منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعادة تموضع «داعش».. كيف يختبئ إرهابيو «الذئاب المنفردة» على مرأى من الجميع؟

25 مايو 2026
صورة متداولة لأحد عناصر تنظيم داعش الإرهابي
صورة متداولة لأحد عناصر تنظيم داعش الإرهابي

كيفن كوهين

قدّمت قاعة المحكمة الفيدرالية في مانهاتن يوم 8 أبريل 2026 تشريحاً بارداً لمنظومة أمنية تحتضر.. فعندما أقرّ محمد شهزيب خان بذنبه في التخطيط لـ«مجزرة» مستوحاة من تنظيم داعش في بروكلين، لم يكن يعترف بجريمة فحسب، بل كان يكشف أيضاً الثغرة الهائلة فيما يُفترض أنه فن إدارة الأمن السيبراني الحديث.

كان خان شبحاً إدارياً بكل معنى الكلمة.. فبينما كانت الأجهزة الأمنية منشغلة بالتحقق من خلو سجله الجنائي من أي من سوابق ذلك النهج البيروقراطي القائم على “وضع علامة في الخانة المطلوبة”، كان الرجل يتحرك علناً.

طالب يبلغ من العمر 21 عاماً، حصل قبل عام واحد فقط على تصريح دراسة في كندا بعدما اعتُبر أنه “لا يحمل أي مؤشرات خطر”، قبل أن يتم توقيفه لاحقاً وهو يوزع دعاية لتنظيم داعش ويسعى لشراء بنادق هجومية من طراز AR بهدف حصد أكبر عدد من الضحايا في ذكرى السابع من أكتوبر.

محمد شاهزيب خان، الذي أقر بذنبه في التخطيط لهجوم مستوحى من تنظيم داعش في بروكلين، لم يكن لديه سجل جنائي سابق.
محمد شاهزيب خان، الذي أقر بذنبه في التخطيط لهجوم مستوحى من تنظيم داعش في بروكلين، لم يكن لديه سجل جنائي سابق.

لقد اجتاز إجراءات التدقيق لأن البيروقراطية الغربية أصبحت “مهذبة” أكثر مما ينبغي لمراقبة مسارات التطرف.

ما نشهده اليوم هو انهيار كارثي لنموذج أمني يتعامل مع الهجرة باعتبارها مجرد عقبة إدارية تُجتاز مرة واحدة.. نحن نتحقق من جوازات السفر، لكننا نتجاهل السردية الفكرية ومسار التحول الذي يمر به الفرد.. وهذا العمى ليس حالة استثنائية، بل نمط متكرر.

ففي مارس الماضي، تمكن محمد بيلور جالوه -وهو رجل سبق أن أُدين فيدرالياً بدعم تنظيم داعش- من دخول حرم جامعة “أولد دومينيون” وإطلاق النار هناك، وفي اليوم ذاته بمدينة ديترويت، اقتحم أيمن محمد غزالي، وهو متطرف أعلن ولاءه الفكري بنفسه، بسيارته حضانة تابعة لمعبد يهودي.

هؤلاء لم “يسقطوا بين الشقوق” كما يُقال عادة، بل جرى تمريرهم عبر الباب الأمامي لما يسمى بالحياة الإدارية الطبيعية.

مصطلح “الذئب المنفرد” الجهادي ليس سوى وصف كسول يخفي الحقيقة، فهؤلاء الأفراد ليسوا عناصر معزولة، بل يمثلون النقاط النهائية داخل شبكة سردية عالية التنظيم والدقة يديرها تنظيم داعش بصورة موزعة.

لقد نجح التنظيم في إعادة تقديم نفسه لأنه أدرك جيداً تردد المجتمعات الغربية العلمانية في مراقبة البنية السردية والفكرية لأتباعه.

لم يعد “داعش” يسعى إلى إقامة خلافة جغرافية في المشرق أو الشرق الأوسط كما في السابق، لقد تطور إلى ما يمكن وصفه بـ«الخلافة الافتراضية»، حيث تصبح الجغرافيا بلا أهمية، ويصبح ميدان المعركة الحقيقي هو المزاج الرقمي والمشاعر المتطرفة لدى المقيمين القانونيين داخل الغرب.

لقد تطور تنظيم داعش إلى "خلافة افتراضية" حيث لا أهمية للجغرافيا.
لقد تطور تنظيم داعش إلى “خلافة افتراضية” حيث لا أهمية للجغرافيا.

ولكي نتمكن من وقف هذا التهديد، علينا الانتقال من مجرد التحقق من جواز السفر إلى فهم أنماط السلوك الفردي، وهذا يتطلب تحولاً حقيقياً نحو مراقبة الخطاب المتطرف، وتتبع الأداء العدائي والخطير عبر المنتديات ومنصات التواصل الاجتماعي.

علينا رصد تسلسل السلوك الفردي والجماعي وأنماطه: الروابط، والشبكات، والإشارات الرقمية التي تحدث أمام الجميع بشكل علني.

إذا لم تكن ترصد الأداء السردي المتطرف على الإنترنت، وتتابع غرف الصدى الفكرية خارج الإنترنت، فأنت لا تمارس مكافحة الإرهاب، بل تكتفي بالأعمال الورقية.

والمفارقة الكبرى أننا بنينا دولة أمن قومي قادرة على جمع كل بايت من البيانات على وجه الأرض، ثم جعلنا أنفسنا قانونياً وثقافياً عاجزين عن قراءة ما تقوله هذه البيانات فعلياً.. نحن نعمل اليوم داخل ما يمكن تسميته بـ”منطق الفراغ”.

في أوستن، ارتكب نديغا دياغني - وهو مواطن متجنس عاش في الولايات المتحدة لأكثر من عقدين - جريمة قتل ثلاثية وهو يرتدي سترة رياضية مطبوع عليها عبارة "ملكية الله".
في أوستن، ارتكب نديغا دياغني – وهو مواطن متجنس عاش في الولايات المتحدة لأكثر من عقدين – جريمة قتل ثلاثية وهو يرتدي سترة رياضية مطبوع عليها عبارة “ملكية الله”.

نتعامل مع “الذئب المنفرد” المتأثر بداعش وكأنه خرج فجأة من العدم، كأنه خلل طارئ في شخص كان يبدو مسالماً؛ لأن الاعتراف بغير ذلك يعني الإقرار بأن منظومة التدقيق الأمني لدينا معطوبة من الأساس.

الدولة ما زالت تنظر إلى الأيديولوجيا باعتبارها “شبحاً خاصاً” لا يصبح خطراً حقيقياً إلا عندما يحمل صاحبه السلاح، لكن في عصر “الجهاد الموزع”، أصبحت الأيديولوجيا نفسها هي السلاح.

فبحلول اللحظة التي حمل فيها محمد شهزيب خان أو أيمن غزالي بندقية، كانت عملية الإرهاب قد اكتملت بنسبة ٩٠٪.

وفي أوستن ارتكب ندياغا دياني، وهو مواطن متجنس عاش في الولايات المتحدة لأكثر من عقدين، جريمة قتل ثلاثية، في حين كان يرتدي قميصاً كتب عليه “ملك لله”.

العنف الجسدي هنا ليس سوى النتيجة النهائية لمسار طويل وواضح ومرئي من الأداء السردي المتطرف الذي لم يراقبه أحد.

إذا واصلنا تجاهل تسلسل الانتماءات وآثار النشاط الرقمي في غرف الدردشة، وخطابات المظلومية داخل أماكن العبادة، والإيقاع التعبوي على وسائل التواصل الاجتماعي فنحن عملياً نمنح تصريحاً أمنياً لكل من يملك سجلاً جنائياً نظيفاً وروحاً متطرفة.

نحن لا نفشل فقط في منع الهجوم القادم، بل نوفر أيضاً الملاذ الإداري الذي يجعله ممكناً.

قام أيمن محمد غزالي، وهو متطرف أعلن نفسه كذلك، بصدم سيارته بروضة أطفال تابعة لكنيس يهودي في ديترويت.
قام أيمن محمد غزالي، وهو متطرف أعلن نفسه كذلك، بصدم سيارته بروضة أطفال تابعة لكنيس يهودي في ديترويت.

في القرن الحادي والعشرين، لم تعد السيادة تعني فقط من يعبر حدودك، بل من يتحكم في البنية السردية داخل هذه الحدود، وفي الوقت الراهن، لسنا نحن من يسيطر عليها.

العدو لم يتفوق على أجهزتنا الاستخباراتية بقدر ما تفوق على نظام يقدّس الأوراق الرسمية والسير الذاتية أكثر مما يهتم بأنماط السلوك البشري.

لقد حان الوقت لنتوقف عن النظر إلى جواز السفر، ونبدأ في مراقبة السلوك.

نقلاً عن نيويورك بوست