل من الحد العادل، وأشخاص يعيشون في المجتمع دون أن يكون لهم مكان قانوني داخله.

الاقتصاد الموازي

يرى مؤيدو المبادرة أن استمرار وجود آلاف الأشخاص خارج الإطار القانوني يغذي ما يعرف بالاقتصاد غير الرسمي أو الاقتصاد الأسود، فالعامل غير النظامي غالبا ما يقبل بأجر أقل، ولا يحصل على حماية عمالية كافية، ولا يدفع الضرائب أو التأمينات بصورة مباشرة ومنتظمة.

وهذا الوضع لا يضر المهاجر فقط، بل يضر أيضا أصحاب الأعمال الملتزمين بالقانون، لأن المنافسة تصبح غير عادلة عندما تستخدم بعض الجهات عمالة هشة بأجور متدنية وخارج الرقابة.

وبحسب رؤية مقدمي العريضة، فإن إدخال هؤلاء الأشخاص إلى الاقتصاد الرسمي قد يساعد الدولة على تحصيل ضرائب ورسوم وتأمينات وطنية إضافية، ويقلل من الاستغلال، ويجعل سوق العمل أكثر شفافية.

العبودية الحديثة والاستغلال

تركز المبادرة أيضا على جانب شديد الخطورة، وهو ارتباط غياب الوضع القانوني بمخاطر الاستغلال والعبودية الحديثة.. فالأشخاص الذين يخشون الترحيل يكونون أقل قدرة على الإبلاغ عن الانتهاكات، وأكثر عرضة للابتزاز من أصحاب العمل أو شبكات التشغيل غير القانونية.

ومن هذه الزاوية، لا تُطرح التسوية كمنحة مجانية، بل كأداة حماية.. فحين يصبح الشخص معروفا للدولة، وله وضع قانوني واضح، يصبح أكثر قدرة على طلب الحماية، وأقل قابلية للوقوع في شبكات العمل القسري أو الاستغلال الجنسي أو السكن غير الآمن.

ويدافع مؤيدو العريضة عن الفكرة من مدخل أمني أيضا؛ فالأمن لا يتحقق فقط عبر تشديد الحدود، بل عبر معرفة الدولة بمن يعيش داخل أراضيها، وأين يعمل، وكيف يتحرك داخل المجتمع.

فالوجود غير النظامي الطويل يخلق مساحة معتمة لا تفيد الدولة ولا المجتمع، أما التسوية القانونية المشروطة، فقد تمنح السلطات قدرة أكبر على تنظيم الملف، بدلا من تركه في الظل لسنوات طويلة.

ومن هنا، تقدم المبادرة نفسها كحل يجمع بين الاعتبارات الإنسانية والاقتصادية والأمنية، لا كمجرد مطلب عاطفي لصالح المهاجرين.

النموذج الإسباني

تستند العريضة إلى نماذج أوروبية سابقة، أبرزها التجربة الإسبانية، حيث لجأت إسبانيا في مراحل مختلفة إلى تسوية أوضاع مهاجرين غير نظاميين، وربطت ذلك بالإدماج في سوق العمل الرسمي والمساهمة الضريبية.

ويرى أصحاب المبادرة أن هذه التجارب تكشف إمكانية تحويل ملف الهجرة غير النظامية من عبء إداري وأمني إلى مسار إدماج منظم، شرط أن تكون التسوية محددة المعايير، ومصحوبة برقابة قانونية واضحة، وغير مفتوحة بلا ضوابط.

جانب آخر تطرحه المبادرة يتعلق بالكلفة البيروقراطية، فاستمرار ملفات الهجرة واللجوء والطعون القانونية لسنوات يستهلك موارد مالية وإدارية كبيرة من الدولة، ويزيد الضغط على المؤسسات المختصة.

ومن ثم، فإن تسوية استثنائية ومدروسة قد تسهم، بحسب مؤيديها، في تقليل التراكم الإداري، وتوجيه الموارد إلى الحالات الجديدة أو الأكثر تعقيدا، بدلا من إبقاء آلاف الأشخاص في حالة انتظار طويلة لا تفيد أحدا.

بين الحدود والرحمة

تحاول المبادرة أن تقدم نفسها بعيدا عن الاستقطاب التقليدي بين من يطالبون بتشديد شامل للهجرة، ومن يدعون إلى فتح مسارات واسعة للتسوية، فهي تقول إن الدولة تستطيع أن تحافظ على حدود قوية، وفي الوقت نفسه تعالج أوضاع أشخاص أصبحوا بالفعل جزءا من المجتمع.

وهذه هي النقطة الإنسانية الأهم: لا تعارض بالضرورة بين القانون والرحمة، ولا بين الأمن والإدماج، إذا وُضعت قواعد واضحة، وجرى التعامل مع الملف بواقعية بعيدا عن الخطاب الشعبوي.

تجاوز العريضة حاجز 10 آلاف توقيع لا يعني إقرار العفو أو تغيير القانون فورا، لكنه يفرض على الحكومة البريطانية تقديم رد رسمي، ويفتح الباب أمام نقاش أوسع بشأن الفئات غير النظامية التي تعيش في البلاد منذ سنوات.

أما الوصول إلى 100 ألف توقيع فسيجعل العريضة قابلة للنظر في إمكانية مناقشتها داخل البرلمان، وهو ما يمنح القضية بعدا سياسيا أكبر، حتى لو ظل القرار النهائي بيد الحكومة والمؤسسات التشريعية.

ملف الهجرة في بريطانيا

تكشف هذه المبادرة أن ملف الهجرة في بريطانيا لا يمكن اختزاله في الحدود والقوارب والأرقام، هناك بشر يعيشون داخل المجتمع منذ سنوات، بعضهم يعمل، وبعضهم يربي أطفالا، وبعضهم ينتظر فرصة قانونية للخروج من الظل.

وقد لا تكون العريضة حلا نهائيا لكل تعقيدات الهجرة، لكنها تطرح سؤالا مهما، هل من الأفضل أن يبقى آلاف الأشخاص خارج القانون، عرضة للاستغلال والخوف، أم أن التسوية المشروطة قد تكون طريقا أكثر واقعية وإنسانية للدولة والمجتمع معا؟

وبين التشدد السياسي والحاجة العملية، تبدو المبادرة محاولة لفتح نافذة حوار حول حل يمكن أن يحفظ كرامة الأفراد، ويخدم الاقتصاد، ويمنح الدولة قدرة أوضح على إدارة أحد أكثر الملفات حساسية في بريطانيا المعاصرة.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية