منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

اعتقال بلا تهمة.. تمديد احتجاز الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية يفاقم المخاوف على حياته

28 أبريل 2026
الطبيب حسام أبو صفية مدير مستشفى كمال عدوان
الطبيب حسام أبو صفية مدير مستشفى كمال عدوان

جزءاًر قرار محكمة إسرائيلية بتمديد احتجاز مدير مستشفى كمال عدوان في شمال قطاع غزة، الدكتور حسام أبو صفية، موجة جديدة من القلق الحقوقي، بعدما جاء من دون إعلان اتهام جنائي واضح بحقه، ووسط شكاوى من تدهور وضعه الصحي وحرمانه من العلاج.

ووفق ما أعلنته منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل في المضمون الذي نُقل عن الجلسة، فإن المحكمة المركزية في بئر السبع أقرت استمرار احتجازه بموجب قانون “المقاتلين غير الشرعيين”، وهو إطار قانوني يتيح احتجاز الفلسطينيين فترات طويلة من دون توجيه لائحة اتهام اعتيادية.

وكان مركز الميزان لحقوق الإنسان قد قال في 25 مارس 2025 إن محكمة بئر السبع صادقت على تمديد احتجازه ستة أشهر بموجب هذا القانون، من دون تقديم دليل اتهامي معلن، في حين أكدت في بيانات لاحقة أن أبو صفية ما يزال محتجزاً تعسفياً من دون تهمة رسمية.

رمزية خاصة في غزة

ويحمل اسم حسام أبو صفية رمزية خاصة في غزة؛ لأنه لم يكن مجرد طبيب أطفال، بل واحد من أبرز الوجوه الطبية التي ظلت تظهر من داخل كمال عدوان خلال الحصار والقصف المتواصلين على شمال القطاع.

وقد تحول خلال الأشهر الأخيرة من عام 2024 إلى صوت علني يحذر من انهيار المنظومة الصحية، ويوثق استهداف المستشفيات ونفاد الأدوية وخطر موت المرضى والأطفال والجرحى، ولهذا، لم يُنظر إلى اعتقاله باعتباره واقعة فردية تخص طبيباً واحداً، بل بوصفه جزءاً من سياق أوسع يتعلق باستهداف القطاع الصحي في غزة.

وقد قالت منظمة العفو الدولية إن القوات الإسرائيلية اقتحمت المستشفى في 27 ديسمبر 2024 واعتقلت أبو صفية مع عدد من أفراد الطاقم الطبي والمرضى، في عملية وضعت المستشفى الذي وصفته بأنه آخر مرفق رئيسي عامل في شمال غزة آنذاك، خارج الخدمة.

اعتقال أبو صفية

توضح منظمة الصحة العالمية أن اعتقال أبو صفية جاء في سياق غارة إسرائيلية واسعة على مستشفى كمال عدوان في أواخر ديسمبر 2024، وأنها فقدت الاتصال به بعد احتجازه مباشرة، ودعت إلى الإفراج الفوري عنه.

كما أشارت المنظمة إلى أن المستشفى تعرّض خلال المداهمة لأضرار بالغة، شملت المختبر ووحدات الجراحة والتخزين والأقسام التشغيلية، وأن إفراغه من المرضى والطواقم الصحية فاقم الانهيار الطبي في شمال غزة، حيث لم يبقَ آنذاك سوى مستشفى العودة بقدرة تشغيلية محدودة جداً.

ويضع هذا السياق قضية أبو صفية في إطار أوسع من تجريد الشمال من بنيته الصحية، ليس باعتبارها قضية احتجاز معزولة فقط.

اعتراض حقوقي واسع

على المستوى القانوني، فإن استمرار احتجاز الطبيب بموجب قانون “المقاتلين غير الشرعيين” يثير اعتراضاً حقوقياً واسعاً، فـمركز الميزان وصف هذا القانون في فبراير 2025 بأنه “قانون فصل عنصري” يسمح بالاحتجاز إلى أجل غير محدد تقريباً من دون ضمانات المحاكمة العادلة المعتادة، وحذر من استخدامه ضد أبو صفية رغم كونه طبيباً مدنياً ومديراً لمستشفى.

كما قال المركز إن موكله حُرم من مقابلة محامٍ لمدة 47 يوماً بعد اعتقاله، وهو ما عدّه انتهاكاً جسيماً لحقوق الدفاع الأساسية، ووفق المركز ذاته، فإن القاضي الإسرائيلي الذي نظر في التمديد لم يستند إلى اتهام معلن بجرائم محددة، بل إلى التصنيف العام الذي يتيحه هذا القانون.

وتصاعدت المخاوف أكثر بعدما أعلن محاموه ومنظمات حقوقية أنه يعاني من تدهور صحي داخل الاحتجاز، ففي 11 فبراير 2025، قال مركز الميزان إن أبو صفية أبلغ محاميه بتعرضه للتعذيب وسوء المعاملة داخل السجن، وبمعاناته من ظروف قاسية شملت التجويع والإهانة والحرمان من الرعاية الطبية، ما أدى إلى تراجع ملموس في حالته الجسدية.

وفي 16 أكتوبر 2025 أضاف المركز أن آثار التعذيب والتجويع كانت واضحة في صحته، وأن احتجازه بات يأخذ طابع “الرهينة” السياسية، لا المسار القضائي الطبيعي، وإذا كانت المعلومات الأحدث المنقولة عن أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل تتحدث عن حرمانه من أدويته وعلاجه في سجن النقب، فإن ذلك ينسجم مع سلسلة الشكاوى السابقة من الإهمال الطبي بحقه.

سياسة أوسع تطول الأسرى

من الجانب الفلسطيني، لا يُنظر إلى القضية باعتبارها ملفاً شخصياً فقط، بل باعتبارها جزءاً من سياسة أوسع تطول الأسرى والأطباء والعاملين في القطاع الصحي.

وتشير مؤسسة الضمير في إحصاءاتها المحدثة حتى أبريل 2026 إلى وجود 9600 أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية، بينهم 3532 معتقلاً إدارياً و342 طفلاً و84 امرأة، في حين تؤكد المؤسسات الفلسطينية أن قانون “المقاتلين غير الشرعيين” استُخدم على نطاق واسع ضد معتقلي غزة بصورة خاصة.

كما قال مركز الميزان إن 1650 معتقلاً من غزة كانوا محتجزين تحت هذا القانون، مع توثيق شهادات عن تعذيب وسوء معاملة. ومن هنا، ترى المؤسسات الفلسطينية أن ملف أبو صفية يختصر نمطاً أوسع من الاحتجاز التعسفي والإخفاء القانوني للفلسطينيين، خصوصاً من قطاع غزة.

أما المنظمات الحقوقية الدولية، فقد تبنت مواقف أكثر وضوحاً في المطالبة بالإفراج عنه، منظمة العفو الدولية أطلقت نداءً عاجلاً طالبت فيه بالإفراج الفوري وغير المشروط عن أبو صفية وعن جميع العاملين الصحيين الفلسطينيين المحتجزين تعسفياً، ووصفت اعتقاله بأنه تعسفي منذ البداية، مؤكدة أن اقتحام كمال عدوان واعتقال مديره جاءا ضمن هجمات أوسع على القطاع الصحي في شمال غزة.

كما شددت على أن العاملين في القطاع الطبي يتمتعون بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، وأن احتجازهم من دون تهمة وفي ظروف مسيئة يضاعف الانتهاك.

استهداف المنشآت الصحية

تذكّر هذه القضية بما وثقته منظمة الصحة العالمية من استهداف واسع للمنشآت الصحية والعاملين فيها في غزة، فالمنظمة قالت في بيانها المتعلق بكمال عدوان إنها تحققت من 654 هجوماً على مرافق الرعاية الصحية في غزة منذ أكتوبر 2023، أسفرت عن 886 قتيلاً و1349 جريحاً.

وضمن هذا المشهد، يصبح احتجاز طبيب بحجم ومكانة حسام أبو صفية جزءاً من أزمة كبرى تتعلق بحماية الرعاية الصحية نفسها أثناء الحرب، وليس فقط بحرية فرد واحد أو محاكمته.

وفي هذا السياق، ترى منظمات مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أن ما يجري في غزة لا يمكن فصله عن أنماط أوسع من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.

ورغم أن هيومن رايتس ووتش لم تصدر، بحسب ما وجدته في المصادر المفتوحة، بياناً مخصصاً لأبو صفية وحده، فإن تقريرها السنوي عن إسرائيل وفلسطين لعام 2026 وصف عام 2025 بأنه شهد تصعيداً في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وأعمالاً ذات طابع إبادي ضد الفلسطينيين في غزة، منها تدمير البنية التحتية الصحية وتجويع السكان والتهجير القسري.