في إحدى قرى ريف اللاذقية، اختفت شابة عشرينية أثناء توجهها إلى متجر قريب من منزل عائلتها.. وبعد ساعات من البحث، تلقت الأسرة اتصالاً مقتضباً من رقم مجهول يطالبها بالتوقف عن السؤال وعدم إبلاغ وسائل الإعلام.. لم تكن تلك الحادثة استثنائية في سوريا خلال عام 2025، بل تحولت إلى جزء من مشهد يومي مرعب تعيشه عشرات العائلات العلوية في الساحل السوري ومناطق أخرى، وسط تصاعد غير مسبوق في بلاغات اختفاء النساء والفتيات، في وقت تتحدث فيه منظمات حقوقية وأممية عن مؤشرات خطيرة على انهيار الأمن وتنامي الانتهاكات القائمة على الهوية الطائفية والجندرية.
توثيق حقوقي متزايد
وأكدت منظمة العفو الدولية في تقرير أنها وثقت اختطاف ما لا يقل عن 36 امرأة وفتاة علوية تتراوح أعمارهن بين ثلاث سنوات وأربعين عاماً في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة منذ فبراير 2025، مشيرة إلى أن بعض عمليات الاختطاف جرت في وضح النهار ومن أمام المنازل أو أثناء التنقل في الأسواق والطرقات العامة.
وقالت منظمة العفو الدولية إن عائلات الضحايا أبلغت عن تلقيها اتصالات تهديد وطلبات فدية من أرقام داخل سوريا وخارجها، بينها أرقام عراقية وتركية، بينما فشلت التحقيقات الرسمية في كشف مصير معظم المختطفات أو تحديد هوية الجناة بصورة واضحة، وأضافت المنظمة أن اثنتين فقط من النساء الموثقات تمكنتا من العودة إلى عائلتيهما حتى منتصف 2025، في حين بقيت بقية الحالات قيد الاختفاء.
قلق أممي وتحذيرات قانونية
وفي يوليو 2025 أعرب خبراء تابعون لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عن قلق بالغ إزاء ما وصفوه بالتقارير المروعة بشأن اختفاء واختطاف نساء وفتيات علويات في سوريا، وأكد بيان أممي أن ما لا يقل عن 38 امرأة وفتاة تعرضن للاختفاء أو الاختطاف في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص ودمشق وحلب خلال الأشهر الأولى من العام.
وأوضح خبراء الأمم المتحدة أن بعض الحالات تضمنت تهديدات مباشرة للعائلات لمنعها من الحديث علنا أو تقديم شكاوى، بينما أشارت تقارير أخرى إلى وجود شبهات تتعلق بالاتجار بالبشر والزواج القسري والعنف الجنسي، وشدد البيان على أن الاختفاء القسري والعنف القائم على النوع الاجتماعي خلال النزاعات قد يرقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي.
انهيار أمني متسارع
ويرتبط تصاعد حوادث الاختطاف بالتدهور الأمني الواسع الذي تشهده سوريا بعد أكثر من 14 عاماً من الحرب، ووفقاً لتحقيق نشرته وكالة رويترز في يونيو 2025 فإن ما لا يقل عن 33 امرأة وفتاة علوية تتراوح أعمارهن بين 16 و39 عاماً تعرضن للاختفاء أو الخطف منذ بداية العام، وسط اتهامات متبادلة بين القوى المسلحة المحلية وفصائل متشددة بالوقوف خلف تلك العمليات.
وربطت وكالة رويترز بين تصاعد الاختفاءات وبين موجة العنف الطائفي التي شهدها الساحل السوري في مارس 2025، والتي أسفرت، بحسب تحقيقات الوكالة، عن مقتل نحو 1500 مدني علوي خلال أيام قليلة، وأشارت الوكالة إلى أن مناطق واسعة في الساحل السوري شهدت عمليات قتل ميداني وتهجير قسري وهجمات انتقامية غذّت حالة الخوف الجماعي داخل المجتمع العلوي.
وتعاني الأجهزة الأمنية السورية من تراجع كبير في قدرتها على فرض السيطرة، في ظل تعدد القوى المسلحة وانتشار اقتصاد الحرب والجريمة المنظمة، ويؤكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعداً ملحوظاً في جرائم الخطف مقابل الفدية والاتجار بالبشر، خصوصاً في المناطق التي تشهد فراغاً أمنياً وضعفاً مؤسساتياً.
نساء في دائرة الخوف
وتقول ناشطات سوريات في تصريحات نقلتها وكالة أنباء المرأة إن النساء أصبحن أكثر الفئات شعوراً بالخوف في الساحل السوري، بعدما تحولت حوادث الاختفاء إلى هاجس يومي يدفع كثيراً من العائلات إلى فرض قيود صارمة على حركة الفتيات ومنعهن من التنقل بمفردهن.
وأكدت الناشطة السورية مروة عيسى أن النساء في سوريا يعشن حالة انعدام أمان غير مسبوقة، مشيرة إلى أن ظاهرة اختطاف النساء توسعت بصورة لافتة خلال العامين الأخيرين، وأضافت أن مسؤولية السلطات لا تقتصر على التحقيق في الجرائم، بل تشمل توفير الحماية ومنع تكرار الانتهاكات، معتبرة أن استمرار اختفاء النساء من أمام المنازل والأسواق يعكس انهياراً أخلاقياً وأمنياً خطيراً.
كما وصفت الناشطة خولة عويش ما يحدث بأنه دليل على وصول انعدام الأمن في سوريا إلى مرحلة خطرة، مؤكدة أن النساء من الأقليات الدينية أصبحن أكثر عرضة للاستهداف بسبب هوياتهن الطائفية، وطالبت المنظمات الدولية بمتابعة ملف المختطفات وممارسة ضغط جدي من أجل كشف مصيرهن ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
الأزمة في أرقام
وتشير بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن أكثر من 7.2 مليون امرأة وفتاة سورية يحتجن إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2025، بينما تعيش نسبة كبيرة منهن في ظروف نزوح وفقر وعنف متزايد.
وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن أكثر من 16.7 مليون شخص داخل سوريا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة خلال 2025، وهو أعلى رقم منذ بداية الأزمة السورية، كما أوضحت الأمم المتحدة أن أكثر من 90 في المئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، الأمر الذي أسهم في توسع شبكات الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر والزواج القسري.
وأشارت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن النساء والفتيات يواجهن مستويات مرتفعة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، خاصة في مناطق النزاعات والانفلات الأمني، حيث ترتفع مخاطر الاختطاف والاستغلال الجنسي والعمل القسري.
اتهامات بالعجز والتعتيم
وفي مقابل التقارير الحقوقية، نفت السلطات السورية وجود حملات منظمة تستهدف النساء العلويات، وقالت لجنة تحقيق حكومية في نوفمبر 2025 إن معظم البلاغات التي جرى تداولها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل تبين أنها غير دقيقة أو مرتبطة بخلافات عائلية وحالات هروب فردية.
غير أن منظمات حقوقية سورية اعتبرت تلك التصريحات محاولة للتقليل من خطورة الأزمة، وأكد اللوبي النسوي السوري أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا وثقت خلال 2025 حالات اختطاف وعنف جنسي بحق نساء علويات، مشيراً إلى أن بعض الحالات تضمنت فتيات قاصرات تعرضن للاحتجاز القسري والاعتداء.
كما حذّرت منظمات نسوية من أن غياب الشفافية الرسمية وعدم إعلان نتائج تحقيقات واضحة يزيدان من فقدان الثقة بين المجتمع المحلي والمؤسسات الأمنية، ويدفعان العائلات إلى التزام الصمت خوفاً من الانتقام.
شبهات اتجار بالبشر
وتثير طبيعة بعض الحالات مخاوف متزايدة من وجود شبكات منظمة للاتجار بالبشر تستغل الانهيار الأمني في سوريا، وأفادت تقارير حقوقية بأن بعض النساء اللواتي أفرج عنهن تحدثن عن تعرضهن للتخدير والاحتجاز والاعتداء الجنسي خلال فترة اختفائهن.
كما تحدثت شهادات موثقة عن نقل بعض الضحايا بين محافظات سورية أو تهريبهن إلى خارج البلاد عبر شبكات غير قانونية، وتقول منظمات حقوقية إن الفقر الحاد والانهيار الاقتصادي وغياب الرقابة الأمنية عوامل ساعدت على ازدهار أنشطة الاتجار بالبشر خلال السنوات الأخيرة.
ووفق تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول الاتجار بالبشر لعام 2025، لا تزال سوريا ضمن الدول التي تشهد أعلى مستويات المخاطر المتعلقة بالاستغلال الجنسي والعمل القسري وتجنيد النساء والفتيات من قبل جماعات مسلحة وشبكات إجرامية.
إفلات واسع من العقاب
ويرى حقوقيون أن أخطر ما تكشفه قضية اختفاء النساء العلويات ليس فقط حجم الانتهاكات، بل غياب المساءلة القانونية الحقيقية. وحتى الآن، لا توجد معلومات معلنة عن محاكمات جدية أو إدانات واضحة مرتبطة بملفات اختطاف النساء خلال 2025.
وأكدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا أن الإفلات من العقاب ما زال يمثل السمة الأبرز للمشهد السوري، سواء في ما يتعلق بالاختفاء القسري أو العنف الجنسي أو الجرائم الطائفية.
ويحذّر خبراء قانونيون من أن استمرار غياب العدالة يشجع على تكرار الانتهاكات، خصوصاً في ظل انتشار السلاح وتفكك مؤسسات الدولة وتعدد القوى المسيطرة على الأرض.
أزمة تتجاوز البعد الأمني
ولا تبدو قضية اختفاء النساء العلويات مجرد أزمة أمنية معزولة، بل تعكس تعقيدات أعمق يعيشها المجتمع السوري، تشمل الانقسامات الطائفية والتدهور الاقتصادي والانهيار الاجتماعي وتراجع منظومة العدالة والحماية.
وقالت منظمة النساء الآن للتنمية واللوبي النسوي السوري إن تصاعد حوادث الاختفاء والخطف خلال 2025 دفع عائلات عديدة إلى فرض قيود مشددة على حركة النساء والفتيات، خصوصاً في مناطق الساحل السوري، وسط مخاوف متزايدة من الانفلات الأمني واستمرار الإفلات من العقاب، كما أسهمت الانتهاكات المتكررة في تعميق الصدمات النفسية داخل المجتمعات المحلية، خاصة لدى العائلات التي تعيش حالة انتظار مفتوحة دون معرفة مصير بناتها أو الحصول على أي معلومات رسمية واضحة.
منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011، شهدت البلاد انتهاكات واسعة بحق النساء من مختلف المكونات الدينية والإثنية، شملت الاختطاف والاغتصاب والاستعباد الجنسي والزواج القسري والاتجار بالبشر، وبرزت قضية النساء الإيزيديات اللائي تعرضن للاستعباد على يد تنظيم داعش باعتبارها واحدة من أبشع الجرائم في المنطقة، بينما وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية خلال السنوات الماضية آلاف حالات الاختفاء القسري بحق نساء سوريات.
ومع استمرار النزاع وتفكك مؤسسات الدولة، باتت النساء أكثر عرضة للعنف والاستغلال، خصوصاً في البيئات التي تعاني الانقسام الطائفي والفقر والنزوح، وفي ظل تصاعد التقارير حول اختفاء النساء العلويات خلال 2025، تتزايد المخاوف من دخول سوريا مرحلة جديدة من الانتهاكات المركبة التي تستهدف النساء بوصفهن الحلقة الأضعف في مجتمع أنهكته الحرب والانقسامات.

