منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

اقتصاد الموت في تيغراي.. 600 ألف قتيل ومليون نازح والجوع يفتح أسواق الاتجار بالبشر

06 مايو 2026
آلاف النساء والأطفال يواجهون العنف في تيجراي
آلاف النساء والأطفال يواجهون العنف في تيجراي

لم تنتهِ الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي بتوقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022، بل غيّرت شكلها فقط، فبعد أن خفت صوت المدافع، ارتفع صوت الجوع، وفتحت المجاعة والنزوح والتمييز أبوابًا واسعة أمام شبكات الاتجار بالبشر، لتتحول أجساد الناجين وأحلامهم إلى “سلعة” في أسواق التهريب العابرة للحدود.

الحرب التي دارت بين 2020 و2022، وصُنّفت ضمن أكثر النزاعات دموية في القرن الحادي والعشرين، خلّفت، وفق تقديرات الاتحاد الإفريقي، ما لا يقل عن 600 ألف قتيل بين مدنيين ومقاتلين، بينما قدّر “معهد نيو لاينز” الأمريكي في تقريره الصادر يونيو 2024 أن عدد القتلى بلغ نحو 700 ألف شخص، بينهم 300 ألف مدني، هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم المأساة، بل تفسر كيف أصبح مجتمع بأكمله هشًّا أمام الاستغلال.

وبحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة الصادرة في مارس 2026، لا يزال أكثر من مليون شخص نازحين داخليًا في شمال إثيوبيا، بينهم مئات الآلاف من أبناء تيغراي الذين يعيشون في مخيمات مكتظة أو لدى مجتمعات مضيفة استنزفتها الحرب والفقر، وفي هذه البيئة المنهكة، يصبح الهروب خيارًا قاتلًا، لكنه يبدو للكثيرين أقل قسوة من البقاء.

في مخيم “هتسات” قرب شاير، حيث يعيش نحو 15 ألف نازح، تقول تقارير ميدانية إن قرابة نصف الأسر لديها فرد واحد على الأقل غادر عبر طرق التهريب نحو ليبيا أو السودان أو أوروبا، وبين هؤلاء، فتيات وشبان وقعوا في قبضة شبكات الاتجار، التي تستخدم الخطف، والابتزاز، والتعذيب، والاغتصاب لانتزاع الفدية من أسرهم.

بعض العائلات تتلقى مكالمات لأبنائها وهم يصرخون تحت التعذيب، بينما يُطلب منها آلاف الدولارات للإفراج عنهم.

اللاجئون والنازحون في تيغراي لم يعودوا فقط ضحايا حرب، بل ضحايا “اقتصاد حرب” جديد، يقوم على بيع البشر.

ففي أبريل 2026، أعلنت الشرطة الإثيوبية اعتقال متهم بإدارة شبكة اتجار بالبشر من مدينة شاير، قالت التحقيقات إنها تدير خمسة “مخازن احتجاز” في ليبيا، وتسببت في مقتل أكثر من 100 شخص، واعتدت جنسيًا على أكثر من 50 امرأة، وفق شهادات موثقة.

ومع استمرار التوترات السياسية والعسكرية داخل الإقليم، وعودة الاشتباكات المحدودة مطلع 2026، تتفاقم هشاشة السكان، فالخوف من عودة الحرب يدفع مزيدًا من الشباب إلى الفرار، بينما تستغل الشبكات الإجرامية هذا اليأس لتوسيع نفوذها.

تيغراي اليوم ليست فقط أرضًا خرجت من حرب، بل أرضًا معلّقة بين النزوح والجوع، بين الهدنة والانهيار، وبين الموت البطيء في المخيمات والموت السريع في طرق الهجرة.

المجاعة بوابة للعبودية

في تيغراي، لا يُقاس الجوع بعدد الوجبات فقط، بل بعدد الأجساد التي دفعتها المجاعة إلى طرق التهريب، وعدد النساء اللائي بعن ما تبقى من حياتهن مقابل النجاة.

خلال الحرب، اتهمت الأمم المتحدة والحكومات الغربية أطراف النزاع، وعلى رأسها الحكومة الإثيوبية، باستخدام “تجويع المدنيين” كسلاح حرب، عبر الحصار وقطع الخدمات الأساسية ومنع دخول المساعدات، وحتى بعد توقيع اتفاق السلام، لا تزال آثار هذه السياسة قائمة في حياة الناس اليومية، حيث لا يزال نقص الغذاء والدواء والخدمات يشكل واقعًا دائمًا في مناطق واسعة من الإقليم.

وفقًا لمعهد ميكيلي لبحوث الصحة العامة، ارتفعت معدلات سوء التغذية بين الأطفال والمراهقين دون 18 عامًا من 43% إلى 48% بين يوليو 2024 ويناير 2025، أما النساء الحوامل، فهن الأكثر تضررًا؛ إذ ارتفعت وفيات الأمهات إلى 840 وفاة لكل 100 ألف ولادة حية، مقارنة بـ186 فقط قبل الحرب، بحسب دراسات صحية محلية مدعومة أمميًا.

وتضاعفت وفيات الأطفال دون الخامسة، فيما ارتفعت وفيات حديثي الولادة أربعة أضعاف، ليست هذه مجرد أرقام صحية، بل مؤشرات على انهيار كامل للبنية الاجتماعية والاقتصادية، ما يدفع العائلات إلى اتخاذ قرارات يائسة: إرسال أبنائها إلى المجهول، أو تزويج القاصرات، أو القبول بأعمال قسرية عبر الحدود.

ويُعد الأطفال الأكثر هشاشة أمام هذه المعادلة القاسية، فوفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف”، يُعد الحرمان من المساعدات الإنسانية أحد “الانتهاكات الجسيمة الستة” ضد الأطفال في النزاعات المسلحة، لأنه يدفعهم إلى التجنيد، أو العمل القسري، أو الاستغلال الجنسي.

وفي بلد تصنّفه وزارة الخارجية الأمريكية ضمن المستوى الثاني في مكافحة الاتجار بالبشر، تتوسع دوائر الاستغلال الداخلي والخارجي، وسط ضعف مؤسسات إنفاذ القانون، وتعدد بؤر النزاع، وانشغال الدولة بأزماتها العسكرية والسياسية

نزوح وانتهاكات عابرة للحدود

النساء والأطفال في تيغراي هم الوجه الأكثر قسوة للحرب، والأكثر عرضة لما بعدها، ففي أثناء الحرب، وثّقت منظمات حقوقية دولية، بينها هيومن رايتس ووتش ووكالات أممية، حالات واسعة من الاغتصاب الجماعي، والاستعباد الجنسي، والزواج القسري، والانتهاكات القائمة على النوع الاجتماعي، وفي مرحلة ما بعد الحرب، لم تختفِ هذه الجرائم، بل انتقلت عبر طرق الهجرة والاتجار.

الفتيات اللواتي يهربن من المخيمات أو من الفقر غالبًا ما ينتهي بهن المطاف في شبكات الدعارة القسرية أو العمل المنزلي القسري في ليبيا، أو السودان، أما الأطفال، فيتعرضون للتجنيد، أو العمل القسري، أو الاحتجاز، أو الخطف.

ووفق بيانات الأمم المتحدة، فإن أكثر من 347 ألف انتهاك جسيم ضد الأطفال تم توثيقه عالميًا بين 2005 و2023 في مناطق النزاع، من بينها القتل، والتشويه، والتجنيد، والاختطاف، والعنف الجنسي، ومنع المساعدات.

وفي تيغراي تحديدًا، يعيش الأطفال في مخيمات مكتظة، محرومين من التعليم والرعاية الصحية. المدارس التي دُمّرت أو أُغلقت أثناء الحرب لم تُرمم بالكامل، فيما تتعرض المستشفيات لنقص حاد في الأدوية والمعدات.

كما تتعرض النساء النازحات للتمييز المركّب؛ فهن ضحايا الحرب، وضحايا الفقر، وضحايا شبكات التهريب، كثيرات منهن يُجبرن على “مقايضة” أجسادهن بالطعام أو الحماية أو المرور عبر الحدود.

سلام هش وعدالة غائبة

رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على توقيع اتفاق بريتوريا، فإن تيغراي لا تزال تعيش في منطقة رمادية بين الحرب والسلام.

فالاتفاق الذي نص على عودة النازحين، ونزع السلاح، وإعادة دمج المقاتلين، لم يُنفذ بالكامل، وحتى أبريل 2026، لم يشارك سوى 17 ألفًا فقط من أصل 274 ألف مقاتل سابق في برامج التسريح وإعادة الدمج، وفق بيانات رسمية إثيوبية.

كما لا تزال مناطق مثل ولكيت وغرب تيغراي تحت سيطرة قوى متنازع عليها، بينما تستمر القوات الإريترية في الوجود قرب الحدود، وفي يناير 2026، شهد الإقليم اشتباكات جديدة بين قوات تيغراي والقوات الفيدرالية، أعادت شبح الحرب إلى الواجهة

هذا الانسداد السياسي ينعكس مباشرة على المدنيين، فلا إعادة إعمار حقيقية، ولا تعويضات، ولا عدالة انتقالية فعالة، ولا محاسبة على الجرائم، وفي الفراغ الذي تتركه الدولة، تزدهر شبكات التهريب، والاقتصاد الأسود، والعنف المجتمعي.

وفي ظل غياب العدالة، يبقى المدنيون في تيغراي فريسة سهلة لكل شيء: الحرب، والجوع، والتمييز، والاتجار بالبشر والعالم الذي يكتفي بالمشاهدة.

الناجون على طرق الموت

قال الكاتب والحقوقي الإثيوبي أنور إبراهيم، إن الحرب في إقليم تيغراي والانهيار الاقتصادي الذي خلّفته شكّلا عاملًا مباشرًا في اتساع جرائم الاتجار بالبشر، مؤكدًا أن النزوح الجماعي، وغياب مؤسسات الحماية، وانهيار الخدمات الأساسية، دفعت آلاف الشباب والنساء والأطفال إلى الوقوع في قبضة شبكات التهريب والاستغلال.

وأشار إبراهيم في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إلى أن إقليم تيغراي تاريخيًا لم ينل نصيبًا عادلًا من التنمية والخدمات، موضحًا أنه حتى خلال فترة حكم جبهة تحرير تيغراي، جرى تجاهل تنمية الإقليم تحت مبرر إدارة الدولة بأكملها، ما أدى إلى تراكم أزمات البطالة، وضعف الخدمات، وارتفاع الأعباء الاقتصادية على السكان.

وأضاف أن الحرب فاقمت هذه الأزمات بشكل غير مسبوق، إذ عاد كثير من الشباب من المدن الكبرى إلى الإقليم ليجدوا أنفسهم أمام حصار خانق، وملاحقات أمنية، وضغوط للمشاركة في الحرب تحت شعارات “الدفاع عن العرق والأهل”، لافتًا إلى أن تدمير البنية التحتية من مدارس وجامعات ومؤسسات خدمية، جعل الهجرة –بدعم من الأقارب في الداخل والخارج– الخيار الأكثر شيوعًا للهروب من واقع مأساوي.

وأكد أن الملاحقات التي تعرض لها شباب تيغراي داخل الإقليم وخارجه، إلى جانب ما وصفه بتجاهل المنظمات الدولية لحجم الانتهاكات والضغوط، ساهمت في دفعهم إلى ركوب مخاطر الهجرة غير النظامية، والوقوع فريسة سهلة لتجار البشر.

وأشار إلى أن السياسات التمييزية والإقصائية داخل إثيوبيا لعبت دورًا كبيرًا في جعل النساء والأطفال والأقليات أكثر هشاشة أمام الاستغلال الجنسي، والعمل القسري، والتجنيد، موضحًا أن كثيرين باتوا يرون في الهجرة “المفر الوحيد”، دون التفكير في المخاطر التي قد تواجههم في الصحارى أو البحار، لأن ما عاشوه داخل بلادهم -بحسب تعبيره- “كان أقسى من أي مصير محتمل في الخارج”.

ورجّح إبراهيم أن جهود الحكومة الإثيوبية في مكافحة الاتجار بالبشر لا تزال حتى الآن “شعارات أكثر منها أفعالًا”، مشيرًا إلى أن شبكات التهريب تنشط من داخل المدن الكبرى مثل أديس أبابا وميكيلي، عبر شبكات منظمة دوليًا تعمل في تهريب الأموال والبشر.

وأكد أن التصدي لهذه الجرائم يتطلب تنسيقًا دوليًا وإقليميًا وداخليًا، لافتًا إلى أن الحكومة الإثيوبية بدأت مؤخرًا ملاحقة بعض شبكات الاتجار بالبشر وضبط عدد منها، “لكن ذلك غير كافٍ”، على حد قوله، في ظل استمرار الحروب والصراعات الداخلية التي توفر بيئة مثالية لازدهار هذه الأنشطة.

وأشار إلى أن شبكات الاتجار بالبشر تستغل المجاعة، والفقر، وانعدام الأمن لتجنيد الضحايا أو تهريبهم عبر مسارات متعددة، تبدأ من أديس أبابا، وميكيلي، وجنوب إثيوبيا، وأجزاء من إقليم أمهرا، مستهدفة الشباب الذين يمتلكون بعض المال ويبحثون عن فرصة للهروب من الحرب، وكذلك الفتيات الباحثات عن عمل.

وأنهى إبراهيم حديثه بالتأكيد على أن الحل يبدأ بتحقيق الاستقرار الداخلي ووقف الحروب والانتهاكات، وتوسيع الحريات، وتوفير فرص العمل للشباب، إلى جانب تسهيل الهجرة النظامية، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر عبر تعزيز الرقابة الحدودية، وإنشاء برامج تدريب وتمويل للمشروعات الصغيرة.

أزمة إنسانية معقدة

قال الإعلامي السوداني سيبويه يوسف إن الحرب الدائرة في إثيوبيا، ولا سيما في إقليم تيغراي، خلّفت واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في القارة الإفريقية، مشيرًا إلى أن النساء والأطفال والأقليات هم من يدفعون الثمن الأكبر في هذا الصراع، في ظل الانهيار المستمر للبنية التحتية، وتصاعد المجاعة، واتساع دائرة النزوح والانتهاكات.

وأشار يوسف، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إلى أن الصراع في تيغراي لم يعد مجرد نزاع داخلي محدود، بل تحوّل إلى أزمة إقليمية ذات تداعيات أمنية وإنسانية خطيرة، موضحًا أن استمرار الحرب، رغم محاولات التهدئة واتفاق بريتوريا، يهدد أمن واستقرار الدول المجاورة، ويضع المنطقة بأسرها على حافة انفجار جديد.

وأضاف أن إقليم تيغراي يعيش منذ سنوات تحت وطأة ما وصفه بـ”التمييز البنيوي”، لافتًا إلى أن سكان الإقليم يواجهون الترهيب والإقصاء في إطار بنية عرقية معقدة داخل إثيوبيا، حيث تتعامل الحكومة المركزية في أديس أبابا مع تيغراي باعتباره “خصمًا سياسيًا وأمنيًا”، خاصة في ظل حساسية موقعه الجغرافي وقربه من إريتريا.

وأكد يوسف أن فشل اتفاق بريتوريا عمّق الأزمة بدلًا من احتوائها، معتبرًا أن نتائجه على الأرض لا تزال “كارثية وثابتة”، وأن المدنيين ما زالوا يعيشون في حالة من “اللا حرب واللا سلم”، وسط نقص الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.

وأشار إلى أن سياسات الإقصاء والتمييز، إلى جانب تدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، حوّلت إثيوبيا إلى بيئة خصبة لازدهار شبكات الاتجار بالبشر، موضحًا أن هذه الشبكات تستهدف الفئات الأضعف، وتستغل طموحات الشباب ورغبتهم في النجاة للهروب عبر طرق التهريب الخطرة.

وأوضح أن مئات الآلاف من اللاجئين والنازحين باتوا يتنقلون بين الحدود السودانية، وأصبحوا عبئًا إضافيًا على السودان، رغم ما يمر به من أزمات داخلية وحرب، مشيرًا إلى أن شرق السودان لا يزال يستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين الإثيوبيين.

وأشار إلى أن الاتجار بالبشر يرتبط ارتباطًا مباشرًا بحرمان الإنسان من حقوقه الأساسية، مثل الغذاء، والمياه، والرعاية الصحية، وفرص العمل، مؤكدًا أن غياب هذه الحقوق يدفع الناس إلى الهروب أو الوقوع في قبضة الاستغلال.

وأضاف أن المجتمع الدولي مطالب بالتحرك العاجل، ليس فقط عبر تشديد الرقابة الحدودية، بل من خلال الضغط على الحكومات لتوفير حياة آمنة ومستقرة لمواطنيها، وتعزيز سيادة القانون والديمقراطية بوصفهما الضمان الحقيقي لحماية الإنسان.

وأنهى يوسف حديثه بالتأكيد على أن معالجة أزمة الاتجار بالبشر لا تبدأ من السواحل أو الحدود فقط، بل من الداخل، عبر مكافحة الفقر، وتحقيق العدالة، والاستثمار في المجتمعات المنهكة بالحروب، حتى لا يتحول البشر إلى فرائس سهلة في أسواق الاستغلال والعبودية الحديثة.