أثار تصديق البرلمان الإيطالي على نشر عناصر من الحرس المالي الإيطالي في تونس، ضمن مهمة دعم وتدريب للحرس البحري، جدلاً سياسياً وحقوقياً في تونس، وسط مخاوف من توسع الدور الأوروبي في إدارة الهجرة من خارج حدوده، وتحويل الشواطئ التونسية إلى خط مراقبة متقدم للحدود الأوروبية.
وأعاد قرار البرلمان الإيطالي بالموافقة على نشر عناصر أمنية في تونس ملف التعاون الأمني في مجال الهجرة إلى واجهة النقاش السياسي والحقوقي، بعدما اعتبره معارضون ونشطاء حقوقيون خطوة تمس السيادة التونسية وتكرس ما يوصف بـ”أمننة” ملف الهجرة في جنوب المتوسط.
وبحسب الوثيقة التي عرضت على البرلمان الإيطالي، تتعلق المهمة بنشر نحو 22 عنصرا من الحرس المالي الإيطالي في تونس، إلى جانب معدات ووسائل برية، بهدف تقديم الدعم والتدريب والتأهيل لفائدة الحرس البحري التونسي، وتعزيز قدراته في مراقبة الحدود البحرية ومكافحة الهجرة غير النظامية.
ويأتي القرار في سياق تعاون أوسع بين تونس وإيطاليا والاتحاد الأوروبي حول ملف الهجرة، خاصة بعد مذكرة التفاهم الموقّعة بين الاتحاد الأوروبي وتونس في يوليو 2023، والتي شملت خمسة محاور من بينها الهجرة والتنقل، إلى جانب الاقتصاد والطاقة والتعاون بين الشعوب. وتؤكد المفوضية الأوروبية أن هذه الشراكة تشمل دعم تونس في إدارة الهجرة ومراقبة الحدود ومكافحة التهريب.
مذكرة 2023 تحت المجهر
أعلنت المفوضية الأوروبية في سبتمبر 2023 عن حزمة دعم لتونس بقيمة تقارب 127 مليون يورو، منها 60 مليون يورو دعما للميزانية، ونحو 67 مليون يورو كمساعدة تشغيلية في ملف الهجرة، تنفيذا لمذكرة التفاهم بين الجانبين.
وتشير المفوضية إلى أن المذكرة تقدم إطارا شاملا للتعاون مع تونس، يشمل الاستقرار الاقتصادي، والتجارة، والطاقة، والتعاون بين الشعوب، والهجرة والتنقل.
غير أن منظمات حقوقية ومراقبين يرون أن ملف الهجرة ظل المحور الأكثر حساسية، لأنه يرتبط بدعم قدرات المراقبة البحرية والحدودية ومنع المغادرة.
وفي هذا السياق، نشر ائتلاف حقوقي إيطالي بقيادة جمعية الدراسات القانونية حول الهجرة ASGI ورقة تتبع للتمويل الإيطالي الموجه إلى تونس، قالت إن برامج الدعم بين 2017 و2026 شملت تمويلات ومشروعات لتقوية أجهزة مراقبة الحدود، من خلال تجهيز وتدريب السلطات التونسية في مجال إدارة الحدود والهجرة ومكافحة التهريب والإنقاذ البحري.
مخاوف تونسية من السيادة
اعتبر المرصد التونسي لحقوق الإنسان أن مذكرة التفاهم التونسية الإيطالية الموقعة في يوليو 2023 لم تُنشر بالكامل للرأي العام التونسي، مشيرا إلى أن غياب الشفافية يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة الالتزامات التي قبلت بها تونس.
وأضاف المرصد أن من بين البنود المثيرة للقلق مسألة استعمال الفضاء التونسي، براً أو بحراً أو جواً، في مقاومة الهجرة غير النظامية، معتبراً أن ذلك قد يخلق إشكالا سيادياً إذا سمح بوجود أو عمل أمني أجنبي داخل الأراضي أو المياه الإقليمية التونسية.
وعبر المرصد عن رفضه وجود أطراف أجنبية في المياه الإقليمية أو الأراضي التونسية، مع تأكيده دعم التعاون في ملف الهجرة إذا كان يهدف إلى تحويل الهجرة غير النظامية إلى هجرة منظمة، لا إلى جعل تونس مجرد حارس حدود لأوروبا.
الهجرة بين الأمن والحقوق
تتعرض تونس منذ سنوات لضغوط أوروبية متزايدة للحد من انطلاق قوارب الهجرة غير النظامية نحو السواحل الإيطالية، خصوصا جزيرة لامبيدوزا.
وفي المقابل، تؤكد منظمات حقوقية أن التركيز الأوروبي على ضبط الحدود لا يجب أن يحجب حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء، أو يدفع إلى انتهاكات على الأراضي التونسية.
وتشير تحليلات حقوقية وأكاديمية إلى أن مذكرة الاتحاد الأوروبي مع تونس تمثل نموذجا لما يسمى “إسناد إدارة الحدود إلى الخارج”، حيث تقدم أوروبا التمويل والتجهيز والتدريب لدول العبور، مقابل تقليل تدفقات الهجرة قبل وصولها إلى الحدود الأوروبية.
وتصف منصة TIMEP مذكرة الاتحاد الأوروبي وتونس بأنها “نموذج للتعاون في الهجرة”، لكنها تربطها بزيادة قدرات مراقبة الحدود ومكافحة المغادرة غير النظامية.
كما انتقد المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين ECRE الاتفاق الأوروبي التونسي منذ توقيعه، معتبرا أن جزءا مهما من التمويل مخصص لإدارة الهجرة ودعم خفر السواحل وتعزيز الحدود، وسط مخاوف من تدهور أوضاع المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء في تونس.
صمت رسمي وأسئلة معلقة
حتى الآن، يظل الجدل الأساسي في تونس مرتبطا بغياب توضيح رسمي مفصل حول طبيعة المهمة الإيطالية وحدودها، وما إذا كانت تتعلق بتدريب داخل مؤسسات تونسية، أو بوجود ميداني، أو باستخدام معدات ومعلومات مشتركة في عمليات مراقبة الحدود البحرية.
ويقول حقوقيون إن المشكلة لا تكمن في التعاون الأمني بحد ذاته، بل في غياب الشفافية والرقابة الديمقراطية، خاصة عندما يتعلق الأمر بملف شديد الحساسية يمس السيادة الوطنية وحقوق المهاجرين في الوقت نفسه.
كما يطرح القرار سؤالا أوسع؛ هل تتحول تونس إلى شريك في إدارة الهجرة ضمن رؤية وطنية واضحة، أم إلى نقطة تنفيذ متقدمة لسياسات أوروبية هدفها الأساسي منع الوصول إلى الشواطئ الأوروبية؟

