كشف تقرير حديث لمجلة “فورين بوليسي” أن سياسات نقل العمالة في منطقة شينجيانغ الصينية لم تعد تُقدم باعتبارها برامج “تخفيف فقر” طوعية، بل تحولت إلى منظومة واسعة النطاق من التوجيهات الإدارية التي تدفع المزارعين الإيغور إلى العمل في المصانع والحقول خارج مناطقهم الأصلية، ضمن إطار من الإكراه المنظم.
ويرى التقرير أن الدولة الصينية وثّقت ما يصل إلى 3.4 مليون عملية نقل عمالي بحلول عام 2025، شملت أكثر من 3 ملايين فرد، مع تكرار نقل بعضهم أكثر من مرة خلال العام نفسه، ما يعكس اتساع نطاق هذه السياسة وتحولها إلى آلية دائمة لإعادة تشكيل سوق العمل في الإقليم.
ويشير إلى أن هذه التحولات جاءت في سياق سياسي وأمني أعقب سنوات من حملات الاعتقال وإعادة التأهيل، حيث أصبحت حركة السكان جزءًا من إدارة الدولة اليومية، وليس قرارًا فرديًا أو اقتصاديًا مستقلًا.
ويستند التقرير إلى شهادة ضابط شرطة سابق يُدعى تشانغ يابو، وهو مواطن من عرقية الهان عمل في شينجيانغ منذ عام 2006، حيث يصف كيف تحولت لجان القرى والسلطات المحلية إلى أدوات تنفيذ مباشر لسياسات نقل العمالة الإلزامية.
يوضح تشانغ أن رفض المشاركة في برامج النقل كان يقابل بإجراءات عقابية متدرجة، تبدأ بالضغط الإداري مثل التعليم الإجباري للغة الماندرين والعمل الجماعي غير المدفوع، وتمتد إلى الاستدعاءات المتكررة والمضايقات الأمنية، وصولًا إلى الاحتجاز القصير.
شبكة من الإجراءات اليومية
يضيف التقرير أن هذا النظام لا يعتمد على العنف المباشر فقط، بل على شبكة من الإجراءات اليومية التي تجعل الامتثال خيارًا شبه إلزامي، حيث تُستخدم البيروقراطية كسلاح لإعادة توجيه حياة الأفراد.
وينقل التقرير أن سياسات نقل العمالة لم تعد تقتصر على حالات فردية، بل أصبحت جزءًا من تخطيط رسمي يهدف إلى إعادة توزيع السكان، عبر دفع القرى الريفية نحو التفريغ التدريجي من القوى العاملة.
ويوثق أن عمليات النقل شملت مجموعات واسعة من المزارعين الذين أُجبروا على العمل في قطاعات مختلفة، بينها حصاد القطن تحت إشراف أمني مباشر، في إطار سياسة تُعرض رسميًا باعتبارها “تنمية اقتصادية” لكنها تعمل فعليًا كآلية لإعادة توجيه القوة العاملة قسرًا.
ويشير التقرير إلى أن هذا النمط من الإدارة أدى إلى اختلالات ديموغرافية واضحة، حيث تراجعت أعداد السكان القادرين على العمل في بعض القرى بشكل حاد، تاركًا خلفه مجتمعات تضم كبار السن والأطفال فقط.
ويوضح تشانغ أن رفض أو مقاومة أوامر نقل العمالة كان يؤدي إلى سلسلة من الإجراءات العقابية، تشمل الزيارات الأمنية المتكررة، والضغط الاجتماعي عبر لجان القرى، والاستدعاءات اليومية المطولة التي قد تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل.
إعادة تشكيل العقلية
ويشير إلى أن هذه الإجراءات لم تكن تُصمم فقط لفرض الامتثال، بل لإعادة تشكيل “العقلية” المحلية، عبر ما تسميه السلطات “تعليم الامتنان” و”تعزيز الوحدة العرقية”، في إطار محاولة لإعادة هندسة السلوك الاجتماعي للمزارعين.
ويؤكد التقرير أن هذه السياسات تتجاوز مفهوم العمل الإجباري التقليدي، لتتحول إلى نظام شامل يدمج بين الإكراه الاقتصادي وإعادة التوجيه الثقافي.
وينقل التقرير أن السلطات المحلية تواجه ضغوطًا متزايدة لتحقيق حصص نقل العمالة، في ظل نقص القوى العاملة المتاحة نتيجة عمليات الاحتجاز السابقة، ما يدفع المسؤولين إلى توسيع نطاق الاستهداف ليشمل شرائح أوسع من السكان.
ويشير إلى أن هذا النقص البنيوي خلق حلقة ضغط متواصلة، حيث تُجبر الكوادر المحلية على استخدام سلطاتها الإدارية لتأمين أعداد كافية من العمال، حتى عبر وسائل قسرية غير مباشرة.
ويؤكد أن هذه الديناميكية جعلت من العمل القسري نظامًا يعتمد على التكرار والاستدامة، بدل أن يكون إجراءً استثنائيًا.
يوضح التقرير أن السياسات الحالية تتماشى مع تحول في خطاب القيادة الصينية، الذي انتقل من التركيز على “الاستقرار والتنمية” إلى خطاب أكثر تشددًا يركز على “الأمن والسيطرة”.
ويشير إلى أن هذا التحول يعكس إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع في شينجيانغ، حيث يُنظر إلى السكان ليسوا كفاعلين اقتصاديين مستقلين، بل كجزء من منظومة يجب ضبطها إداريًا وأمنيًا بشكل دائم.
بنية حكم متكاملة
يخلص التقرير إلى أن العمل القسري في شينجيانغ لم يعد مجرد سياسة اقتصادية، بل جزءاً من بنية حكم قائمة على السيطرة البنيوية،
وأن نظام نقل العمالة في شينجيانغ لم يعد يُدار عبر أوامر استثنائية أو حملات مؤقتة، بل أصبح جزءًا من بنية حكم متكاملة تعتمد على دمج القمع داخل الإجراءات الإدارية اليومية.
ويشير إلى أن هذا النموذج جعل من الصعب فصل العمل الاقتصادي عن الإكراه السياسي، حيث تتداخل السياسات التنموية مع أدوات السيطرة الاجتماعية بشكل يصعب رصده خارجيًا.
ويؤكد أن هذا التحول يعكس انتقالًا من القمع الظاهر إلى شكل أكثر استدامة من السيطرة، يُعاد فيه تشكيل المجتمع عبر قرارات إدارية تبدو روتينية لكنها تحمل في جوهرها طابعًا قسريًا ممنهجًا.
