تشهد نيجيريا تصاعدا لافتا في وتيرة العنف المسلح وانعدام الأمن، في ظل تداخل أزمات أمنية متعددة تشمل تمردا ممتدا ونشاطا متزايدا لعصابات الخطف ونزاعات محلية، ما يجعل البلاد واحدة من أكثر بؤر التوتر تعقيدا في القارة الإفريقية، وفق بيانات مرصد النزاعات المسلحة “أكليد” وتقارير حكومية نيجيرية حديثة.
وتشير تقديرات مرصد النزاعات المسلحة، إلى مقتل نحو 4518 شخصا خلال عام 2025 في أعمال عنف مرتبطة بالجماعات الدينية المتشددة، وهو أعلى رقم منذ عام 2015، ما يعكس عودة التصعيد إلى مستويات مقلقة بعد سنوات من العمليات العسكرية المكثفة.
أزمة أمنية متعددة المستويات
تؤكد بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة أن نحو 8.3 مليون شخص في شمال شرق نيجيريا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال 2025، نتيجة تداخل النزاعات بين جماعات مسلحة وتمرد جهادي وصراعات محلية، وهو ما يعمق من هشاشة الأوضاع المعيشية للسكان.
ويمتد المشهد الأمني إلى ما هو أبعد من تمرد جماعة “بوكو حرام”، حيث تنشط عصابات مسلحة تعرف محلياً بقطاع الطرق في شمال غرب البلاد، وتنفذ عمليات خطف جماعي تستهدف المدنيين مقابل فدى مالية، في حين تتواصل النزاعات بين المزارعين والرعاة في مناطق الوسط، وفق تقارير البنك الدولي.
جذور تاريخية ممتدة للصراع
يعود تمرد الجماعات الدينية المتشددة في نيجيريا إلى عام 2009، عندما شنت جماعة بوكو حرام انتفاضة مسلحة في شمال شرق البلاد، قبل أن تتوسع وتسيطر على مساحات واسعة في ذروة قوتها بين عامي 2013 و2015، بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وتشير المفوضية إلى أن النزاع أدى إلى نزوح أكثر من 2.7 مليون شخص داخليا، إضافة إلى لجوء مئات الآلاف إلى دول الجوار مثل النيجر وتشاد والكاميرون، ما حَوّل الأزمة إلى تهديد إقليمي ممتد.
ارتفاع الخسائر البشرية
تشير بيانات مرصد أكليد إلى أن ولاية بورنو، التي تعد مركزا رئيسيا للتمرد، شهدت مقتل أكثر من 500 مدني خلال 2025، مقارنة بنحو 299 في العام السابق، في مؤشر واضح على تصاعد استهداف المدنيين في نيجيريا.
كما سجلت تقارير صادرة عن وزارة الدفاع النيجيرية مقتل ضباط كبار في الجيش خلال عمليات ميدانية، وهو ما يعكس تحولا في تكتيكات الجماعات المسلحة نحو استهداف القيادات العسكرية بشكل مباشر.
تطور قدرات الجماعات المسلحة
تفيد تقارير معهد الدراسات الأمنية في إفريقيا بأن الجماعات المرتبطة بتنظيم داعش في غرب إفريقيا وتنظيمات أخرى في منطقة الساحل طورت قدراتها القتالية بشكل ملحوظ خلال 2025، مستخدمة تقنيات حديثة مثل الطائرات المسيّرة وأجهزة الرؤية الليلية.
كما أشارت تقارير ميدانية إلى أن هذه الجماعات باتت تتحرك بحرية نسبية في المناطق الحدودية بين نيجيريا والنيجر وبنين، ما يسهل عمليات التنقل وإعادة التموضع، ويعقد جهود القوات الحكومية في ملاحقتها.
تمدد جغرافي مقلق
يحذّر خبراء وباحثون في الشأن الأمني من أن نطاق نشاط الجماعات المسلحة في نيجيريا لم يعد محصورا في الشمال الشرقي كما كان خلال سنوات ذروة تمرد “بوكو حرام”، بل بات يشهد تمددا واضحا نحو مناطق جديدة في الشمال الغربي، خصوصا في ولايات كيبي وزمفارا وسوكوتو وكادونا، وفق تقارير معهد الدراسات الأمنية في إفريقيا ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، ويشير هذا التحول إلى تغير في خرائط الصراع داخل البلاد، حيث أصبحت الجماعات المسلحة تعتمد بشكل متزايد على البيئات الريفية الواسعة ذات الكثافة السكانية المتفرقة وصعوبة الوصول الأمني.
وتوضح تحليلات صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن هذا التوسع الجغرافي يرتبط بعوامل متعددة، من بينها ضعف وجود الدولة في بعض المناطق الريفية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة بين الشباب، ما يوفر بيئة خصبة للتجنيد والانخراط في الجماعات المسلحة، كما تؤكد تقارير البنك الدولي أن تداعيات انعدام الأمن في هذه المناطق لم تعد محصورة في الجانب الأمني فقط، بل امتدت لتشمل تعطيل النشاط الزراعي والتجاري وارتفاع معدلات النزوح الداخلي.
وفي السياق ذاته، تشير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن تصاعد الهجمات في الشمال الغربي تزامن مع زيادة عمليات الخطف الجماعي وفرض الإتاوات على القرى والطرق الريفية، وهو ما أدى إلى تراجع حركة السكان بين المدن والقرى بشكل ملحوظ، كما أفادت منظمة العفو الدولية في تقاريرها بأن المدنيين في هذه المناطق يعيشون تحت تهديد دائم نتيجة غياب الحماية الأمنية الكافية، ما يفاقم من حالة الخوف وعدم الاستقرار.
وتحذر تحليلات صادرة عن مركز أبحاث الصراع المسلح “أكليد” من أن استمرار هذا التمدد قد يؤدي إلى فتح جبهات جديدة للصراع في غرب ووسط نيجيريا، وهو ما قد يضاعف الضغط على القوات المسلحة النيجيرية التي تخوض بالفعل عمليات في أكثر من محور قتالي، وتضيف التقارير أن الجماعات المسلحة باتت تستفيد من الطبيعة الجغرافية الوعرة وضعف البنية التحتية الأمنية لتوسيع نطاق تحركاتها، ما يجعل احتواء الأزمة أكثر تعقيدا ويزيد من احتمالات تحولها إلى صراع طويل الأمد متعدد البؤر.
تحديات أمام الاستراتيجية الحكومية
تواجه الحكومة النيجيرية بقيادة الرئيس بولا تينوبو ضغوطا متزايدة لاحتواء الوضع الأمني، خاصة مع اقتراب الانتخابات، حيث تميل معدلات العنف إلى الارتفاع في مثل هذه الفترات، وفق تحليلات أمنية محلية.
وتشير تقارير وزارة الدفاع النيجيرية إلى أن الجيش كثف عملياته منذ إعلان حالة الطوارئ في بعض المناطق، إلا أن خبراء يرون أن استراتيجية تركيز القوات في معسكرات محصنة منذ عام 2019 تركت مساحات واسعة من المناطق الريفية دون حماية كافية.
انتقادات حقوقية
أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها من استمرار الانتهاكات بحق المدنيين، مشيرة إلى أن الهجمات تستهدف قرى بأكملها وتؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا دون محاسبة كافية للمسؤولين.
كما أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن ضعف آليات المساءلة يشجع على تكرار الانتهاكات، سواء من قبل الجماعات المسلحة أو في بعض الحالات من قبل قوات الأمن، داعية إلى إصلاحات جذرية في قطاع العدالة.
تؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن ملايين الأطفال في شمال شرق نيجيريا يواجهون أوضاعا إنسانية صعبة، حيث يعاني عدد كبير منهم من سوء التغذية الحاد وغياب الخدمات التعليمية.
كما تشير تقارير منظمة “أطباء بلا حدود” إلى أن مخيمات النازحين تعاني من اكتظاظ شديد ونقص في المياه والرعاية الصحية، ما يزيد من خطر انتشار الأمراض، خاصة في ظل ضعف البنية التحتية الصحية.
تداعيات اقتصادية واجتماعية
تشير بيانات البنك الدولي إلى أن استمرار العنف أثّر بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي، خاصة في القطاعات الزراعية التي يعتمد عليها ملايين السكان، حيث أدت الهجمات إلى تعطيل الإنتاج وارتفاع أسعار الغذاء.
كما أسهم انعدام الأمن في زيادة معدلات الفقر والبطالة، ما يخلق بيئة خصبة لتجنيد الشباب في الجماعات المسلحة، وفق تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
تعاون دولي
عززت نيجيريا تعاونها مع شركائها الدوليين، خاصة الولايات المتحدة، في مجالات التدريب العسكري وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وفق بيانات وزارة الخارجية الأمريكية.
كما تواصل القوة متعددة الجنسيات المشتركة في منطقة بحيرة تشاد عملياتها بالتنسيق مع دول الجوار، في محاولة للحد من تحركات الجماعات المسلحة عبر الحدود.
إطار قانوني دولي تحت الاختبار
يشدد خبراء القانون الدولي الإنساني على أن استمرار استهداف المدنيين يمثل انتهاكا واضحا للقانون الدولي، خاصة مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين.
ودعت المفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى ضرورة احترام هذه القواعد وضمان حماية السكان، مؤكدة أن الإفلات من العقاب يقوض أي جهود لتحقيق الاستقرار.
تشير مجمل المعطيات إلى أن نيجيريا تواجه تحديا مركبا يتجاوز البعد الأمني ليشمل أبعادا إنسانية واقتصادية وسياسية، في ظل تزايد نفوذ الجماعات المسلحة وتوسع نطاق عملياتها.
ومع استمرار هذه الاتجاهات خلال عام 2025، تُحذّر تقارير أممية من أن غياب حلول شاملة قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة، ما يضع البلاد أمام اختبار حاسم لقدرتها على استعادة الاستقرار وحماية ملايين المدنيين من دوامة العنف المستمرة.

