منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ذوبان الجليد يحاصرهم.. نزوح متكرر لآلاف الباكستانيين بسبب أزمات المناخ

10 مايو 2026
نزوح متكرر في باكستان نتيجة الفيضانات
نزوح متكرر في باكستان نتيجة الفيضانات

في شمال باكستان، حيث تمتد جبال كاراكورام والهيمالايا وهندو كوش، لم تعد الأنهار الجليدية مجرد مظهر طبيعي خلاب، بل تحولت في نظر كثير من السكان إلى مصدر تهديد دائم، ففي مقاطعة غيلغيت-بالتستان ذات الحكم الذاتي، تتزايد مخاطر الفيضانات المفاجئة الناتجة عن ذوبان الجليد وتكوّن البحيرات الجليدية، ما يدفع آلاف العائلات إلى النزوح أو العيش في حالة استعداد مستمر للهروب.

وتعد باكستان من أكثر الدول تعرضًا لتداعيات تغير المناخ، رغم أنها لا تسهم إلا بنسبة ضئيلة جدًا من الانبعاثات العالمية، وتشير تقديرات دولية إلى أن مساهمة باكستان في الانبعاثات العالمية لا تتجاوز غالبًا أقل من 1%، في حين تواجه البلاد فيضانات كارثية، وموجات حر، وانهيارات أرضية، وجفافًا، وذوبانًا متسارعًا للأنهار الجليدية، هذه المفارقة أصبحت رمزًا لما تصفه إسلام آباد ومنظمات دولية بـ“الظلم المناخي”؛ دول تدفع الثمن الأكبر لأزمة لم تكن سببًا رئيسيًا فيها.

خط المواجهة الأول

تقع غيلغيت-بالتستان في أقصى شمال باكستان، وتضم بعضًا من أعلى الجبال في العالم، إلى جانب آلاف الأنهار الجليدية، ووفق بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أدت درجات الحرارة المرتفعة إلى تسارع ذوبان الجليد في شمال باكستان، ما ساهم في تكوين أكثر من 3,000 بحيرة جليدية في غيلغيت-بالتستان وخيبر بختونخوا، بينها 33 بحيرة مصنفة على أنها شديدة الخطورة ومعرضة لفيضانات انفجار البحيرات الجليدية.

وتحدث فيضانات انفجار البحيرات الجليدية عندما تتجمع المياه الناتجة عن ذوبان الجليد خلف سدود طبيعية هشة من الصخور والطمي والجليد، ثم تنهار فجأة، مطلقة كميات هائلة من المياه والطين والصخور نحو القرى والطرق والحقول، وغالبًا ما تحدث الكارثة خلال دقائق، ما يجعل الإخلاء صعبًا إذا لم تكن هناك أنظمة إنذار مبكر فعالة.

وفي مناطق كثيرة من غيلغيت-بالتستان، يعيش السكان على ضفاف أودية ضيقة أسفل الجبال والأنهار الجليدية، ومع ارتفاع درجات الحرارة، تتضخم البحيرات الجليدية أعلى الجبال، وتصبح القرى الواقعة أسفلها عرضة لفيضانات خاطفة.

وتقول الأمم المتحدة إن هذه الفيضانات تهدد الأرواح وسبل العيش والمساكن في شمال باكستان، ولذلك ينفذ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالشراكة مع وزارة المناخ الباكستانية، مشروعًا لتقليل مخاطر هذه الفيضانات في 24 واديًا عبر عشر مناطق في غيلغيت-بالتستان وخمس مناطق في خيبر بختونخوا.

موجات أمطار موسمية

خلال صيف 2025، شهدت باكستان موجات أمطار موسمية وذوبانًا جليديًا متسارعًا، وذكرت تقارير دولية أن الفيضانات والانهيارات في المناطق الجبلية، خاصة غيلغيت-بالتستان، تسببت في وفيات وإصابات وتدمير طرق وأراضٍ زراعية وتعطيل الكهرباء ومياه الشرب، وسط تحذيرات من تكرار سيناريو فيضانات 2022 الكارثية.

وفي أغسطس 2025، تشكلت بحيرة بطول نحو 7 كيلومترات في غيلغيت-بالتستان بعد انهيار طيني سد مجرى نهر غيزر، ما دفع السلطات إلى التحذير من خطر فيضان كارثي محتمل على مناطق المصب مثل غيزر وغيلغيت وأستور وديامر، وتم إجلاء نحو 200 شخص بفضل إنذار مبكر محلي، بينما ظل خطر الفيضانات قائمًا حتى تصريف المياه وإزالة الانسداد.

ويُستخدم تعبير “لاجئي المناخ” إعلاميًا لوصف الأشخاص الذين يضطرون إلى ترك منازلهم بسبب الكوارث المناخية، لكن القانون الدولي لا يمنحهم وضع “لاجئ” بالمعنى القانوني التقليدي، لأن اتفاقية اللاجئين ترتبط بالاضطهاد لا بالكوارث البيئية، لذلك يُصنف كثير من المتضررين في باكستان كـ”نازحين داخليًا” إذا انتقلوا داخل حدود البلاد.

وتظهر ضخامة الأزمة في فيضانات 2022، عندما غمرت المياه مساحات واسعة من باكستان، وأثرت على نحو 33 مليون شخص، وتسببت في مقتل أكثر من 1,700 شخص وفق تقديرات متداولة في التقارير الدولية، كما تشير دراسات حديثة إلى أن فيضانات صيف 2022 أدت إلى نزوح نحو 7 ملايين شخص في إقليم السند وحده.

وفي 2025، عادت الفيضانات لتضرب مناطق واسعة، ففي إقليم البنجاب شرقي البلاد، ذكرت وكالة أسوشيتد برس أن الفيضانات أجبرت أكثر من 1.8 مليون شخص على النزوح، وأثرت على أكثر من 3.8 مليون، في أسوأ كارثة فيضانات تشهدها البلاد منذ 2022.

بلد قليل الانبعاثات

تضع أزمة باكستان سؤال العدالة المناخية في قلب النقاش الدولي؛ فالبلاد ليست من كبار الملوثين تاريخيًا، لكنها تواجه آثارًا ضخمة لتغير المناخ: ارتفاع حرارة، ذوبان جليدي، فيضانات موسمية، موجات جفاف، وانعدام أمن غذائي ومائي، وتؤكد تقارير أممية أن الاحتباس الحراري يسرّع ذوبان الجليد في شمال باكستان ويزيد مخاطر فيضانات البحيرات الجليدية.

وفي مؤتمر المناخ وبعد فيضانات 2022، طالبت باكستان مرارًا بتمويل دولي عادل لمواجهة الخسائر والأضرار، معتبرة أن الدول الأكثر تضررًا تحتاج دعمًا لا يقتصر على الإغاثة الفورية، بل يشمل التكيف، إعادة الإعمار، وأنظمة الإنذار المبكر، وحماية المجتمعات الجبلية المعرضة للخطر.

لا يواجه سكان غيلغيت-بالتستان خطر الفيضانات فقط، بل يواجهون سلسلة مترابطة من الأزمات، فالفيضان قد يدمر جسرًا أو طريقًا وحيدًا يربط قرية بالعالم الخارجي، أو يجرف قنوات الري، أو يدفن الحقول تحت الطمي والصخور، أو يقطع الوصول إلى المدارس والمراكز الصحية، وفي مناطق تعتمد على الزراعة الصغيرة والسياحة والرعي، يمكن لكارثة واحدة أن تدفع عائلة كاملة إلى النزوح الطويل.

وتشير برامج التكيف المناخي في شمال باكستان إلى الحاجة إلى بناء حواجز وممرات تصريف، وتركيب أجهزة قياس ومراقبة، وتطوير أنظمة إنذار مبكر، وتدريب المجتمعات المحلية على الإخلاء، ويقول برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن مشروع الحد من مخاطر فيضانات البحيرات الجليدية يهدف إلى تعزيز قدرة السكان على الصمود في المناطق المعرضة للخطر.

النساء والأطفال الأكثر هشاشة

كما هي الحال في كثير من الكوارث المناخية، تتحمل النساء والأطفال وكبار السن العبء الأكبر عند النزوح، فالنساء قد يفقدن الخصوصية والحماية في مراكز الإيواء، وقد تتعطل خدمات الصحة الإنجابية، بينما يواجه الأطفال انقطاع التعليم وسوء التغذية والأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة، وتزداد المخاطر في المناطق الجبلية المعزولة، حيث يصعب وصول الإغاثة بسرعة بعد انهيار الطرق والجسور.

ما يحدث في غيلغيت-بالتستان ليس أزمة محلية فقط؛ فالأنهار الجليدية في شمال باكستان تغذي أنظمة نهرية حيوية، وعلى رأسها نهر السند، الذي تعتمد عليه الزراعة ومياه الشرب والطاقة في البلاد، لذلك فإن ذوبان الجليد المتسارع يخلق خطرًا مزدوجًا؛ فيضانات مدمرة على المدى القصير، وتهديدًا طويل الأمد للأمن المائي عندما تتراجع الكتل الجليدية وينخفض المخزون الطبيعي للمياه.

ويرى خبراء المناخ أن هذه المناطق الجبلية أصبحت مختبرًا حيًا لمستقبل أكثر قسوة، حيث لا تأتي الكارثة من حدث واحد فقط، بل من تكرار الفيضانات والانهيارات وموجات الحر وتآكل سبل العيش، ما يدفع الناس تدريجيًا إلى الهجرة الداخلية.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية