منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أمام مجلس حقوق الإنسان بدورته الـ62

تقرير أممي يكشف فوضى إحصائية وتواطؤاً هيكلياً يغذي الإفلات من العقاب في كولومبيا

18 يونيو 2026
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة

تتبدد الوعود القانونية في كولومبيا أمام موجات متصاعدة من العنف القاتل، والتمييز الهيكلي، والإفلات المستمر من العقاب، لتكشف فجوة عميقة ومقلقة بين أطر دستورية متقدمة وواقع معيشي مرير يعصف بالأشخاص المتنوعين جنسانياً، ما يضع الالتزامات الحقوقية للدولة على محك الاختبار الفعلي في ظل غياب آليات التنفيذ المتوازنة إقليمياً والمؤشرات القائمة على النتائج.

وفي هذا السياق، يستعرض التقرير الحقوقي الصادر حول كولومبيا تقييم الخبير المستقل غرايمي ريد، استناداً إلى وثيقة الأمم المتحدة عام 2026، والمقدمة في الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان.

ويواجه الأشخاص المتنوعون جنسانياً، ولا سيما النساء مغايرات الهوية الجنسانية في كولومبيا، مخاطر حادة ومرتفعة للغاية من جرائم القتل المستندة إلى الأحكام المسبقة والعنف الجنسي الممنهج.

وعلى الرغم من امتلاك البلاد لأحد أكثر الأطر الدستورية والسياساتية تقدماً في المنطقة بأسرها، مستنداً إلى الركائز الصلبة لدستور عام 1991 وجملة الأحكام المتقدمة الصادرة عن المحكمة الدستورية بوصفها مرجعاً قضائياً، فإن الواقع المعيشي يشهد تناقضاً صارخاً وفجوة عميقة تفصل بين الوعود النظرية والممارسات الاجتماعية اليومية.

ويتجلى هذا التفاوت في أشد صوره قتامة من خلال استمرار الاغتيالات؛ فخلال الزيارة الرسمية للخبير المستقل في الفترة من 19 إلى 30 مايو 2025، وردت أنباء صادمة ومروعة عن اغتيال “ناوار خيمينيز”، وهي امرأة مغايرة جنسياً ومدافعة بارزة عن حقوق الإنسان، كانت تشارك بفعالية في مبادرة “نسج الكرامة” المشتركة بين هيئة الأمم المتحدة للمرأة ودائرة الولاية القضائية الخاصة من أجل السلام في منطقة إل كارمن دي بوليفار.

يبرز هذا الاغتيال الوحشي الحاجة الدولية الملحة ليس فقط لتدابير حماية فورية، بل لضمان المساءلة الصارمة وإنهاء حالة الإفلات من العقاب على الجرائم العنيفة، وهو ما يشكل الإطار التحليلي المركزي للتقرير.

المدافعون والمدافعات عن حقوق الإنسان يواجهون مخاطر حادة ومتمايزة؛ إذ إن قيادتهم وبروزهم المجتمعي يعرضهم لشتى أنواع التهديدات، والمضايقات، والتهجير القسري، والقتل العمد على أيدي أطراف حكومية وغير حكومية.

وتظهر البيانات والتقارير الموثقة أن عمليات قتل المدافعين ترتبط ارتباطاً مباشراً بنشاطهم الحقوقي، وتتأثر بها النساء مغايرات الهوية والقادة المحليون بشكل غير متناسب، خصوصاً في البيئات الريفية والمناطق المتأثرة بالنزاعات المسلحة الداخلية المتعددة حيث تكون آليات الحماية متأخرة أو غائبة بالكامل.

علاوة على ذلك، يوثق التقرير فجوات إقليمية بالغة الوضوح؛ ففي المقاطعات الريفية مثل أنتيوكيا وفايي ديل كاوكا، يسجل العنف مستويات قياسية نتيجة لضعف وجود الدولة ونفوذ الجماعات الإجرامية والمسلحة.

وفي فايي ديل كاوكا تحديداً تتراكم العقبات أمام العدالة بسبب التأخير البيروقراطي في التحقيقات ومعاودة إيذاء الضحايا مؤسسياً، ما دفع لإنشاء فريق عمل مشترك في مايو 2025 لإصدار توجيهات ملزمة بشأن سلوك الشرطة وتحسين التنسيق الحقوقي.

تدابير ضمن خطة التنمية الوطنية

تُظهر كولومبيا التزاماً سياسياً رسمياً رفيع المستوى تمثل في إدراج تدابير ملموسة ضمن خطة التنمية الوطنية (2022-2026) لإنشاء آليات عابرة للمؤسسات تمنع العنف وتوفر المساعدة القانونية المجانية للضحايا وتدمج الحماية في خطط التنمية المحلية.

وتجسد هذا الالتزام في إنشاء وزارة المساواة والعدالة بموجب القانون رقم 2281 لعام 2023 لمعالجة عدم المساواة الهيكلية للمجموعات المهمشة.

ومع ذلك، واجهت هذه الخطوة انتكاسة كبرى عندما أصدرت المحكمة الدستورية في مايو 2024 حكمها الشهير C-161/24 الذي قضى بعدم دستورية قانون إنشاء الوزارة نتيجة غياب تحليل الأثر المالي الإلزامي، مع إرجاء أثر الإبطال حتى عام 2026 لضمان فترة انتقالية تسمح للحكومة والكونغرس بإعادة هيكلة الإدارة دون المساس باستمرارية السياسات العامة الموجهة للفئات المحمية دستورياً.

وفي تحرك سياساتي مهم، تمت الموافقة في مارس 2025 على وثيقة “كونبيس 4147” التي تمثل السياسة الوطنية لضمان حقوق السكان المتنوعين جنسانياً، وهي خارطة طريق استراتيجية ممتدة لـ 11 عاماً (2025-2035) بتكلفة تقديرية ضخمة تقارب 259.1 مليار بيزو كولومبي، وتلتزم بها 49 جهة حكومية (بينها 16 وزارة) لتنفيذ 162 إجراءً حاسماً عبر 26 قطاعاً.

ترتكز هذه السياسة الطموحة على أربعة أهداف استراتيجية رئيسية: أولاً، التحول الثقافي الشامل للحد من الوصم والتمييز، وثانياً، زيادة الوصول إلى الخدمات العامة والحماية الاجتماعية، وثالثاً، القضاء التام على العنف القائم على الأحكام المسبقة، ورابعاً، تعزيز التنسيق المؤسسي لإنتاج البيانات والمساءلة.

ورغم ذلك، تبدي منظمات المجتمع المدني مخاوف عميقة بشأن آليات التنفيذ الفعلي في ضوء المستقبل الإداري الغامض لوزارة المساواة. أما إقليمياً ومحلياً، فقد نجح بعض الحكومات المحلية في تصميم ممارسات جيدة كتقديم الدعم النفسي والقانوني والاجتماعي المباشر، ونشر “دوريات أرجوانية” لربط أفراد المجتمع بمسارات الرعاية.

ودولياً، اعتمدت كولومبيا رسمياً سياستها الخارجية النسوية القائمة على العدالة الاجتماعية والبيئية والسلام والتعليم في مارس 2026، كما أنها تتولى الرئاسة المشتركة لتحالف حقوق المساواة (المكون من 44 دولة)، وتنشط بوصفها عضواً بارزاً في المجموعات الأممية الأساسية لدعم وتجديد ولاية الخبير المستقل.

قصور البيانات والفجوات القطاعية

تعاني كولومبيا في الوقت الراهن من غياب نظام معلومات وطني موحد ومفعّل لتسجيل العنف والتمييز والإقصاء الذي يتعرض له الأشخاص المتنوعون جنسانياً، ما يحرم الدولة من خط أساس إحصائي وطني معزز وموحد.

وتقر وثيقة “كونبيس 4147” صراحة بأن هذا العجز التاريخي في البيانات الإحصائية يشكل العقبة التقنية الرئيسية أمام صياغة السياسات وتنفيذها بفعالية.

ورغم إدخال تعديلات على السجلات الداخلية في مكتب المدعي العام وتشكيل فريق عمل وطني للتحقيق في العنف القائم على الميل الجنسي والهوية الجنسانية، فضلاً عن إنشاء لجنة عمليات تركز على قضايا العابرين جندرياً في مايو 2024 لبناء حوار مع العائلات الاجتماعية للضحايا، فإن الإحصاءات المستخرجة على المستوى الوطني تظل محدودة ومجتزأة.

يظهر التناقض الصارخ عند مقارنة السجلات الرسمية ببيانات المجتمع المدني؛ إذ سجل مكتب أمين المظالم 65 جريمة قتل في 2023، و52 في 2024، و36 في أوائل 2025، في حين وثقت منظمة المجتمع المدني “كاريب أفيرماتيفو” 164 جريمة قتل في عام 2024 وحده، إلى جانب 689 حالة عنف جنسي مؤكدة.

وبالمقابل، يبرز المعهد الوطني للطب الشرعي والعلوم الجنائية بوصفه أكثر المصادر الوطنية تطوراً في إنتاج البيانات المنهجية؛ حيث كشفت سجلاته الطبية الشرعية لعام 2024 عن 105 حالات قتل مزعومة، و137 حالة انتحار مشتبهاً بها (وهي نسبة مرعبة تظل مخفية في السجلات الأخرى)، و932 حالة عنف بين الأشخاص أسفرت عن إصابات بدنية، و475 فحصاً طبياً شرعياً يتعلق بجرائم جنسية تشمل ضحايا متنوعين جنسانياً.

وفي قطاعات الصحة والتعليم وحماية الطفل، تتسع الفجوة البياناتية؛ فرغم قرار وزارة الصحة رقم 2138 لعام 2023 الذي يوجه لتفكيك البيانات حسب الهوية الجنسية والميل الجنسي، فإن ضعف القدرة المؤسسية يعوق التطبيق.

وفي التعليم، تكشف بيانات المجتمع المدني أن 64% من الأطفال المتنوعين جنسانياً يواجهون التمييز في المدارس، و67% لا يشعرون بالأمان، في حين تقر وزارة التربية بغياب قاعدة بيانات وطنية موثوقة وممنهجة حول التنمر المدرسي.

وبالمثل، يتجاهل معهد الرعاية العائلية الكولومبي تسجيل هذه المتغيرات إحصائياً، ما يحجب الأطفال المعرضين للعنف المنزلي والتجنيد القسري في الشبكات الإجرامية.

المعوقات الرقمية والسياسية

تتفاقم المخاطر الأمنية والإقصائية بحدة عند تقاطع عوامل الهوية المركبة؛ فالنساء مغايرات الهوية الجنسانية المهاجرات، ولا سيما العاملات في مجال الجنس من الجنسية الفنزويلية، يقعن في شرك عنف ثلاثي الأبعاد: جسدي، ونفسي، ومؤسسي يحرمهن من الحقوق الأساسية كالسكن، والرعاية الصحية، والتوثيق القانوني.

ويواجه اللاجئون وطالبو اللجوء مخاطر أمنية مضاعفة؛ إذ يدفعهم الخوف المستمر من الترحيل وغياب تصاريح الحماية المؤقتة إلى إخفاء هوياتهم الحقيقية وتجنب التواصل مع السلطات الرسمية، ما يؤدي إلى إسقاطهم تماماً من سجلات الحماية الاجتماعية والصحية ويزيد من تعرضهم للاستغلال الصارخ والعنف في البيئات العمالية والمعيشية غير المنظمة.

أما في البيئات الاحتجازية السجنية، فيستمر الأشخاص المتنوعون جنسانياً المحرومون من حريتهم في مواجهة أنماط قاسية من سوء المعاملة والتمييز الممنهج، فضلاً عن حرمانهم من الرعاية الصحية الأساسية المتخصصة، مثل علاج فيروس نقص المناعة البشرية HIV والرعاية الطبية المؤكدة للجندر.

ورغم وجود بروتوكولات حماية متميزة مدونة في نظام السجون، فإنها تظل حبراً على ورق ولا تُنفذ في الممارسة العملية، ما يضطر المحكمة الدستورية للتدخل المتكرر عبر قرارات تصحيحية لحماية كرامتهم.

ومن الناحية السياسية، ورغم حدوث تقدم طفيف في التمثيل، يواجه المرشحون والناشطون حملات تخويف وتهديدات أمنية شرسة أثناء الفترات الانتخابية، خصوصاً على المستوى المحلي وفي مناطق النزاع المسلح.

وتبرز معوقات هيكلية تحرم الأشخاص مغايري الهوية الجنسانية وغير الثنائيين من ممارسة حقوقهم التصويتية الديمقراطية، بسبب عدم تطابق وثائق الهوية الرسمية، والتطبيق غير المتسق للأسماء وعلامات الجندر، والضعف الشديد في تنفيذ بروتوكول تصويت مغايري الجنس، ما يعرضهم للمضايقات والوصم في مراكز الاقتراع ويقوض مواطنتهم.

وأخيراً، رصد التقرير بدقة ظهور أنماط تكنولوجية جديدة من الاستهداف الرقمي، حيث يتم استغلال تطبيقات المواعدة الرقمية الحديثة عبر الفضاء الإلكتروني واستخدامها “سلاح استدراج” منظماً لإيقاع الرجال المثليين واستهدافهم بعمليات عنف وسرقات وقتل عمد، ما يعكس تحولاً خطيراً في طبيعة المخاطر وانتقالها من الفضاءات العامة إلى الفضاءات الرقمية.

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print