قد تقع وفاة الجنين قبل الولادة (الإملاص) رغم حصول الأم على أفضل رعاية طبية ممكنة، وقد تحدث لأسباب لا يستطيع الطبيب أو النظام الصحي منعها، لكن بعض الحالات تروي قصة مختلفة تبدأ قبل غرفة الولادة، مثل متابعة حمل لم تصل إليها المرأة، أو خطر لم يكتشف مبكراً، أو مسافة أخرت وصولها إلى المستشفى، أو رعاية لم تكن متاحة في اللحظة التي احتاجتها فيها.
من هنا تضع حالات الإملاص في المغرب ولبنان جودة الرعاية الصحية وإمكانية الوصول إليها أمام اختبار يتجاوز الأرقام الطبية، فالسؤال الحقوقي ليس عما إذا كان بالإمكان منع كل وفاة، بل عما إذا كانت كل امرأة تحصل على فرصة متساوية للوصول إلى الرعاية التي يمكن أن تحمي حياتها وحياة جنينها.
1.9 مليون حالة في عام واحد
تُعرف اليونيسف الإملاص بأنه ولادة طفل من دون علامات حياة بعد 28 أسبوعاً أو أكثر من الحمل، وتشير أحدث تقديرات الأمم المتحدة إلى وقوع نحو 1.9 مليون حالة إملاص عالمياً في 2023، بمعدل 14.3 حالة لكل ألف ولادة.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع الحالات قابلة للمنع، لكن اليونيسف تؤكد أن كثيراً منها يمكن تجنبه عبر رعاية جيدة أثناء الحمل والولادة، والأكثر دلالة أن أكثر من أربع حالات إملاص من كل عشر عالمياً حدثت أثناء المخاض، وهي مرحلة يمكن خلالها منع عدد كبير من الوفيات بوجود كوادر صحية ماهرة ورعاية مناسبة في الوقت المناسب.
وتضع أحدث تقديرات الأمم المتحدة المقارنة لعام 2023 معدل الإملاص في المغرب عند نحو 12.3 حالة لكل ألف ولادة، مقابل نحو 9.5 حالة في لبنان، لكن الفارق العددي بين البلدين لا يكفي وحده لتفسير أسباب الإملاص، ولا يعني بالضرورة أن النظام الصحي في دولة أفضل من الأخرى في جميع عناصر الرعاية، فقيمة المقارنة تكمن أساساً في كشف نوعين مختلفين من المعوقات أمام صحة الأم والجنين.
لماذا المغرب ولبنان؟
في المغرب تظهر الفجوة بصورة واضحة بين المركز والأطراف؛ إذ ما زالت المسافة والمعوقات الجغرافية تؤثر على وصول بعض النساء في المناطق الريفية إلى الرعاية الصحية.
وأشار البنك الدولي إلى أن وفيات الأمهات في المناطق الريفية بلغت في 2018 نحو 111 وفاة لكل 100 ألف ولادة حية، مقابل 45 في المناطق الحضرية، لافتاً إلى دور البعد عن المراكز الصحية والمعوقات الجغرافية في صعوبة الوصول إلى الخدمة.
أما لبنان فيقدم حالة مختلفة، حيث تواجه منظومة الرعاية الصحية ضغوطاً متراكمة بفعل الأزمة الاقتصادية والتضخم والنزاعات، ما يؤثر في قدرة النظام على توفير الرعاية واستمراريتها.
وأشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن لبنان سجل 24 وفاة أمومية من أصل 93,697 ولادة في 2023، إلى جانب تراجع بعض مؤشرات وفيات الأطفال والمواليد خلال السنوات الأخيرة.
ولا تثبت هذه المؤشرات بذاتها أسباب الإملاص، لكنها توضح اختلاف البيئة الصحية التي تحصل فيها المرأة على الرعاية في البلدين.
المشكلة قد تبدأ قبل الولادة
تبدأ الوقاية من بعض حالات الإملاص خلال أشهر الحمل، لا عند وصول المرأة إلى غرفة الولادة، فالمتابعة المنتظمة يمكن أن تساعد في اكتشاف عوامل الخطر ومراقبة نمو الجنين والحالة الصحية للأم، في حين يصبح الوصول السريع إلى خدمات التوليد والطوارئ حاسماً عندما تحدث المضاعفات أثناء المخاض.
وفي المغرب دفعت الفجوة الجغرافية السلطات إلى إطلاق نموذج للصحة المجتمعية عام 2022 في مناطق ريفية، بالتعاون مع جهات بينها اليونيسف وبدعم من البنك الدولي.
وبحلول يونيو 2025، وصلت نسبة النساء في المناطق الريفية المستهدفة اللواتي حصلن على خدمة صحية أو تغذوية واحدة على الأقل خلال الحمل إلى 86%، بعدما كانت صفراً في 2021، في حين استفاد أكثر من 511 ألف شخص جديد من خدمات النموذج.
وتكشف التجربة أهمية نقل جزء من الرعاية إلى المناطق التي يصعب على النساء فيها الوصول إلى المؤسسات الصحية، بدلاً من افتراض أن وجود المستشفى يعني تلقائياً إمكانية الوصول إليه.
وفاة الجنين قضية حقوقية
الإملاص ليس في ذاته دليلاً على انتهاك الحق في الصحة، ولا يمكن افتراض مسؤولية النظام الصحي عن كل حالة، فقد تقع الوفاة رغم توفير الرعاية اللازمة وفي الوقت المناسب، لكن القضية تكتسب بعداً حقوقياً عندما يرتبط الخطر بمعوقات يمكن للدولة معالجتها، مثل عدم توافر الرعاية الأساسية، أو التمييز في الوصول إليها، أو عجز النساء عن بلوغ المنشأة الصحية بسبب الموقع أو الكلفة، أو وجود نقص منهجي في الخدمات الضرورية.
فالحق في الصحة، وفق العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لا يتعلق بمجرد وجود المرافق الطبية، بل بإمكانية الوصول إلى خدمات صحية متاحة ومقبولة وذات جودة.
وبذلك يصبح السؤال الأدق ليس: لماذا مات الجنين؟ بل: هل حصلت الأم على الرعاية التي كان ينبغي أن تكون متاحة لها؟
الحق في الصحة
يرى القانوني حسن الزعتري أن التعامل مع وفيات الأجنة من منظور حقوقي ينبغي ألا يحصر القضية في أسبابها الطبية؛ لأن التزامات الدولة تمتد إلى توفير خدمات صحية يمكن للنساء الوصول إليها فعلياً.
ويقول الزعتري في حديثه لـ«صفر» إن الحق في الصحة وفق القانون الدولي يرتبط بتوافر الخدمات وإمكانية الوصول إليها وقبولها وجودتها، وهو ما يجعل وجود المنشأة الصحية وحده غير كافٍ إذا تعذر على المرأة الوصول إليها أو تحمل كلفتها أو تلقي الرعاية اللازمة في الوقت المناسب.
ويضيف الزعتري أن الالتزام بالإعمال التدريجي للحق في الصحة لا يلغي التزامات أساسية، وفي مقدمتها عدم التمييز والوصول إلى الخدمات الضرورية، خصوصاً للفئات الأكثر عرضة للحرمان.
وفي حالات الحمل والولادة، يعني ذلك العمل على إزالة المعوقات الجغرافية والمالية والاجتماعية التي يمكن أن تحول بين المرأة والرعاية الصحية.
المساواة وتوفير الخدمات
قد يكون المستشفى نفسه متاحاً لامرأتين لكن فرص الوصول إليه ليست بالضرورة متساوية، فالمرأة التي تسكن قرب منشأة مجهزة وتمتلك المال ووسيلة النقل لا تواجه الظروف نفسها التي تواجهها امرأة في منطقة ريفية بعيدة، أو أسرة لا تستطيع تحمل نفقات الرعاية، أو حامل تعيش وسط أزمة عطلت جزءاً من النظام الصحي.
ولهذا ينبغي ألا تقاس المساواة الصحية بعدد المستشفيات فقط، وإنما بالوقت الذي تحتاجه المرأة للوصول إليها وكلفة الخدمة، وتوافر الطواقم والتجهيزات، وقدرة النظام على اكتشاف الحمل عالي الخطورة والتدخل عندما تحدث المضاعفات.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية لأن الأدلة الدولية تربط منع كثير من حالات الإملاص بتحسين جودة الرعاية السابقة للولادة وأثناء المخاض، وليس بمجرد زيادة عدد المؤسسات الصحية.
البحث خلف الأرقام
ينبغي ألا تتحول المقارنة بين المغرب ولبنان إلى سباق بين معدلين للإملاص، فالرقم يخبرنا بعدد الحالات، لكنه لا يخبرنا وحده لماذا حدثت، ولا من حصلت على الرعاية ومن حُرمت منها.
المعيار الأكثر فائدة هو البحث خلف الرقم.. أين حدثت الوفاة؟ وهل كانت المرأة تتابع حملها؟ وكم استغرق وصولها إلى الرعاية؟ وهل كانت المنشأة مجهزة؟ وهل اكتشفت عوامل الخطر مبكراً؟ وهل كان التدخل متاحاً عندما بدأت المضاعفات؟
جمع هذه المعلومات وتحليلها لا يساعد فقط على تفسير الوفيات، بل في تحديد الفجوات التي يمكن منع تكرارها، وبذلك لا تصبح وفاة الجنين رقماً يقيس خسارة حدثت بالفعل، بل إنذار يكشف أين انقطعت سلسلة الرعاية وأي امرأة ما زالت معرضة لأن تصل متأخرة إلى حق كان ينبغي أن يصل إليها أولاً.

