منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

دعوى قضائية تتحدى عقوبات ترامب على “الجنائية الدولية” وتعيد الجدل حول حرية التعبير

15 يوليو 2026
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

دخلت المواجهة بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمحكمة الجنائية الدولية مرحلة جديدة، بعدما رفعت منظمتان أمريكيتان مدافعتان عن حقوق الإنسان دعوى قضائية تطعن في العقوبات التي فرضتها الإدارة على قضاة ومسؤولي المحكمة، معتبرتين أن هذه الإجراءات تنتهك الضمانات الدستورية المتعلقة بحرية التعبير، وتفرض قيوداً على عمل المنظمات الحقوقية والمتعاونين مع المحكمة.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تُصعّد فيه واشنطن ضغوطها السياسية والدبلوماسية على المحكمة، في تطور يثير جدلاً واسعاً بشأن استقلال القضاء الدولي وحدود صلاحيات الإدارة الأمريكية في استخدام العقوبات ضد المؤسسات القضائية الدولية.

وذكرت وكالة رويترز أن منظمة الديمقراطية الآن للعالم العربي وتحالف دافعي الضرائب ضد الإبادة الجماعية تقدما بالدعوى أمام محكمة اتحادية في نيويورك، مطالبين بإلغاء الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب في فبراير 2025، والذي فرض بموجبه عقوبات على عدد من قضاة ومدعي المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب جهات حقوقية تعاونت مع المحكمة في ملفات تتعلق بالتحقيق في جرائم حرب محتملة خلال الحرب في قطاع غزة.

اعتراض على العقوبات

ترى المنظمتان أن العقوبات الأمريكية تجاوزت إطار السياسة الخارجية لتطول الحقوق الدستورية داخل الولايات المتحدة، إذ تؤكدان أن الأمر التنفيذي خلق مناخاً من الخوف لدى المؤسسات الحقوقية والأفراد الراغبين في التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، خشية التعرض لعقوبات مالية أو ملاحقات قانونية.

وأوضحت الدعوى أن المنظمتين امتنعتا عن تقديم مذكرات قانونية إلى المحكمة أو تنسيق أنشطتهما مع أشخاص شملتهم العقوبات الأمريكية، منهم فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بسبب المخاوف من التعرض لغرامات أو عقوبات جنائية قد تصل إلى السجن.

حرية التعبير في صلب النزاع

وقال عمر شاكر، المدير التنفيذي لمنظمة الديمقراطية الآن للعالم العربي، إن الإدارة الأمريكية تستخدم نظام العقوبات الاقتصادية بطريقة تؤثر في حرية التعبير والعمل الحقوقي داخل الولايات المتحدة، معتبراً أن الإجراءات الحالية لا تستهدف فقط المسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية، وإنما تمتد آثارها إلى المنظمات الحقوقية والأفراد الذين يسعون إلى التواصل مع المحكمة أو تقديم معلومات إليها.

وتستند الدعوى إلى التعديل الأول للدستور الأمريكي الذي يحمي حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات، وترى أن العقوبات المفروضة تفرض قيوداً غير دستورية على النشاط الحقوقي والتواصل القانوني مع مؤسسة قضائية دولية.

واشنطن تتمسك بموقفها

تواصل إدارة ترامب الدفاع عن موقفها الرافض لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالنظر في أي قضايا تتعلق بالمواطنين الأمريكيين أو أفراد القوات المسلحة الأمريكية.

وأكدت الإدارة هذا الأسبوع أن المحكمة تمثل، من وجهة نظرها، تهديداً للسيادة الأمريكية، كما أعلنت عزمها توسيع العقوبات لتشمل فرض قيود على دخول موظفي المحكمة إلى الولايات المتحدة، إلى جانب مواصلة الضغوط الدبلوماسية ضدها.

ويستند هذا الموقف إلى رؤية تتبناها الإدارات الأمريكية المتعاقبة بدرجات متفاوتة، تقوم على رفض خضوع الولايات المتحدة لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية، لكون واشنطن ليست طرفاً في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة.

سوابق قانونية

لا تمثل هذه المواجهة القضائية سابقة في العلاقة بين ترامب والمحكمة الجنائية الدولية. فقد أصدر الرئيس الأمريكي خلال ولايته الأولى عام 2020 أمراً تنفيذياً مماثلاً استهدف مسؤولي المحكمة، إلا أن قاضياً اتحادياً أوقف تنفيذه بعدما رأى أن القرار قد ينتهك التعديل الأول للدستور الأمريكي، وبعد وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض، ألغت إدارته تلك العقوبات في عام 2021.

وفي المقابل، رفعت ثلاث قاضيات في المحكمة الجنائية الدولية دعاوى منفصلة ضد إدارة ترامب للطعن في العقوبات الجديدة، في مؤشر على اتساع نطاق المواجهة القانونية بين الطرفين.

دعم أوروبي للمحكمة

أثار التصعيد الأمريكي ردود فعل أوروبية داعمة للمحكمة الجنائية الدولية، وجدد الاتحاد الأوروبي تأكيد دعمه الكامل لاستقلال المحكمة، مشدداً على أهمية تمكينها من أداء مهامها بعيداً عن الضغوط السياسية.

وقال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية أنور العنوني إن أي تهديدات أو ضغوط تستهدف المحكمة أو قضاتها أو موظفيها أو المتعاونين معها تمثل أمراً غير مقبول، مؤكداً أن المحكمة لا تستهدف سيادة الدول، وإنما تمارس اختصاصاتها وفقاً للقانون الدولي ونظامها الأساسي.

كما أعربت وزارة الخارجية الهولندية عن قلقها من تصاعد لهجة الإدارة الأمريكية تجاه المحكمة، مؤكدة ضرورة تمكين المؤسسات القضائية الدولية المستقلة من أداء مهامها دون تدخل أو ضغوط خارجية، باعتبار ذلك أحد المبادئ الأساسية للنظام القانوني الدولي.

وقد تأسست المحكمة الجنائية الدولية عام 2002 بموجب نظام روما الأساسي، وتتخذ من مدينة لاهاي الهولندية مقراً لها، وتختص بالنظر في أخطر الجرائم الدولية، ومنها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وجريمة العدوان.

ويبلغ عدد الدول الأطراف في نظام روما الأساسي أكثر من 120 دولة، في حين لا تنضم الولايات المتحدة إلى المحكمة، إذ ترفض الإدارات الأمريكية المتعاقبة الاعتراف باختصاصها على المواطنين الأمريكيين، وخلال السنوات الأخيرة، شهدت العلاقة بين واشنطن والمحكمة توترات متكررة بسبب التحقيقات المتعلقة بأفغانستان وفلسطين، في حين تؤكد الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد كبير من المنظمات الحقوقية الدولية أن استقلال المحكمة الجنائية الدولية يمثل ركناً أساسياً في منظومة العدالة الدولية، وأن حماية عملها تسهم في مكافحة الإفلات من العقاب وتعزيز المساءلة عن أخطر الجرائم التي تهدد السلم والأمن الدوليين.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print