منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أزمات الخدمات الأساسية في ليبيا.. الكهرباء والسيولة والوقود تدفع المواطنين إلى حافة المعاناة

23 أغسطس 2026
أزمة السيولة النقدية في ليبيا
أزمة السيولة النقدية في ليبيا

تتواصل معاناة المواطنين في ليبيا مع تداخل أزمات الكهرباء والوقود والسيولة النقدية والخدمات الصحية والمصرفية، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين الاحتياجات اليومية للسكان وقدرة المؤسسات العامة على توفير الخدمات الأساسية، ولم تعد هذه الأزمات تقتصر على انقطاع التيار الكهربائي أو صعوبة الحصول على النقد، بل امتدت لتؤثر في الرعاية الصحية والأمن الغذائي والحركة الاقتصادية، في وقت تؤكد فيه منظمات حقوقية وأممية أن استمرار تعثر الخدمات الأساسية يهدد جملة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية المكفولة بموجب القانون الدولي.

وقالت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، في بيان، إن الأوضاع الإنسانية والمعيشية شهدت تدهوراً متسارعاً نتيجة الانقطاعات المتكررة للكهرباء، ونقص الوقود، وتراجع الخدمات الصحية والعامة، إضافة إلى استمرار أزمة السيولة في المصارف المحلية وتدهور الأوضاع الأمنية وارتفاع معدلات الجريمة.

وأكدت المؤسسة أن سوء إدارة المرافق العامة والموارد أدى إلى تعميق معاناة المواطنين، مطالبة السلطات التنفيذية والتشريعية ومصرف ليبيا المركزي باتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة الأزمة وضمان استمرارية الخدمات الأساسية.

الكهرباء في قلب الأزمة

أصبحت أزمة الكهرباء إحدى أكثر القضايا تأثيراً في الحياة اليومية لليبيين، إذ تتكرر ساعات انقطاع التيار في عدد من المدن، خصوصاً خلال فصل الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الطلب على الطاقة، وتنعكس هذه الانقطاعات على عمل المستشفيات ومحطات ضخ المياه والأنشطة التجارية، كما تؤثر بصورة مباشرة في الأسر التي تواجه صعوبة في حفظ الأغذية وتشغيل الأجهزة الطبية المنزلية.

وأوضحت الشركة العامة للكهرباء أن الطلب على الطاقة الكهربائية يتجاوز في فترات الذروة القدرة الإنتاجية المتاحة، نتيجة تقادم عدد من محطات التوليد، وتأخر تنفيذ مشروعات جديدة، وارتفاع الاستهلاك، فضلاً عن الأعطال الفنية والاعتداءات التي تتعرض لها بعض مكونات الشبكة داخل ليبيا.

وتشير بيانات الشركة إلى أن الطلب على الكهرباء خلال ذروة الصيف تجاوز في بعض الأيام 8 آلاف ميجاوات، في حين ظلت القدرة المتاحة أقل من ذلك، ما فرض تطبيق برامج لطرح الأحمال.

وأكدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أن استقرار خدمات الكهرباء يمثل أحد المتطلبات الأساسية لتحسين الظروف الإنسانية والاقتصادية، داعية إلى حماية البنية التحتية الحيوية وضمان استمرار عملها بعيداً عن التجاذبات السياسية.

السيولة النقدية تعمق الضغوط المعيشية

تمثل أزمة السيولة النقدية وجهاً آخر للمعاناة اليومية، إذ يضطر المواطنون إلى الانتظار لساعات أو أيام أمام المصارف للحصول على مبالغ محدودة لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في حين اتجه كثيرون إلى استخدام البطاقات المصرفية أو خدمات الدفع الإلكتروني رغم ارتفاع تكاليف بعض المعاملات.

وأوضح مصرف ليبيا المركزي، في مناشير رسمية، أن احتفاظ بعض التجار ورجال الأعمال بكميات كبيرة من النقد خارج الجهاز المصرفي أدى إلى تفاقم الأزمة، مشيراً إلى أن الأموال المكتنزة خارج البنوك تقدر بنحو 28 مليار دينار ليبي، وهو ما يقلل من فعالية عمليات ضخ السيولة داخل المصارف التجارية ويؤثر في دورة النقد داخل الاقتصاد.

وأضاف المصرف أن إجراءات خفض سقوف السحب النقدي جاءت للحفاظ على استقرار السيولة والاحتياطيات، في حين يرى مواطنون أن استمرار الأزمة يفرض عليهم أعباءً إضافية، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

الوقود والخدمات الصحية تحت الضغط

رغم امتلاك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في إفريقيا، لا تزال محطات الوقود تشهد بين الحين والآخر نقصاً في الإمدادات وازدحاماً على محطات التوزيع، نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد، والتحديات الأمنية، وأعمال التهريب، وهو ما يؤثر في حركة النقل وإمدادات السلع والخدمات.

وأكدت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان أن نقص الوقود وانقطاع الكهرباء أثرا بصورة مباشرة في عمل المرافق الصحية، في حين تواجه المستشفيات تحديات إضافية تتعلق بتوفير المعدات والأدوية واستمرار تشغيل الأجهزة الطبية، خصوصاً في المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية.

وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن ليبيا ما زالت تواجه تحديات كبيرة في ضمان وصول جميع السكان إلى خدمات صحية متكاملة، نتيجة استمرار الانقسام المؤسسي وتفاوت الخدمات بين المناطق، مؤكدة أن تعزيز الرعاية الصحية الأولية وتحسين البنية التحتية الصحية يمثلان أولوية إنسانية.

 أرقام تعكس حجم التحديات

أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن نحو 1.5 مليون شخص في ليبيا يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية أو الحماية خلال عام 2025، في حين يضم البلد أكثر من 824 ألف مهاجر ولاجئ وطالب لجوء وفق المنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهو ما يزيد الضغط على الخدمات العامة في عدد من المناطق.

وأشارت المنظمة الدولية للهجرة إلى أن ليبيا لا تزال تستضيف مئات الآلاف من العمال والمهاجرين الذين يعتمدون أيضاً على البنية التحتية والخدمات المحلية، في وقت تعاني فيه المؤسسات العامة من ضغوط تشغيلية ومالية مستمرة.

وأضاف البنك الدولي أن الاقتصاد الليبي يظل شديد الاعتماد على عائدات النفط، الأمر الذي يجعل الخدمات العامة عرضة للتأثر بأي اضطرابات في الإنتاج أو الصادرات أو الإنفاق العام، رغم تحقيق البلاد معدلات نمو قوية في بعض السنوات بفضل تعافي إنتاج النفط.

حقوق الإنسان والخدمات الأساسية

أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن الحصول على المياه والكهرباء والرعاية الصحية والخدمات المصرفية الأساسية يرتبط ارتباطاً مباشراً بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي يكفلها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والذي انضمت إليه ليبيا.

وأوضحت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن الدول تتحمل مسؤولية ضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية لجميع السكان، حتى في ظل الأزمات السياسية أو الاقتصادية، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر ضعفاً، ومنها الأطفال وكبار السن وذوو الإعاقة والمرضى.

كما دعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد العامة، ما يضمن تحسين الخدمات الأساسية وتحقيق الاستقرار المؤسسي.

جذور الأزمة

ترتبط أزمة الخدمات الحالية بسلسلة من التطورات التي شهدتها ليبيا منذ عام 2011، إذ أدى الانقسام السياسي والمؤسسي، وتعدد مراكز القرار، وتكرار النزاعات المسلحة، إلى إضعاف قدرة المؤسسات العامة على تنفيذ خطط الصيانة والتطوير، كما أثرت الأزمات الأمنية في شبكات الكهرباء والمياه والنقل والخدمات الصحية.

ورغم تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية مع ارتفاع إنتاج النفط خلال السنوات الأخيرة، فإن تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي تشير إلى أن تعافي الاقتصاد لم ينعكس بصورة متوازنة على جودة الخدمات العامة، بسبب استمرار التحديات المؤسسية وضعف الاستثمار في البنية التحتية.

تكشف أزمة الخدمات الأساسية في ليبيا أن معاناة المواطنين لا ترتبط بمرفق واحد، بل بمنظومة متشابكة تشمل الكهرباء والوقود والمياه والمصارف والصحة والأمن. وتؤكد بيانات المؤسسات الليبية والمنظمات الدولية أن معالجة هذه الأزمة تتطلب إصلاحات مؤسسية وإدارية متزامنة، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتعزيز الشفافية، وضمان استمرار الخدمات الأساسية باعتبارها حقوقاً يكفلها القانون الدولي، ما يخفف الأعباء الإنسانية عن ملايين الليبيين الذين يواجهون يومياً تحديات الحصول على أبسط مقومات الحياة.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان