منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

رأيت كيف شوّه اليسار حياة قدامى محاربي فيتنام.. وحشود مناهضي إدارة الهجرة والجمارك تكرر التاريخ نفسه

30 مايو 2026
قام أحد عملاء إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية بتوجيه لكمة إلى وجه أحد المتظاهرين خلال اشتباك خارج قاعة ديلاني في نيوارك في 28 مايو 2026
قام أحد عملاء إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية بتوجيه لكمة إلى وجه أحد المتظاهرين خلال اشتباك خارج قاعة ديلاني في نيوارك في 28 مايو 2026

* جيمس أ. جاليانو

بعد أقل من خمسة أشهر على الاحتجاجات الفوضوية والدامية المناهضة لوكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) في مينيابوليس، عادت هذه الحركة السياسية الممولة جيداً والمنظمة بإحكام والمولعة بإثارة الفوضى للبحث عن ضحايا جدد.

فأعمال العرقلة والعنف التي تستهدف «ICE» تحدث دائماً في ما يُعرف بـ«مدن الملاذ» التي يديرها الديمقراطيون، وهذه المرة، وقع الاختيار على مدينة نيوارك بولاية نيوجيرسي.

كان الهدف الأبرز لغضب المحرضين خلال الأسبوع الماضي هو مركز «ديلاني هول»، وهو منشأة خاصة تضم ألف سرير وتشرف فيها وكالة «ICE» على أحد أكبر مراكز احتجاز المهاجرين في الولايات المتحدة.

وتؤكد وزارة الأمن الداخلي أن المحتجزين في «ديلاني هول» هم «الأسوأ بين المجرمين المقيمين بصورة غير قانونية»، لكن ذلك لا يعني شيئاً لمئات المحتجين الذين تجمعوا هناك وهم يطلقون الشتائم على ضباط «ICE» بالزي الرسمي ويعرقلون تحركاتهم.

وخلال إحدى المواجهات الليلية، رشّ مثيرو الشغب مادة كيميائية على الضباط، في حين أُلقي القبض على عدد من المتظاهرين بتهم الاعتداء على عناصر الوكالة.

كما وثّق مقطع فيديو أحد المحتجين وهو يهدد بقتل أحد ضباط «ICE» وعائلته قائلاً: “أطفالك وزوجتك… جميعهم سيموتون”.

وشوهدت مجموعات من المتطرفين الملثمين، الذين ارتدى بعضهم الكوفية، وهم يهتفون بشعارات بذيئة في وجوه الضباط، من بينها: “أيها الشرطيون والفيدراليون، أطلقوا النار على رؤوسكم”.

والأسوأ من ذلك أن مسؤولين منتخبين يشجعون هذا السلوك.

فقد وصفت حاكمة ولاية نيوجيرسي ميكي شيريل، التي انضمت إلى الحشود الغاضبة يوم الاثنين، وكالة «ICE» بأنها «شرطة سرية» و«ميليشيا شخصية» للرئيس دونالد ترامب.

أما السيناتور آندي كيم، ممثل الولاية في مجلس الشيوخ، فادّعى أن الوكالة تمثل “الفوضى القانونية التي تتسم بها إدارة ترامب”.

هذه المشاهد المقززة أعادت إلى ذاكرتي قصة مؤلمة كان والدي، خريج أكاديمية ويست بوينت عام 1960 وضابط الجيش الأمريكي، قد رواها لي على مضض عندما كنت طفلاً.

فعندما عاد من خدمته في فيتنام أواخر عام 1967، توقفت رحلته الجوية القادمة من سايغون لليلة واحدة في جزيرة غوام قبل أن تواصل طريقها إلى مطار لوس أنجلوس الدولي.

وخلال الرحلة بين غوام ولوس أنجلوس، تلقى الجنود والضباط، من الجيش ومشاة البحرية على حد سواء، أوامر بخلع زيهم العسكري وارتداء ملابس مدنية.

كان القادة يأملون أن يساعد هذا التغيير على إخفائهم عن الحشود الغاضبة التي كانت تتجمع في المطار، استعداداً لإمطارهم بالإهانات وحتى قذفهم بالفضلات البشرية، رغم أنهم كانوا أمريكيين عادوا للتو بعد عام كامل من الجحيم.

لكنّ المحتجين لم تنطلِ عليهم الحيلة؛ فقصات الشعر العسكرية وهيئتهم المنضبطة كانت كافية لكشف هويتهم.

وتجاوز مسلحون بالشتائم وأكياس القاذورات الحواجز الضعيفة، واندفعوا نحو الجنود العائدين لمضايقتهم والاعتداء عليهم.

هكذا كان «الاستقبال» الذي حظي به والدي عند عودته إلى الوطن.

لكنّ أولئك المحتجين كانوا مخطئين إلى حد السذاجة عندما تصوروا أن هؤلاء الشبان مسؤولون عن السياسة الأمريكية في فيتنام، فهم لم يكونوا مهندسي تلك السياسة، بل مجرد منفذين لها.

وقبل أن يحظى اضطراب ما بعد الصدمة الناتج عن الحروب والندوب النفسية باعتراف رسمي، تعرّض هؤلاء الرجال لأقسى أشكال الإساءة عند عودتهم إلى المجتمع.

ولا يمكن لأي اعتذار أو وعود متأخرة بـ«تصحيح الخطأ» أن تمحو ما عانوه.

واليوم، يرتكب اليسار الخطأ ذاته تماماً، حين يجعل من الضباط المكلفين بتطبيق قوانين الهجرة الأمريكية أهدافاً لغضبه وسخطه في غير موضعهما.

كيف وصلت بنا الحال إلى تكرار التاريخ، ليس فقط في ساحات الاحتجاج، بل داخل مجتمعاتنا المحلية أيضاً؟

ولدي مثال شخصي على ذلك، ففي مارس الماضي، خاضت زوجتي، التي تعمل محامية لدى وزارة الأمن الداخلي، انتخابات لشغل مقعد جزئي غير حزبي في مجلس إدارة القرية التي نعيش فيها شمال ولاية نيويورك.

لكن بعض السكان سارعوا إلى كشف طبيعة عملها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وشنوا حملة علنية ضد ترشحها لهذا السبب وحده، وزعموا أنها غير مؤهلة للمنصب بسبب صلتها القانونية بأوامر الاحتجاز الصادرة عن «ICE».

بل إن أحد رواد المقاهي المحلية أخبرني أن مجرد انتمائها إلى وكالة يراها بغيضة يمثل “وصمة عار”.

ووصل الأمر إلى حد اضطرار عائلتنا إلى تبديل السيارات يومياً لتجنب المحتجين الذين كانوا يتجمعون أمام مقر عملها، نعم، لقد كنا نخشى بالفعل على سلامتها وسلامة زملائها، هذا أمر خاطئ، ويتعارض بعمق مع القيم الأمريكية.

ولحسن الحظ، أدرك الناخبون في قريتنا الجميلة، التي تُعد موطناً لكثير من العاملين في أكاديمية ويست بوينت، حقيقة هذه الحملة المنظمة من التهويل والتشويه، ومنحوها أصواتهم رغم كل الاتهامات.

ومع ذلك، ما زالت المغالطة ذاتها حية ومتجددة: تحميل المنفذين مسؤولية السياسات.

في الجمهورية السليمة، يمكن للمواطنين أن يختلفوا بشدة حول السياسات العامة، لكن عليهم أن يميزوا بين خلافاتهم السياسية أو الأخلاقية وبين الموظفين الحكوميين المكلفين بتنفيذ القوانين.

لقد استغرق إدراكنا حجم الظلم الذي تعرض له قدامى محاربي فيتنام سنوات طويلة، وأعتقد أن الرجال والنساء الذين يعملون اليوم في وكالة «ICE» يستحقون اعتذاراً وطنياً مماثلاً.

*جيمس أ. جاليانو: عميل إشرافي متقاعد في مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ومحلل في شبكة فوكس نيوز.

نقلاً عن نيويورك بوست