يربط تقرير دولي جديد بين مستقبل حقوق الإنسان ومستقبل الكوكب، مؤكداً أن مواجهة أزمة المناخ لا يمكن أن تنجح بمعزل عن مكافحة اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية.
ويطرح التقرير رؤية تقوم على أن ضمان الحق في مستوى معيشي لائق، والحق في الصحة والتعليم، والحق في التنمية، يتطلب إعادة توزيع أكثر عدالة للثروة والموارد والسلطة على المستوى العالمي، بالتوازي مع خفض الانبعاثات الكربونية والتحول نحو أنماط إنتاج واستهلاك أكثر استدامة.
أطلق مختبر اللامساواة العالمي، وهو شبكة بحثية دولية متخصصة في دراسة توزيع الثروة، اليوم الرابع من يونيو تقرير “العدالة العالمية: خطة للمساواة والازدهار ضمن حدود كوكب الأرض” خلال افتتاح مؤتمر اللامساواة العالمي 2026.
ويقدم التقرير تصوراً متكاملاً لمسار عالمي يمتد من عام 2026 حتى عام 2100، بهدف الجمع بين العدالة الاجتماعية والحفاظ على كوكب صالح للعيش للأجيال الحالية والمقبلة.
وينطلق التقرير من فرضية أساسية مفادها أن التحول العالمي القادر على الجمع بين مستويات رفاه مرتفعة لجميع البشر والحفاظ على استقرار المناخ أمر ممكن، لكنه يتطلب توافر ثلاثة شروط مترابطة في الوقت نفسه.
يتمثل الشرط الأول في خفض الانبعاثات الكربونية بصورة جذرية، في حين يقوم الشرط الثاني على الانتقال من الاستهلاك المفرط إلى مفهوم الاكتفاء الذاتي، أما الشرط الثالث فيتمثل في تقليص اللامساواة في الدخل والثروة والسلطة داخل الدول وفيما بينها.
ويؤكد التقرير أن خفض اللامساواة العالمية ليس نتيجة محتملة للتحول المناخي فحسب، بل شرط أساسي لإنجاحه، ولذلك يقدم نفسه بوصفه أول محاولة شاملة تجمع بين إعادة توزيع الموارد عالمياً، وإصلاح النظام المالي والاقتصادي الدولي، والتحول الجذري في أنظمة الطاقة، وإحداث تغييرات واسعة في أنماط الاستهلاك.
ويحدد التقرير أهدافاً كمية بحلول عام 2100، في مقدمتها تحقيق تقارب في متوسط الدخل القومي الشهري للفرد عند مستوى 5000 يورو في جميع دول العالم، ما يسهم في تقليص فجوة الدخل العالمية الحالية البالغة 16 ضعفاً.
كما يستهدف رفع حصة النصف الأفقر من سكان العالم من الثروة العالمية من 2% إلى 30%، مقابل خفض حصة طبقة المليارديرات من 6% إلى 0.05%.
ويشير التقرير إلى أن هذا المسار من شأنه تمكين ما يقرب من 90% من سكان العالم من مضاعفة دخولهم مع العمل لنصف ساعات العمل الحالية تقريباً، إلى جانب الحد من الاحترار العالمي عند 1.8 درجة مئوية بحلول نهاية القرن، مقارنة بأكثر من 4.5 درجة مئوية في ظل استمرار السياسات الحالية.
العدالة الاجتماعية والمناخ
ويطرح التقرير، بحسب ما أوردته صحيفة “الغارديان”، رؤية بديلة للتوقعات التي تربط المستقبل بمزيد من الوقود الأحفوري واتساع فجوات اللامساواة وتصاعد الاضطرابات المناخية. ويهدف إلى معالجة ما يصفه بأزمة عالمية متعددة الأبعاد تشمل التغير المناخي والتوترات الاقتصادية والاجتماعية والاستقطاب السياسي.
ويقترح التقرير مجموعة من السياسات تشمل فرض ضرائب مرتفعة على ثروات أصحاب المليارات، وخفض ساعات العمل بصورة كبيرة، وتغيير الأنظمة الغذائية وأنماط الاستهلاك، وتحويل الاستثمارات من القطاعات كثيفة الاستهلاك للموارد إلى قطاعات التعليم والصحة.
وأكد المدير المشارك لمعهد القيادة العالمية وأستاذ الاقتصاد في كلية باريس للاقتصاد، توماس بيكيتي، أن العالم يخوض “معركة ثقافية وفكرية وسياسية ضخمة”، معتبراً أن إعادة توزيع الموارد والسلطة بصورة تعاونية أصبحت ضرورة لتجنب تداعيات كارثية على المناخ والبيئة والأوضاع الاجتماعية.
وسعى التقرير إلى تجاوز ما يعده أوجه قصور في المقاربات التقليدية لمعالجة الأزمات العالمية، سواء تلك التي تركز على النمو المادي بصورة مفرطة أو تلك التي تغفل الآثار الاجتماعية للتحولات المناخية، ولذلك دمج بين دراسات اللامساواة وعلوم المناخ ومقترحات إصلاح النظام المالي العالمي ضمن إطار تحليلي واحد.
استند التقرير إلى عمل 45 مؤلفاً وإلى قواعد بيانات شارك في إعدادها أكثر من 200 باحث من مختلف أنحاء العالم. ويتمحور حول مفهوم “الاكتفاء الذاتي” الذي يفترض إمكانية تمتع البشر بحياة كريمة وصحية دون الحاجة إلى التوسع المستمر في الاستهلاك المادي الذي يضغط على الموارد الطبيعية.
واقترح الباحثون خفض متوسط ساعات العمل السنوية من 2100 ساعة إلى 1000 ساعة فقط، أي ما يعادل تقريباً أسبوع عمل من يومين ونصف، إلى جانب تشجيع تقليل استهلاك اللحوم الحمراء وإعادة توجيه النشاط الاقتصادي نحو قطاعات أقل استهلاكاً للموارد.
ودعا التقرير إلى أكثر من مضاعفة الإنفاق على التعليم ليصل إلى 8400 يورو للفرد، وزيادة الإنفاق على الرعاية الصحية إلى 14400 يورو للفرد.
أوضح بيكيتي أن كل يورو إضافي يجري استثماره في التعليم والصحة يقلل البصمة المادية واستهلاك الطاقة بمعدل يتراوح بين ثلاثة وأربعة أضعاف مقارنة بالاستثمار في قطاعات التصنيع.
إعادة توزيع الثروة
ووضع التقرير مكافحة اللامساواة في صدارة أهدافه، متوقعاً وصول متوسط دخل الفرد القومي الشهري إلى 5000 يورو في مختلف أنحاء العالم بحلول نهاية القرن، مع تحقيق أكبر المكاسب في بلدان الجنوب العالمي.
واستثنى هذا المسار الفئات الأكثر ثراءً من الزيادات المتوقعة في الثروة، إذ دعا إلى إخضاعها لضرائب مرتفعة انطلاقاً من مسؤوليتها الكبرى عن أزمة المناخ، ووفق الأرقام الواردة في التقرير، ستتراجع حصة المليارديرات الذين يمثلون 0.001% فقط من سكان العالم، من 6% من الثروة العالمية إلى 0.05%، في حين سترتفع حصة النصف الأفقر من سكان العالم من 2% إلى 30%.
واعتمد التصور المناخي للتقرير على تسريع إزالة الكربون من الاقتصاد العالمي عبر إعادة توجيه رؤوس الأموال نحو طاقة الرياح والطاقة الشمسية وغيرها من مصادر الطاقة المتجددة، ما يسمح بتحويل إمدادات الطاقة إلى الكهرباء بصورة كاملة بحلول عام 2050.
وأضاف التقرير أن خفض ساعات العمل، وتغيير الأنظمة الغذائية، وتقليل استهلاك المواد الخام، ستسهم جميعها في تقليص الانبعاثات الكربونية، ووفق السيناريو الأكثر طموحاً، سيؤدي ذلك إلى إبقاء الاحترار العالمي عند 1.8 درجة مئوية بحلول نهاية القرن، مقارنة بتقديرات تتراوح بين 4 و4.5 درجة مئوية إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
واقترح التقرير إنشاء صندوق عالمي للعدالة لتمويل هذا التحول عبر استثمارات تعادل في المتوسط 10.3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنوياً بين عامي 2030 و2060، مقارنة بأقل من 0.4% تخصص حالياً للمساعدات التنموية والمنظمات الدولية.
ويفترض تمويل هذا الصندوق من خلال ضريبة عالمية على الثروة، وصندوق ثروة سيادي عالمي، وضريبة دخل عالمية تستهدف الأثرياء الأكثر ثراءً.
واختتم التقرير بتأكيد أن بناء قرن حادي وعشرين أكثر مساواة وصالحاً للعيش ليس مستحيلاً من الناحية التقنية، وإنما يتوقف على الخيارات السياسية والقدرة على بناء تحالف عالمي يدعم هذا التحول، كما أقرت المؤلفة المشاركة ومنسقة الشؤون البيئية في معهد القيادة العالمية، كورنيليا مورين، بأن المقترحات المطروحة طموحة وربما تبدو مثالية، لكنها اعتبرت أن أهميتها تكمن في إظهار إمكانية الجمع بين المساواة الاجتماعية والالتزام بالحدود المناخية للكوكب.
وشدد الأستاذ في جامعة برشلونة المستقلة والباحث الزائر في كلية لندن للاقتصاد، جيسون هيكل، على أن توفير حياة كريمة للجميع ضمن حدود الكوكب ممكن تقنياً، لكنه يتطلب نضالاً سياسياً منظماً لتحقيقه.
