لا يُقاس تقدّم المجتمعات بعدد جامعاتها أو اتساع مبانيها أو حجم الإنفاق على مؤسساتها التعليمية فقط، بل بمدى قدرتها على حماية الفضاء الحر داخل هذه المؤسسات؛ ذلك الفضاء الذي يسمح للأساتذة والباحثين والطلاب بالتفكير، والسؤال، والنقد، وإنتاج المعرفة من دون خوف أو رقابة أو ملاحقة.
الجامعة ليست مكانًا لنقل المعلومات فحسب، بل هي مساحة عامة لصناعة الأفكار، واختبار السياسات، ومناقشة القضايا الاجتماعية والسياسية والعلمية بحرية، وعندما تتعرض هذه المساحة للتضييق، لا يتضرر الأكاديميون وحدهم، بل يتضرر المجتمع كله، لأن تراجع الحرية الأكاديمية يعني إضعاف البحث العلمي، وتقليص النقاش العام، وحرمان الناس من معرفة مستقلة تساعدهم على فهم واقعهم ومحاسبة السلطات وتطوير حلول للمشكلات العامة.
وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت التحذيرات الحقوقية من تراجع الحريات الأكاديمية وحرية التعبير داخل الجامعات في عدد من دول العالم، ومع اتساع الرقابة، والملاحقات القضائية أو الإدارية، والفصل التعسفي، والقيود المفروضة على الباحثين والطلاب، لم تعد الأزمة شأنًا جامعيًا داخليًا، بل تحوّلت إلى قضية حقوق إنسان تمس الحق في المعرفة، وحرية الرأي، واستقلال البحث العلمي، وقدرة المجتمعات على التفكير النقدي وإنتاج العلم بعيدًا عن الإملاء السياسي أو الأيديولوجي.
مؤشرات على اتساع القيود
تشير بيانات منظمة العلماء المعرضين للخطر في تقرير “التفكير بحرية 2024” إلى توثيق 391 اعتداءً على مؤسسات التعليم العالي والأكاديميين في 51 دولة خلال عام واحد، وشملت هذه الانتهاكات الاعتقال، والفصل التعسفي، والعنف، والمنع من التدريس، والقيود على النشاط الأكاديمي.
كما يؤكد مؤشر الحرية الأكاديمية أن أكثر من نصف سكان العالم يعيشون في دول تعاني من قيود شديدة على حرية البحث والتعبير داخل الجامعات، وهو ما يعكس تراجعًا عالميًا في مساحة الفكر الحر، لا يقتصر على منطقة بعينها أو نظام سياسي واحد.
وتكشف هذه المؤشرات أن التضييق على الجامعات لم يعد مجرد حوادث فردية أو قرارات معزولة، بل أصبح ظاهرة ممتدة تؤثر بشكل مباشر على استقلال المؤسسات الأكاديمية، وعلى قدرتها على أداء دورها الأساسي في إنتاج المعرفة، وتدريب الأجيال الجديدة على التفكير الحر، والمشاركة في النقاش العام.
حرية التعبير والبحث العلمي
من منظور حقوقي، تُعد حرية الفكر والتعبير والبحث العلمي من الحقوق الأساسية التي أقرتها المواثيق الدولية، فقد نصّت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق كل شخص في حرية الرأي والتعبير، بما يشمل حرية اعتناق الآراء دون تدخل، وتلقي المعلومات والأفكار ونقلها بأي وسيلة ودون قيود تعسفية.
وفي هذا الإطار، فإن ملاحقة الأكاديميين بسبب آرائهم، أو فرض الرقابة على المناهج، أو منع النقاش حول قضايا سياسية أو اجتماعية أو تاريخية، لا يمثل تضييقًا إداريًا فقط، بل يعد انتهاكًا مباشرًا لحقوق الإنسان ولحق المجتمع في الوصول إلى المعرفة.
كما أن هذه السياسات تخلق مناخًا من الخوف داخل الجامعات، يدفع الباحثين والطلاب إلى ممارسة الرقابة الذاتية، وتجنب القضايا الحساسة، والابتعاد عن الأسئلة النقدية.
ومع الوقت، لا يؤدي ذلك إلى إضعاف حرية التعبير فقط، بل ينعكس أيضًا على جودة البحث العلمي، وتراجع التعددية الفكرية، وتحويل الجامعة من مساحة للنقاش والإبداع إلى مؤسسة حذرة تكرر السائد وتتجنب الاختلاف.
رقابة تتجاوز الحدود
تشير تقارير صادرة عن منظمة العلماء المعرضين للخطر ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إلى أن تقييد الحريات الأكاديمية بات ظاهرة متكررة في عدد من الدول.
في الصين، توثّق هذه التقارير رقابة مشددة على المحتوى الأكاديمي المتعلق بالقضايا السياسية والتاريخية الحساسة، إلى جانب مراقبة النشاط داخل الجامعات، ما يحد من استقلالية البحث العلمي وحرية النقاش الأكاديمي.
أما في روسيا، فتشير التقارير إلى تصاعد الضغوط على الأكاديميين والباحثين، خصوصًا في القضايا المرتبطة بالنزاعات الدولية أو الشأن السياسي، حيث تعرض بعض الأساتذة والطلاب لإجراءات تأديبية وضغوط إدارية بسبب آرائهم.
وفي إيران، وثّقت المنظمات الحقوقية حالات استدعاء واعتقال لطلاب وأكاديميين على خلفية مشاركتهم في احتجاجات أو تعبيرهم عن مواقف سياسية داخل الحرم الجامعي؛ ما أدى إلى اتساع مناخ الخوف والرقابة الذاتية داخل المؤسسات التعليمية.
وتؤكد هذه النماذج أن تراجع الحرية الأكاديمية لم يعد قضية محلية أو فردية، بل ظاهرة تؤثر على إنتاج المعرفة واستقلال الجامعات عالميًا.
الحرية الأكاديمية كشرط للتنمية
ترى المنظمات الحقوقية والأكاديمية الدولية أن حماية الحرية الأكاديمية لا تمثل مطلبًا خاصًا بالنخب الجامعية فقط، بل هي شرط أساسي لبناء مجتمعات مستقرة ومتقدمة.
فالدول التي تحمي حرية التعبير والبحث العلمي تكون أكثر قدرة على الابتكار ومواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بينما يؤدي قمع الفكر إلى عزلة المؤسسات التعليمية وإضعاف الثقة المجتمعية.
وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات الدولية لإقرار قوانين تحمي استقلال الجامعات وحق الطلاب والأساتذة في التعبير الآمن، باعتبار أن حماية العقل الحر تمثل إحدى ركائز العدالة والديمقراطية والتنمية المستدامة.
الجامعات ليست مساحات صامتة
في حديثه لـ”صفر”، يؤكد المحامي والحقوقي مهند أبو طربوش، أن تصاعد قمع الحريات الفكرية والأكاديمية يشكل تهديدًا مباشرًا لحرية التعبير وتطور المعرفة داخل المجتمعات، موضحًا أن البيئة الأكاديمية يجب أن تبقى مساحة مفتوحة للنقاش الحر وتبادل الأفكار دون خوف أو تضييق.
ويشير أبو طربوش، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إلى أن استهداف الباحثين أو الأكاديميين بسبب آرائهم لا ينعكس على الأفراد فقط، بل يمتد أثره إلى المجتمع بأكمله، عبر إضعاف الإنتاج المعرفي وتقليص التفكير النقدي، ما يحد من قدرة الدول على التطور العلمي والمؤسسي.
ويرى أبو طربوش أن الحريات الأكاديمية تُعد امتدادا مباشرًا لحقوق الإنسان الأساسية، وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير وحق الوصول إلى المعلومات، وهي حقوق مكفولة دستوريًا ودوليًا باعتبارها أساس أي نظام ديمقراطي.
ويؤكد أن تقييد البحث العلمي أو فرض الرقابة داخل الجامعات يؤدي إلى خلق مناخ من الخوف والرقابة الذاتية، ما يضعف دور المؤسسات الأكاديمية في النقد والتحليل وكشف الاختلالات المجتمعية، معتبرا أن غياب هذه الحريات يفتح المجال أمام تراجع الشفافية وانتشار الفساد، نتيجة إضعاف النقد العلمي والإعلامي الذي يشكل أداة أساسية للإصلاح والمساءلة.
المعرفة كجزء من العدالة
شدد أبو طربوش على أن حماية الحرية الأكاديمية ليست ترفًا فكريًا أو مطلبًا نخبويًا، بل ضرورة حقوقية وإنسانية لضمان تطور المجتمعات واستقرارها، وأن احترام حرية الفكر والتعبير داخل المؤسسات التعليمية يشكل أساسًا لبناء بيئة معرفية سليمة، قادرة على دعم التنمية وتعزيز العدالة وسيادة القانون.
ولم يعد تراجع الحريات الأكاديمية مسألة تخص الجامعات وحدها، حسب ما كشفت المؤشرات الدولية، بل أصبح قضية تمس حق المجتمعات في المعرفة والتفكير الحر.
وعندما تتحول المؤسسات التعليمية إلى بيئات تخضع للخوف والرقابة، تتراجع قدرة المجتمعات على الابتكار والنقد والإصلاح، بل إن حماية الحرية الأكاديمية لا تمثل دفاعًا عن الأكاديميين فقط، إنما حماية لحق المجتمع بأكمله في المعرفة والتعددية والعدالة الفكرية.









