يعيش آلاف اللاجئين السوريين في سويسرا حالة ترقب منذ أكثر من عام ونصف، بعد تعليق دراسة طلبات لجوئهم عقب التحولات السياسية في سوريا نهاية عام 2024، ومع إعلان الأمانة العامة للهجرة في سويسرا استئناف البت في هذه الطلبات اعتباراً من مايو 2026، يعود الملف إلى الواجهة في ظل تساؤلات متزايدة حول مستقبل الحماية، وحدود العودة، والتزامات القانون الدولي، وتشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن السوريين لا يزالون من أبرز الجنسيات المستفيدة من نظام اللجوء في سويسرا حتى عام 2026.
تعكس الأرقام الرسمية استقراراً نسبياً في عدد السوريين داخل سويسرا، مع استمرار الضغط على نظام اللجوء، ووفق بيانات الأمانة العامة للهجرة في سويسرا لعام 2025، يبلغ عدد السوريين الحاصلين على اللجوء أو الحماية المؤقتة نحو 19 ألف شخص، إضافة إلى نحو 5 آلاف في مراحل مختلفة من إجراءات اللجوء، وتؤكد بيانات المكتب الفدرالي للإحصاء في سويسرا أن السوريين يمثلون إحدى كبريات مجموعات اللاجئين منذ موجة 2015، وفي عام 2026 لا يزال نحو 850 طلباً في المرحلة الأولى من الدراسة، ما يعكس استمرار التعقيد الإداري وطول الإجراءات.
تحول سياسي بعد سقوط النظام
جاء قرار تعليق طلبات اللجوء في ديسمبر 2024 عقب سقوط نظام بشار الأسد، في خطوة اتخذتها عدة دول أوروبية لإعادة تقييم الأوضاع، وبعد نحو عام ونصف، أعلنت الأمانة العامة للهجرة في سويسرا استئناف دراسة الطلبات بناءً على نتائج بعثة تقصي حقائق أُرسلت إلى سوريا ولبنان في نوفمبر 2025، وأكدت الأمانة أن كل ملف سيُدرس بشكل فردي، في تحول يعكس سياسة أكثر حذراً وانتقائية، تجمع بين إعادة التقييم الأمني والضغوط السياسية الداخلية.
وقد خلصت البعثة السويسرية إلى أن مستوى العنف لم يعد موحداً في جميع المناطق السورية، ما يتيح نظرياً إعادة بعض اللاجئين إلى مناطق أقل اضطراباً، غير أن هذا التقييم ترافق مع تحذيرات واضحة من استمرار التدهور الاقتصادي وغياب الاستقرار الشامل، وتؤكد تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2025 أن أكثر من 90 في المئة من السكان داخل سوريا يعيشون تحت خط الفقر، وهو ما يجعل فكرة العودة الآمنة محل شك واسعاً في الأوساط الدولية.
العودة الطوعية بين الحوافز والواقع
في موازاة استئناف دراسة الطلبات، أطلقت الأمانة العامة للهجرة في سويسرا برنامجاً لدعم العودة الطوعية، يتضمن مساعدات مالية تصل إلى 2600 يورو (نحو 3058 دولاراً) ضمن برامج إعادة الاندماج، إضافة إلى 1275 دولاراً لكل شخص، غير أن الأرقام تشير إلى محدودية الإقبال، إذ عاد 60 شخصاً فقط خلال النصف الثاني من عام 2025، وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن قرارات العودة غالباً ما ترتبط بالضغوط في بلد اللجوء أكثر من تحسن الأوضاع في بلد المنشأ.
ويواجه آلاف من طالبي اللجوء السوريين في سويسرا تحديات قانونية، خاصة الحاصلين على إقامة مؤقتة من الفئة F التي لا توفر استقراراً دائماً، ويشير تقرير المجلس السويسري لمساعدة اللاجئين لعام 2026 إلى أن هذا الوضع يحد من فرص العمل ولمّ الشمل الأسري ويؤثر في الاستقرار النفسي، كما يواجه طالبو اللجوء فترات انتظار طويلة، ما يعمق حالة عدم اليقين ويؤثر في اندماجهم الاجتماعي.
اندماج بطيء وفجوات اقتصادية
رغم البرامج الحكومية الهادفة إلى تسريع اندماج اللاجئين، لا تزال المؤشرات الاقتصادية تكشف فجوة واضحة بين السوريين والمجتمع المضيف، وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2025 إلى أن معدل توظيف اللاجئين في سويسرا لا يتجاوز 55 إلى 60 في المئة بعد خمس سنوات من الوصول، مقارنة بنحو 80 في المئة بين السكان المحليين، مع انخفاض النسبة بشكل أكبر بين النساء السوريات إلى ما دون 40 في المئة، كما يوضح المكتب الفيدرالي للإحصاء في سويسرا أن نحو ثلث اللاجئين يعملون في وظائف منخفضة المهارة رغم امتلاك نسبة معتبرة منهم مؤهلات جامعية، بسبب صعوبات معادلة الشهادات وضعف إتقان اللغة، وتبرز تقارير البنك الدولي أن هذا الهدر في رأس المال البشري يمثل تحدياً مزدوجاً، إذ يحرم الاقتصاد من كفاءات محتملة ويطيل اعتماد اللاجئين على الدعم الاجتماعي، الذي يستفيد منه نحو 70 في المئة من اللاجئين خلال السنوات الأولى من إقامتهم.
تحذيرات حقوقية متصاعدة
رحّب المجلس السويسري لمساعدة اللاجئين بقرار استئناف دراسة الطلبات، لكنه حذر من أي توجه نحو الترحيل في ظل استمرار المخاطر في سوريا، وأكد المجلس أن الوضع الأمني لا يزال هشاً ولا يوفر ضمانات حقيقية للحماية، وتدعم هذه المخاوف تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش لعام 2025 التي وثقت مئات الحالات من الاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري، ومنها ما كان بحق عائدين من الخارج، كما تشير تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى تسجيل آلاف الانتهاكات خلال عام 2025 وحده، ما يعزز المخاوف من أن أي عودة غير مدروسة قد تعرض اللاجئين لخطر مباشر، وفي هذا السياق شددت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تحديثاتها لعام 2026 على أن الظروف الحالية “لا تفي بمعايير العودة الآمنة والكريمة والمستدامة”.
الأطفال والنساء في قلب الأزمة
تظل الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها الأطفال والنساء، الأكثر تأثراً بتقلبات سياسات اللجوء، وتشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى أن ما بين 30 و40 في المئة من الأطفال اللاجئين السوريين في أوروبا يعانون من اضطرابات نفسية مرتبطة بالصدمات، في حين يواجه عدد منهم صعوبات في الاندماج المدرسي بسبب اللغة أو الانقطاع الطويل عن التعليم، وفي سويسرا توضح بيانات المكتب الفدرالي للإحصاء أن نسبة الالتحاق بالتعليم الإلزامي مرتفعة، لكنها تتراجع في التعليم الثانوي والتدريب المهني بين أبناء اللاجئين، أما النساء، فتشير تقارير منظمة العمل الدولية إلى أن مشاركتهن في سوق العمل تبقى محدودة نتيجة عوامل ثقافية وأسرية، إضافة إلى نقص برامج الدعم المتخصصة، ما يزيد من خطر التهميش الاقتصادي والاجتماعي لهذه الفئة.
توجه أوروبي نحو إعادة التقييم
تعكس السياسات السويسرية تحولاً أوسع في أوروبا نحو إعادة تقييم أوضاع اللاجئين السوريين بعد التغيرات السياسية في بلدهم، فقد أعادت دول مثل فرنسا وبريطانيا والدنمارك وهولندا فتح ملفات اللجوء خلال عام 2025، مع تزايد الخطاب السياسي الذي يربط بين تحسن الأوضاع في بعض المناطق السورية وإمكانية العودة، ويشير مجلس أوروبا إلى أن هذا التوجه يثير تحديات قانونية وأخلاقية، خاصة في ظل استمرار المخاطر الأمنية والاقتصادية، كما حذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن أي سياسات أوروبية متسرعة قد تقوض نظام الحماية الدولي، مؤكدة أن تقييم الأوضاع في سوريا يجب أن يستند إلى معايير موضوعية وشاملة، وليس إلى اعتبارات سياسية أو ضغوط داخلية، وفي ظل هذا السياق تبدو سويسرا جزءاً من معادلة أوروبية معقدة، تحاول فيها الحكومات الموازنة بين الالتزامات الإنسانية وتصاعد الضغوط السياسية المتعلقة بالهجرة.
القانون الدولي وخطوط الحماية
ينص مبدأ عدم الإعادة القسرية الوارد في اتفاقية جنيف على حظر إعادة أي شخص إلى بلد قد يواجه فيه خطراً، وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تحديثاتها لعام 2026 أن سوريا لا تزال غير مهيأة لعودة جماعية آمنة، داعية الدول إلى الاستمرار في توفير الحماية وتقييم الحالات بشكل فردي.
منذ اندلاع النزاع في عام 2011، شكل السوريون إحدى كبريات موجات اللجوء إلى أوروبا. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إعادة إعمار سوريا قد تستغرق عقوداً، ما يعني أن العودة ليست خياراً قريباً لغالبية اللاجئين، وفي ظل هذا الواقع تتقاطع الاعتبارات الإنسانية مع الحسابات السياسية في تحديد مستقبلهم.
بين سياسات متغيرة وواقع ميداني معقد، يظل ملف اللاجئين السوريين في سويسرا مفتوحاً على احتمالات متعددة، ومع استئناف دراسة الطلبات، تتجه الأنظار إلى كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الحماية الدولية وضغوط السياسات الداخلية، في وقت يبقى فيه مصير آلاف السوريين معلقاً بين الأمل في الاستقرار ومخاوف العودة إلى واقع غير مستقر.
