منذ سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي عام 2011، دخلت ليبيا واحدة من أطول وأعقد المراحل الانتقالية في المنطقة العربية، فعلى مدار أكثر من 15 عاماً، شهدت البلاد 13 تعديلاً دستورياً على الإعلان الدستوري الصادر عام 2011، وتناوبت عليها حكومات ومجالس تشريعية متعددة، دون أن تنجح كل تلك الترتيبات في إنتاج دولة مستقرة أو مؤسسات موحدة أو انتخابات عامة تنهي حالة الانقسام السياسي.
وفي وقت تتجدد فيه الدعوات لإجراء استفتاء على مشروع الدستور الذي أعدته الهيئة التأسيسية المنتخبة، يبرز سؤال جوهري.. هل يمثل الدستور المخرج الحقيقي من الأزمة الليبية، أم إن المشكلة تتجاوز النصوص القانونية إلى صراع أعمق على السلطة والثروة والنفوذ؟
واعتمد المجلس الوطني الانتقالي الإعلان الدستوري المؤقت في أغسطس 2011 ليكون المرجعية القانونية للبلاد خلال المرحلة الانتقالية، إلا أن هذا الإعلان تعرض منذ ذلك الحين إلى 13 تعديلاً دستورياً، عكست في معظمها محاولات متكررة لمعالجة أزمات سياسية متلاحقة أو إعادة رسم خارطة الطريق بين المؤسسات المتنافسة.
ورغم العدد الكبير من التعديلات، لم ينجح أي منها في تحقيق الهدف الأساسي المتمثل في بناء مؤسسات مستقرة وإنهاء الانقسام السياسي، ويرى مراقبون أن كثرة التعديلات تحولت إلى انعكاس مباشر لحالة عدم الاستقرار، حيث كانت كل أزمة سياسية تنتج تعديلاً جديداً بدلاً من الوصول إلى تسوية دستورية شاملة ودائمة.
ليبيا وتعثر الانتخابات
وخلال السنوات الماضية تعثرت عدة مبادرات لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، كان أبرزها الانتخابات التي كانت مقررة في ديسمبر 2021، والتي أُلغيت قبل أيام من موعدها بسبب الخلافات القانونية والدستورية حول شروط الترشح وصلاحيات المؤسسات القائمة.
وعام 2014 انتخب الليبيون هيئة تأسيسية لصياغة مشروع الدستور، ضمت 60 عضواً يمثلون مختلف المناطق الليبية، وبعد سنوات من النقاشات والخلافات، أقرت الهيئة مشروع الدستور عام 2017 وأحالته إلى الجهات المختصة تمهيداً للاستفتاء الشعبي عليه، إلا أن المشروع ظل معلقاً لسنوات بسبب الخلافات السياسية والقانونية، فضلاً عن الطعون القضائية والاعتراضات التي قدمتها بعض القوى السياسية والاجتماعية التي اعتبرت أن المشروع لا يعبر بصورة كافية عن جميع المكونات الليبية، وظلت هذه المعضلة تتصدر المشهد السياسي الليبي منذ سنوات وحتى الآن.
ويرى أنصار الاستفتاء أن إقرار دستور دائم يجب أن يسبق أي انتخابات، باعتباره الضامن لوجود قواعد دستورية مستقرة تنظم العملية السياسية وتحدد صلاحيات المؤسسات المنتخبة، في حين تدعو أطراف سياسية أخرى إلى إجراء الانتخابات أولاً ثم استكمال المسار الدستوري لاحقاً، معتبرة أن استمرار المؤسسات الحالية دون تجديد شرعيتها يمثل جوهر الأزمة، وأن انتظار التوافق الكامل على الدستور قد يطيل المرحلة الانتقالية إلى أجل غير معلوم.
ولا يرتبط تعثر الدستور الليبي فقط بالخلافات القانونية، بل يتداخل مع شبكة معقدة من المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية، حيث تعيش البلاد منذ سنوات حالة انقسام بين مؤسسات متنافسة في الشرق والغرب، إلى جانب وجود تشكيلات مسلحة وقوى محلية وإقليمية ودولية تمتلك تأثيراً مباشراً في المشهد السياسي.
وظلت العديد من القضايا الجوهرية محل خلاف حاد، أبرزها شكل الدولة، وطبيعة النظام السياسي، وتوزيع الموارد النفطية، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وآليات ضمان تمثيل المكونات الثقافية المختلفة، إذ يتطلب استقرار البلاد معالجة ملفات أخرى لا تقل أهمية، منها توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وإنهاء الانقسام الحكومي، وضمان الإدارة العادلة للموارد النفطية، وتعزيز استقلال القضاء، وبناء مؤسسات رقابية فاعلة.
بعد أكثر من عقد ونصف من التغيير السياسي، تبدو ليبيا عالقة في دائرة انتقالية مفتوحة لم تستطع التعديلات الدستورية المتلاحقة إنهاءها، حيث شهدت 13 تعديلاً دستورياً دون استقرار، ما يعكس أن التحدي الأكبر قد لا يتمثل في صياغة الدستور وحده، بل القدرة على بناء الإرادة السياسية القادرة على تطبيقه.
مساران متكاملان بينهما إرادة
في البداية، قال القانوني والحقوقي الليبي وأحد مشايخ وأعيان قبيلة ورفلة، موسى علي الغويل، إن مشروع الدستور الذي أنجزته الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور يمثل إحدى أهم المحطات الوطنية في مسار بناء الدولة الليبية الحديثة، باعتباره نتاج هيئة منتخبة مباشرة من الشعب الليبي، جرى انتخابها في فبراير 2014 تنفيذاً لأحكام الإعلان الدستوري، وأسندت إليها مهمة إعداد دستور دائم يؤسس لدولة القانون والمؤسسات وينهي المرحلة الانتقالية التي أعقبت أحداث عام 2011.
وأضاف الغويل، في حديث لـ”صفر”، أن الهيئة التأسيسية تمكنت بعد سنوات من المناقشات والحوارات المجتمعية وأعمال اللجان الفنية من اعتماد مشروع الدستور في يوليو 2017 بالأغلبية المقررة قانوناً، ليصبح أول مشروع دستور دائم يُنجز عبر هيئة منتخبة في تاريخ ليبيا المعاصر، إلا أنه لم يُعرض حتى اليوم على الاستفتاء الشعبي رغم طرح العديد من المبادرات والمقترحات الهادفة إلى معالجة الإشكالات القانونية والسياسية المرتبطة به.
وأوضح أن الاستفتاء على مشروع الدستور يمثل من الناحية القانونية والدستورية، خياراً مشروعاً ومهماً لإنهاء حالة الانتقال المؤقت التي استمرت لأكثر من خمسة عشر عاماً، لكنه شدد على أن نجاح هذا المسار يتطلب توافر بيئة سياسية ومؤسسية مناسبة تضمن قبول نتائجه واحترامها من مختلف الأطراف الوطنية.
وأشار إلى أن التجربة الليبية خلال السنوات الماضية أثبتت أن تعدد الترتيبات الانتقالية لم ينجح في تحقيق الاستقرار السياسي أو توحيد مؤسسات الدولة، لافتاً إلى أنه منذ صدور الإعلان الدستوري المؤقت في أغسطس 2011 شهدت البلاد أكثر من 13 تعديلاً دستورياً، وتعاقبت عليها مؤسسات سياسية متعددة دون التوصل إلى تسوية دستورية دائمة أو إجراء انتخابات عامة مستقرة تنهي حالة الانقسام.
وأكد الغويل أن الذهاب إلى الانتخابات، سواء كانت رئاسية أو برلمانية، يظل استحقاقاً وطنياً مهماً؛ إلا أن نجاحه يرتبط بوجود حد أدنى من التوافق الوطني، إلى جانب توحيد المؤسسات السيادية والتنفيذية والأمنية، ما يضمن أن تكون نتائج الانتخابات قابلة للتنفيذ وتحظى بالقبول العام، وألا تتحول إلى سبب جديد للخلاف والانقسام كما حدث في محطات سابقة.
ورأى أن المفاضلة بين الاستفتاء على الدستور والانتخابات ينبغي ألا تكون محل تنافس أو استقطاب سياسي، بل يجب النظر إليهما باعتبارهما مسارين متكاملين ضمن رؤية وطنية شاملة تهدف إلى بناء دولة مستقرة تقوم على الشرعية الدستورية والمؤسسات الموحدة، موضحاً أن الدستور يمثل الإطار المنظم للسلطات والعلاقة بينها، في حين تمثل الانتخابات الآلية الديمقراطية لاختيار من يتولى إدارة تلك السلطات.
واختتم الغويل حديثه: “التحدي الحقيقي الذي يواجه ليبيا اليوم لا يكمن في اختيار أي المسارين أقرب زمنياً، بل في تهيئة الظروف اللازمة لإنجاح أي استحقاق وطني من خلال توحيد مؤسسات الدولة، وتعزيز الثقة بين الأطراف السياسية، وإنهاء حالة الانقسام المؤسسي، وترسيخ مبدأ الاحتكام إلى إرادة الشعب باعتبارها المصدر الحقيقي للشرعية؛ لأن أي استحقاق وطني سواء كان استفتاء على الدستور أو انتخابات عامة، يجب أن يبنى على أرضية من التوافق الوطني وتوحيد مؤسسات الدولة”.
احتمالية نشوب صراعات
بدوره، قال رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان بليبيا، الدكتور عبدالمنعم الحر، إن الاستفتاء على مشروع الدستور قد يمثل من الناحية الإجرائية خطوة نحو إنهاء المرحلة الانتقالية الممتدة منذ سنوات، إلا أنه لا يضمن بالضرورة تحقيق الاستقرار السياسي، بل قد يفتح الباب أمام صراعات جديدة تتعلق بشرعية الدستور نفسه إذا لم يسبقه توافق وطني واسع بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية.
وأضاف الحر، في حديث لـ”صفر”، أن الأزمة الليبية ليست أزمة نصوص دستورية فحسب، وإنما أزمة توافق سياسي وإرادة وطنية قادرة على احترام مخرجات أي استحقاق دستوري أو انتخابي، مشيراً إلى أن أي دستور مهما بلغت جودته القانونية، سيواجه تحديات كبيرة إذا لم يحظ بقبول واسع من مختلف الأطراف الفاعلة في المشهد الليبي.
وأوضح أن المؤشرات الحالية على الأرض توحي بأن خيار الانتخابات، ولا سيما البرلمانية، يبدو أكثر واقعية وقرباً من التنفيذ مقارنة بمسار الاستفتاء على الدستور، لافتاً إلى وجود رغبة شعبية واسعة في تجديد الشرعيات السياسية القائمة عبر صناديق الاقتراع، بعد سنوات طويلة من استمرار المؤسسات الحالية دون تجديد مباشر لتفويضها الشعبي.
وأشار إلى أن جزءاً كبيراً من الرأي العام الليبي ينظر إلى الانتخابات باعتبارها وسيلة لإنهاء حالة الجمود السياسي وإعادة تشكيل المؤسسات الشرعية، في حين يرى البعض أن الاستفتاء على الدستور قد يؤدي عملياً إلى إطالة عمر الكيانات السياسية القائمة إلى حين استكمال المراحل اللاحقة من العملية الدستورية.
ولفت الحر إلى أن تنظيم استفتاء دستوري يتطلب جملة من الشروط والإجراءات القانونية والفنية، منها إصدار قانون خاص للاستفتاء، وتوفير بيئة أمنية مستقرة، وضمان قدرة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات على إدارة العملية بكفاءة وحياد، وهي تحديات لا تزال قائمة في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تشهده البلاد.
وفيما يتعلق بالموقف الدولي، أوضح الحر أن الاتجاه السائد لدى العديد من الأطراف الدولية المعنية بالملف الليبي يميل حالياً إلى الدفع نحو التوافق على قاعدة دستورية مؤقتة تتيح إجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن، باعتباره حلاً وسطاً يمكن أن يسهم في كسر حالة الجمود السياسي، بدلاً من الدخول في مسار دستوري طويل ومعقد قد يستغرق سنوات إضافية قبل الوصول إلى نتائج نهائية.
وأكد الحر أن ليبيا بحاجة اليوم إلى خارطة طريق واقعية وقابلة للتنفيذ، توازن بين ضرورة بناء شرعية دستورية مستقرة وبين الحاجة الملحة إلى تجديد المؤسسات السياسية عبر انتخابات حرة ونزيهة، ما يضمن انتقال البلاد من حالة الانقسام والمرحلة الانتقالية المفتوحة إلى مرحلة الاستقرار وبناء الدولة.

