منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين نار الحروب وموجات اللجوء.. مصر تواصل فتح أبوابها رغم التحديات الاقتصادية

27 أبريل 2026
استقرار وضع اللاجئين في مصر رغم التحديات الاقتصادية
استقرار وضع اللاجئين في مصر رغم التحديات الاقتصادية

في شوارع القاهرة والجيزة والإسكندرية، حيث تختلط لهجات العرب والأفارقة في المقاهي والأسواق ومحطات المترو، تبدو مصر كأنها ميناء بري مفتوح على موجات لجوء متلاحقة، تحملها رياح الحروب والانهيارات الاقتصادية، فمنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، واتساع رقعة الفوضى في سوريا واليمن والعراق، تحوّلت مصر إلى إحدى أكبر دول الاستقبال في المنطقة.

ووفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر، بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين رسمياً حتى 28 فبراير 2026 نحو 1,098,750 شخصاً، بزيادة ضخمة مقارنة بأقل من 300 ألف قبل الحرب السودانية، ويشكل السودانيون الكتلة الأكبر بنحو 57% من الإجمالي، يليهم السوريون ثم الإريتريون والإثيوبيون واليمنيون والعراقيون وجنسيات أخرى، كما أن النساء والأطفال يمثلون نحو 74.7% من المسجلين، بينما يعيش نحو 19.6% منهم ضمن فئات الاحتياجات الخاصة.

أما الحكومة المصرية فتتحدث عن أكثر من 9 ملايين أجنبي ومقيم ولاجئ على الأراضي المصرية من 133 دولة، وهو فارق يعود إلى التمييز بين «المسجلين لدى المفوضية» و«المقيمين والأجانب غير المسجلين» أو المقيمين بتأشيرات دراسة أو عمل أو زيارة.

هذه الكثافة العددية خلقت ضغطاً مركباً على البنية التحتية والخدمات؛ رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي صرح سابقاً بأن تكلفة استضافة الأجانب واللاجئين تتجاوز 10 مليارات دولار سنوياً، تشمل التعليم والصحة والدعم والخدمات العامة.

وفي المقابل، حذّرت المفوضية في يونيو 2025 من أن التمويل المخصص لبرامجها في مصر انخفض إلى ربع مستوياته السابقة، رغم تجاوز عدد المسجلين حاجز المليون، أي أن الدولة المصرية باتت تتحمل العبء الأكبر وحدها، بينما يتراجع الدعم الدولي.

بين الحماية والسيادة

قانونياً، لا تنظر مصر إلى اللاجئ باعتباره «فوق القانون»، كما لا تنظر إليه باعتباره «متهماً افتراضياً»، فالدستور المصري يكفل كرامة الإنسان وحمايته، بينما تنظم اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والبروتوكول الملحق بها لعام 1967، التزامات الدولة تجاه من يفرون من الاضطهاد أو النزاعات، ومصر دولة موقعة على الاتفاقية، لكن هذه الحماية ليست شيكاً على بياض، فالقانون الدولي نفسه يجيز للدول اتخاذ تدابير تحفظ الأمن القومي والنظام العام، بل ويسمح باستثناء من ارتكب جرائم حرب أو جرائم جسيمة أو أعمالاً تهدد أمن المجتمع من الحماية.

وفي هذا السياق، ناقش مجلس النواب المصري في 2026 مشروع قانون «لجوء الأجانب»، كأول إطار تشريعي داخلي متكامل ينظم المسألة.

المشروع ينص على رفض طلب اللجوء إذا ثبت ارتكاب صاحبه جريمة ضد السلام أو الإنسانية أو جريمة حرب، أو ارتكب جريمة جسيمة قبل دخوله مصر، أو قام بأعمال تتعارض مع مبادئ الأمم المتحدة، أو أُدرج على قوائم الإرهاب، أو ارتكب أفعالاً تمس الأمن القومي أو النظام العام، كما يسقط وصف اللاجئ إذا حصل عليه بالغش أو مارس نشاطاً سياسياً أو حزبياً محظوراً، أو ارتكب عملاً عدائياً ضد دولته أو دولة أخرى.

وفي بعض الحالات، ينص القانون على الإبعاد أو الحبس أو الغرامة، هذا يعني أن المشرّع المصري يحاول رسم خط فاصل بين «اللاجئ» و«مستغل صفة اللجوء».

جرائم فردية وردود فعل

الوقائع الميدانية خلال العامين الأخيرين تكشف لماذا تصاعد هذا الاتجاه التشريعي، ففي القاهرة والجيزة، أعلنت وزارة الداخلية مراراً ضبط متهمين يحملون جنسيات أجنبية في وقائع سرقة، وتزوير، واستعراض بالقوة، وحيازة أسلحة بيضاء، وسرقة عملاء بنوك، وتزوير عقود إقامة وشهادات دراسية.

وفي بعض المقاطع المتداولة، ظهر أجانب وهم يؤدون استعراضات في الشوارع حاملين أسلحة بيضاء، وهو سلوك يندرج قانوناً تحت ترويع المواطنين وتعريض السلم العام للخطر، صحيح أن هذه الوقائع لا يجوز تعميمها على ملايين اللاجئين، لكنها تكفي لإشعال الرأي العام، مثل شرارة تقع في حقل جاف.

وهنا تظهر الإشكالية الأخطر، الخلط بين الجاني والكتلة البشرية كلها، فعندما يرتكب فرد سوداني أو سوري أو عراقي جريمة، تتحول مواقع التواصل أحياناً إلى محكمة جماعية تصدر أحكاماً بالترحيل على الجميع.

وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت حملات إلكترونية في مصر تطالب بطرد اللاجئين وتحميلهم مسؤولية الغلاء والضغط على الخدمات، لكن القانون لا يعرف العقاب الجماعي، بل يعرف المسؤولية الفردية، فمن ثبتت إدانته يُعاقب، ومن لم تثبت إدانته يتمتع بالحماية الكاملة.

إجراءات الدولة المصرية في مثل هذه الوقائع تمر بعدة مستويات، تبدأ بالضبط والتحري، وفقاً لقانون الإجراءات الجنائية، عبر جمع الأدلة وسماع الشهود وفحص الكاميرات، ثم العرض على النيابة العامة، وهي صاحبة سلطة التحقيق والحبس الاحتياطي أو الإخلاء، ثم المحاكمة أمام القضاء، وإذا صدر حكم بالإدانة في جريمة تمس الأمن العام أو النظام العام فيمكن للجهات المختصة اتخاذ قرار بإبعاده بعد تنفيذ العقوبة أو بالتوازي معها إذا نص القانون.

أما إذا كان طالب لجوء أو لاجئاً مسجلاً فيُخطر مكتب المفوضية غالباً بحالته لضمان عدم انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية، إلا إذا انطبق عليه أحد استثناءات الأمن القومي أو الجرائم الجسيمة.

عدم الإعادة القسرية

مبدأ «عدم الإعادة القسرية» يعد حجر الزاوية في قانون اللاجئين، ويعني عدم ترحيل الشخص إلى دولة قد يتعرض فيها لخطر الاضطهاد أو الموت، لكن هذا المبدأ ليس مطلقاً، فالمادة 33 من اتفاقية 1951 تجيز استثناء من يشكل خطراً على أمن الدولة أو صدر بحقه حكم نهائي في جريمة خطيرة تشكل خطراً على المجتمع.

وفي قلب المشهد المصري، تبدو معادلة استضافة اللاجئين كحبل مشدود بين الاقتصاد والعدالة والأمن؛ فبينما تواصل مصر استقبال موجات متلاحقة من الفارين من النزاعات، تتزايد الضغوط على الدولة والمجتمع معًا.

أما السوريون، فقد نجح قطاع واسع منهم في تحقيق اندماج اقتصادي ملحوظ داخل السوق المصرية، خصوصًا في قطاعات المطاعم، والملابس، والصناعات الغذائية، والتجارة الصغيرة والمتوسطة.

وتشير تقديرات غير رسمية صادرة عن جمعيات رجال أعمال إلى أن الاستثمارات السورية في مصر تجاوزت 800 مليون دولار خلال السنوات الأخيرة، مع تأسيس آلاف المشروعات التي وفرت فرص عمل للمصريين والسوريين معًا.

لكن، ورغم هذا الاندماج، فرضت السلطات المصرية خلال الأعوام الأخيرة قيودًا أمنية أكثر صرامة على دخول السوريين، تشمل التأشيرات والموافقات الأمنية المسبقة.

أما اليمنيون والعراقيون، فيتركز وجودهم غالبًا في الإقامة العائلية والعلاج والاستثمار، مع خضوعهم للقواعد ذاتها المتعلقة بالإقامة القانونية واحترام النظام العام.

في هذا السياق، يصبح القانون أداة توازن لا أداة طرد، فالتحدي الحقيقي أمام الدولة المصرية ليس في التشدد المطلق ولا في التساهل المطلق، بل في بناء منظومة فرز دقيقة تميز بين لاجئ هارب من الحرب، ومخالف إداري يمكن تقنين وضعه، ومجرم يستغل الفوضى، أو محرض على الشغب والتخريب.

فوفق مشروع قانون «لجوء الأجانب» الذي يناقشه البرلمان، يمكن إسقاط صفة اللاجئ أو رفض طلب اللجوء إذا ثبت ارتكاب جرائم جسيمة أو أفعال تمس الأمن القومي أو النظام العام، مع الحفاظ على مبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في اتفاقية 1951، إلا في حالات الخطر الأمني الجسيم.

المساواة في المسؤولية

قال أستاذ القانون الجنائي بمصر، الدكتور مصطفى السعداوي، إن اللاجئين داخل مصر يخضعون في الأصل لأحكام القانون المصري، باعتبارهم موجودين على الإقليم المصري، وذلك تطبيقًا لمبدأ «إقليمية القانون الجنائي»، الذي يُعد أحد أهم المبادئ المستقرة في التشريعات الجنائية، هذا المبدأ يعني أن كل من يوجد داخل الحدود المصرية، سواء كان مواطنًا أو أجنبيًا أو لاجئًا، يخضع لأحكام القانون في حال ارتكاب أي فعل مجرّم وفق قانون العقوبات أو القوانين المكملة له أو التشريعات الجنائية الخاصة.

وأضاف السعداوي، في تصريح خاص لـ”صفر”، أن القانون الجنائي لا يمنح أي شخص حصانة من المساءلة، ولا يقر امتيازًا بالإفلات من العقاب، مشيرًا إلى أن وجود الشخص داخل الإقليم المصري، سواء برًا أو بحرًا أو جوًا، يجعله مسؤولًا مسؤولية كاملة أمام القضاء المصري إذا ارتكب جريمة منصوصًا عليها في التشريعات الوطنية.

وأشار إلى أن اللاجئين في مصر يخضعون كذلك لإطار قانوني دولي، باعتبار أن الدولة المصرية منضمة إلى اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، بالإضافة إلى بروتوكول 1967 الملحق بها، مشيرا إلى أن هذا الانضمام يفرض على الدولة التزامات واضحة، في مقدمتها احترام الحقوق الأساسية للاجئ، وعلى رأسها الحق في الحماية القانونية، والحق في المعاملة الإنسانية، والتمتع ببعض الحقوق المدنية والاجتماعية.

وأضاف أن من بين هذه الحقوق أيضًا حق اللاجئ في اللجوء إلى القضاء المصري للفصل في المنازعات المدنية، إلى جانب خضوعه في مسائل الأحوال الشخصية لقانون موطنه الأصلي، إلا إذا كان بلا موطن محدد، فيخضع حينها للقانون المصري.

وأشار إلى أن هذه الحقوق لا تعني بأي حال إعفاء اللاجئ من الالتزام بالقانون، موضحًا أن القانون الجنائي المصري يظل تعبيرًا مباشرًا عن سيادة الدولة، وأن أي خروج على أحكامه يضع مرتكبه تحت طائلة المساءلة الجنائية دون أي اعتبار لصفته.

وأكد السعداوي أن اللاجئ، رغم تمتعه بالحماية الدولية، لا يمكنه التذرع بهذه الصفة للإفلات من العقاب أو الخروج عن القانون، مشددًا على أن الحماية القانونية لا تتعارض مع مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية.

وأشار السعداوي إلى أن المنظمات الحقوقية، إلى جانب نقابة المحامين، تلعب دورًا مهمًا في ضمان تحقيق محاكمة عادلة في حال ارتكاب اللاجئ لأي جريمة، سواء كانت جرائم جسيمة مثل القتل، أو جرائم مرتبطة بالشغب أو حيازة أو الاتجار في المواد المخدرة أو غيرها من الجرائم المنصوص عليها في القانون.

واختتم السعداوي تصريحاته بالتأكيد على أن العدالة الجنائية في مصر لا تفرق بين مواطن ولاجئ أو أجنبي، وأن معيارها الوحيد هو الفعل المرتكب ومدى مخالفته للقانون، في إطار يوازن بين سيادة الدولة وضمانات العدالة وحقوق الإنسان.

الحماية الفردية ومسؤولية الدولة

من جانبها، قالت الخبيرة في حقوق الإنسان الدكتورة أسماء رمزي، إن السؤال حول ما إذا كان الشغب يُسقط الحقوق الأساسية للاجئ يُطرح كثيرًا في سياقات الأزمات والتوترات الاجتماعية، غير أن الإجابة القانونية الدقيقة عليه، بحسب قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين، هي: لا، فالحقوق الأساسية للاجئ لا تسقط تلقائيًا لمجرد الاشتباه أو حتى الوقوع في مخالفات أو أحداث شغب.

وأوضحت الدكتورة أسماء، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، أن من أهم هذه الحقوق مبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو حجر الأساس في منظومة حماية اللاجئين، حيث ينص بوضوح على أنه «لا يجوز لأية دولة متعاقدة أن تطرد لاجئًا أو ترده بأي صورة إلى حدود الأقاليم التي تكون حياته أو حريته مهددتين فيها».

وأضافت أن هذا المبدأ الوارد في المادة 33 من اتفاقية جنيف لعام 1951 يعني بشكل مباشر أنه لا يجوز ترحيل اللاجئ إلى بلد قد يواجه فيه خطر الاضطهاد أو الموت، مشيرة إلى أن هذا الحق يُعد من الحقوق الجوهرية غير القابلة للإلغاء بسهولة.

وأشارت إلى أن الاستثناء الوحيد الضيق على هذا المبدأ يكون في حالات نادرة جدًا، مثل أن يُشكّل اللاجئ خطرًا جسيمًا على أمن الدولة، أو أن يكون قد أُدين بارتكاب جريمة خطيرة ذات طابع بالغ الخطورة. لكنها شددت على أن هذا الاستثناء لا يُطبق بشكل تلقائي أو جماعي، بل يتطلب تقييمًا فرديًا دقيقًا لكل حالة على حدة، وإجراءات قانونية واضحة تضمن العدالة والإنصاف.

وأضافت أن القانون الدولي واضح في مسألة جوهرية لا يجوز تجاوزها، وهي أن المسؤولية جنائية فردية وليست جماعية، مشيرة إلى أن الدولة المضيفة مسؤولة عن حفظ النظام العام داخل إقليمها، لكنها ليست مسؤولة عن الأفعال الفردية لكل لاجئ. وقالت إن اللاجئ يخضع للقانون الجنائي للدولة التي يقيم فيها، ويتحمل المسؤولية الشخصية عن أي فعل مخالف يرتكبه، تمامًا مثل أي مواطن أو مقيم آخر.

وشددت على أن المبدأ الحاكم هنا هو عدم تحميل مجموعة اللاجئين بأكملها مسؤولية سلوك أفراد منها، وهو ما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمبدأ عدم التمييز في القانون الدولي. وأضافت أن ارتكاب بعض الأفراد لأعمال شغب أو جرائم لا يبرر بأي حال من الأحوال التعميم أو اتخاذ إجراءات جماعية، لأن ذلك يتعارض مع أسس العدالة.

وفي ما يتعلق بتوازن الدولة بين الأمن العام والحماية، أوضحت الدكتورة رمزي أن القانون الدولي يمنح الدولة حقًا مشروعًا في فرض النظام العام، ومنع أعمال الشغب، وتطبيق القانون الجنائي على كل من يخل به، لكنها أضافت أن هذا الحق مقيد بمبدأي الضرورة والتناسب، بمعنى أن أي إجراء أمني يجب أن يكون بقدر الخطر فقط، دون تجاوز أو إفراط.

وبشأن الإجراءات الواجب اتباعها عند وقوع شغب يشارك فيه لاجئون، قالت إن القانون الدولي يحدد مسارًا واضحًا يبدأ بتفريق الحدث وضبط الأمن، ثم تحديد هوية المشاركين الفعليين، وإجراء تحقيقات دقيقة قائمة على الأدلة، يعقبها محاكمات عادلة تضمن كل الضمانات القانونية، مع رفض أي شكل من أشكال التعميم أو العقاب الجماعي، الذي يُعد انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وأضافت أن المادة 32 من الاتفاقية تنص على أنه «لا تطرد الدول لاجئًا موجودًا بصفة قانونية إلا لأسباب تتعلق بالأمن الوطني أو النظام العام»، مؤكدة أن الطرد في هذه الحالة يخضع لشروط صارمة، أهمها وجود سبب حقيقي مثبت، واتباع إجراءات قانونية سليمة، وضمان حق الدفاع.

واختتمت الدكتورة أسماء رمزي تصريحها بالتأكيد على أن الخلاصة القانونية واضحة، وهي أن الشغب لا يُسقط الحقوق الأساسية للاجئ، وأن المسؤولية دائمًا فردية وليست جماعية، وأن للدولة حق استخدام أدواتها الأمنية لحماية النظام العام، لكن دون أن يتحول ذلك إلى ذريعة للعقاب الجماعي أو إنهاء الحماية الدولية المقررة بموجب القانون.