منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

خلال أربعة أشهر فقط

أزمة السلامة المهنية.. حوادث العمل في تركيا تحصد أرواح 622 عاملاً

06 مايو 2026
حوادث العمل

تتزايد المخاوف في تركيا من تدهور أوضاع السلامة المهنية، بعد تسجيل ارتفاع ملحوظ في وفيات العمال داخل مواقع العمل خلال الأشهر الأولى من عام 2026، في مؤشر يعكس تحديات عميقة تواجه بيئة العمل في مختلف القطاعات الإنتاجية، وتشير المعطيات إلى أن العمال يواجهون مخاطر يومية متزايدة، في ظل تساؤلات متصاعدة حول كفاءة إجراءات الحماية ومدى التزام المؤسسات بمعايير السلامة.

وبحسب تقرير صادر عن مجلس الصحة والسلامة المهنية في تركيا، فقد تم تسجيل ما لا يقل عن 189 حالة وفاة في أماكن العمل خلال شهر أبريل وحده، ليرتفع إجمالي عدد الوفيات إلى 622 حالة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام، وهو ما يعادل نحو 19 حالة وفاة يومياً، في رقم يعكس خطورة الوضع ويضع ملف السلامة المهنية في صدارة النقاش العام.

قطاعات عالية الخطورة

يكشف التقرير أن قطاع البناء لا يزال في صدارة القطاعات الأكثر خطورة داخل تركيا، حيث سجل 48 حالة وفاة خلال أبريل، نتيجة طبيعة العمل التي تتضمن مخاطر السقوط والانهيارات وضعف إجراءات الحماية في بعض المواقع، وجاء قطاع الزراعة والغابات في المرتبة الثانية بـ41 حالة وفاة، وهو ارتفاع لافت مقارنة بشهر مارس الذي سجل 21 حالة فقط، ما يشير إلى تأثير العوامل الموسمية وارتفاع درجات الحرارة على زيادة المخاطر في هذا القطاع.

وتوضح هذه الأرقام أن العمال في القطاعات اليدوية يواجهون تحديات يومية تتعلق بظروف العمل القاسية، ونقص التدريب أو المعدات الوقائية، ما يزيد من احتمالات وقوع الحوادث القاتلة.

أسباب الحوادث وتكرار المخاطر

يرجع التقرير الجزء الأكبر من الوفيات إلى حوادث المرور المرتبطة بالعمل، خاصة في قطاعي النقل والزراعة، حيث يتنقل العمال لمسافات طويلة في ظروف غير آمنة في كثير من الأحيان، كما احتلت حوادث السحق والانهيارات المرتبة الثانية، وظهرت بشكل واضح في قطاعات التعدين والنسيج والبناء وتشكيل المعادن، ما يعكس استمرار الاعتماد على بيئات عمل تفتقر إلى معايير السلامة الكافية.

وتشير هذه المعطيات إلى أن المشكلة في تركيا لا تقتصر على حوادث فردية، بل ترتبط بنمط متكرر من المخاطر المرتبطة بضعف الرقابة وتطبيق القوانين، إلى جانب غياب ثقافة السلامة في بعض أماكن العمل.

الفئات الأكثر هشاشة

يبرز التقرير بعداً إنسانياً مقلقاً، مع تسجيل وفاة 14 عاملة خلال شهر أبريل، توزعن على قطاعات مختلفة، أبرزها الزراعة والأعمال المكتبية والأعمال اليدوية، إضافة إلى قطاعي التعليم والرعاية الصحية، وتعكس هذه الأرقام اتساع دائرة المخاطر لتشمل النساء العاملات، في ظل ظروف عمل قد لا توفر الحماية الكافية.

كما وثق التقرير وفاة خمسة أطفال عاملين خلال الشهر نفسه، وهو ما يسلط الضوء على استمرار ظاهرة عمالة الأطفال في بعض القطاعات، رغم ما تمثله من انتهاك واضح للمعايير الدولية، ويثير تساؤلات حول فعالية السياسات الرامية إلى حماية القاصرين.

تحديات هيكلية في بيئة العمل

تعكس هذه الأرقام وجود مشكلات هيكلية في منظومة السلامة المهنية في تركيا، حيث يسهم ضعف التفتيش على أماكن العمل، وعدم الالتزام الصارم بمعايير السلامة، في تكرار الحوادث، كما أن الضغوط الاقتصادية قد تدفع بعض الشركات إلى تقليل الإنفاق على إجراءات الحماية، ما يزيد من المخاطر التي يتعرض لها العمال.

وتؤكد تقارير اقتصادية أن تحسين بيئة العمل يتطلب تعزيز الرقابة الحكومية، وتطبيق قوانين أكثر صرامة، إلى جانب رفع مستوى الوعي لدى أصحاب العمل والعمال بأهمية السلامة المهنية.

انعكاسات اقتصادية واجتماعية

لا تقتصر آثار هذه الحوادث على الخسائر البشرية فقط، بل تمتد إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة، حيث تفقد أسر كثيرة معيلها الأساسي، ما يزيد من الضغوط المعيشية، ويؤثر في الاستقرار الاجتماعي. كما تؤدي الحوادث المتكررة إلى تراجع الإنتاجية وزيادة التكاليف على الشركات والدولة، نتيجة التعويضات والخسائر الناتجة عن توقف العمل واستمرار هذه الأوضاع قد يؤثر سلباً على صورة سوق العمل في تركيا، خاصة في القطاعات التي تعتمد على العمالة الكثيفة، ما قد يحد من جاذبية الاستثمار في بعض المجالات.

تعد قضايا السلامة المهنية من التحديات المستمرة في العديد من الاقتصادات الناشئة، حيث تتداخل عوامل مثل النمو السريع، وضعف الرقابة، والضغوط الاقتصادية في تشكيل بيئة عمل محفوفة بالمخاطر، وفي تركيا، شهدت السنوات الأخيرة تزايداً في الاهتمام بهذا الملف، إلا أن التقارير الدورية تشير إلى استمرار الفجوات بين التشريعات والتطبيق الفعل، وتؤكد منظمات دولية مثل منظمة العمل الدولية أن الحد من حوادث العمل يتطلب نهجاً متكاملاً يشمل التشريعات والرقابة والتدريب، إضافة إلى تعزيز ثقافة السلامة داخل المؤسسات، لضمان حماية العمال وتقليل الخسائر البشرية.