منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

خلف أبواب الصفوف..العقاب الجسدي يهدد حق الأطفال في تعليم آمن

22 أكتوبر 2026
خلف أبواب الصفوف..العقاب الجسدي يهدد حق الأطفال في تعليم آمن
خلف أبواب الصفوف..العقاب الجسدي يهدد حق الأطفال في تعليم آمن

بيدها اليسرى الموضوعة في جبيرة، خرجت حبيبة محمود عاطف، تلميذة الصف الخامس الابتدائي بمدرسة الشروق في محافظة السويس المصرية، من يوم دراسي انتهى بإصابة لم تكن تتوقعها داخل فصلها.

فبحسب البلاغ الذي تقدم به والدها في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تعرضت الطفلة للضرب بعصا خشبية على يد معلمتها أثناء مزاحها مع زميلاتها، فيما أظهر الفحص الطبي إصابتها بشرخ في اليد.

وبعد تداول شكوى الأسرة على مواقع التواصل الاجتماعي، تحركت الأجهزة الأمنية لفحص الواقعة. وفي 13 أكتوبر/تشرين الأول، صدر قرار بإيقاف المعلمة عن العمل وإحالة القضية إلى النيابة العامة، وفق تقارير مصرية أفادت أيضا بأن المعلمة أقرت بالواقعة عند مواجهتها، على أن تحدد الإجراءات القانونية المسؤولية النهائية.

وقبلها بيومين، كشفت وزارة الداخلية المصرية ملابسات مقطع مصور أظهر مدرساً يضرب طالبين داخل مدرسة بمحافظة سوهاج، قبل أن يصفع أحدهما المدرس داخل مكتب المدير.

تعيد الواقعتان طرح قضية تتجاوز محاسبة معلم بعد وقوع الاعتداء، إلى مسؤولية المؤسسات التعليمية عن منع العنف، وتوفير آليات آمنة للإبلاغ عنه، وضمان ألّا يفقد الطفل حقه في السلامة والكرامة عندما يخالف قواعد الصف.

العنف المدرسي.. مؤشرات من تونس والمغرب

أرقام تكشف جوانب من الظاهرة

في تونس أظهرت نتائج مسح عرضت في فبراير/شباط 2026 أن 28.4% من الطلبة المشمولين بالدراسة تعرضوا لعنف جسدي، منهم 12.5% مرة واحدة و15.9% بصورة متكررة.

وفي المغرب، أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني تسجيل 7836 قضية مرتبطة بجرائم داخل المؤسسات التعليمية أو في محيطها خلال الموسم الدراسي 2025–2026، وتوقيف 8466 شخصاً. وتشمل هذه البيانات جرائم متنوعة، ولا تمثل إحصاء خاصاً بالعقاب الجسدي الذي يمارسه المعلمون.

وعالمياً، تقدر منظمة الصحة العالمية تعرض نحو 1.2 مليار طفل للعقاب البدني داخل المنزل سنوياً، وتحذّر أيضاً من استمرار العقاب الجسدي في بعض البيئات المدرسية. ورغم اختلاف نطاق هذه المؤشرات، فإنها تبرز الحاجة إلى رصد العنف ضد الأطفال والوقاية منه، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع الوقائع التي تنتشر صورها.

من حق الطفل أن يتعلم دون خوف

الانضباط لا يبرر الإيذاء

يرى المحامي التونسي والخبير في القانون الدولي حازم القصوري أن حماية الأطفال من العقاب الجسدي داخل المدارس التزام تفرضه اتفاقية حقوق الطفل، ولا سيما المادة 19 المتعلقة بالحماية من جميع أشكال العنف، والمادة 28 التي تشترط أن تتفق إجراءات الانضباط المدرسي مع كرامة الطفل الإنسانية.

ويؤكد القصوري، في حديث لـ«صفر»، أن واجب الدولة لا يقتصر على سن القوانين، بل يشمل تطبيقها وتدريب المعلمين على بدائل التأديب غير العنيف، وتوفير قنوات آمنة للإبلاغ والتحقيق، مؤكدا أن الاعتداء على طفل داخل مؤسسة تعليمية يستوجب تحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات التأديبية أو القضائية المناسبة وفق القانون الوطني، مع حماية الطفل من الانتقام وتوفير الدعم اللازم له.

فالطالب لا يفقد حقه في السلامة الجسدية والنفسية عندما يخطئ، كما أن سلطة المعلم في إدارة الصف لا تمنحه حق إيذاء الأطفال أو إذلالهم، ولا تكتمل المساءلة بمجرد معاقبة المعتدي، بل تشمل معرفة ما إذا كانت هناك شكاوى سابقة، وما إذا كان الطفل يستطيع العودة إلى مدرسته دون خوف.

إصابة لا تنتهي عند الجيرة.. الأثر النفسي للعقاب الجسدي

آثار قد تتجاوز الإصابة الجسدية

توضح مستشارة الصحة النفسية لارا معايطة أن العقاب الجسدي قد يضعف شعور الطفل بالأمان وثقته بالمعلمين، ويولد لديه الخوف والقلق، وقد ينعكس على سلوكه في صورة عدوانية أو انسحاب وعزلة.

وتشير، في حديث لـ«صفر»، إلى أن هذه التجارب قد تؤثر في التركيز والتحصيل الدراسي، وتجعل المدرسة مصدراً للتهديد بدلاً من التعلم، فيما قد تستمر بعض آثارها على المدى الطويل، خصوصاً مع تكرار العنف أو غياب الدعم النفسي المناسب.

وتؤكد معايطة أهمية استبدال العقاب الجسدي بأساليب تربوية تراعي عمر الطفل واحتياجاته، وتعتمد على الحوار والتشجيع والقواعد السلوكية الواضحة، إلى جانب تدريب المعلمين وتعزيز التواصل بين المدرسة والأسرة وتقديم الدعم النفسي عند الحاجة.

ثقافة الضرب تعوق الحماية

من جانبها، تربط الخبيرة الاجتماعية الدكتورة إيمان الشمايلة استمرار تقبل العقاب الجسدي في بعض المدارس العربية بموروثات تربوية تعتبر الضرب وسيلة لضبط السلوك، وتخلط بين الشدة وحسن التربية.

وتقول الشمايلة لـ«صفر» إن هذه التصورات قد تقلل من خطورة العنف وآثاره، حتى في ظل وجود قوانين تحظره، فيما يسهم ضعف الوعي بحقوق الطفل والخوف من الاعتراض على المعلم في استمرار الممارسات المؤذية.

وترى أن تغيير هذه الثقافة يتطلب تفعيل الرقابة والمساءلة، وتدريب المعلمين على أساليب تربوية بديلة، وتوعية الأسر، وبناء علاقة مدرسية تقوم على الحوار والاحترام المتبادل، بحيث يستطيع الطفل الإبلاغ عن تعرضه للعنف دون خشية.

حماية الطفل تبدأ قبل انتشار الفيديو

تضع هذه الوقائع المؤسسات التعليمية أمام مسؤولية تتجاوز الاستجابة للحوادث بعد تداولها على مواقع التواصل، فالحماية الفعلية تستلزم إجراءات وقائية واضحة، وقنوات شكوى يسهل على الأطفال الوصول إليها، وتحقيقات تراعي خصوصيتهم، ومتابعة آثار الاعتداء عليهم، مع نشر بيانات دورية عن الشكاوى والإجراءات المتخذة دون كشف هويات المتضررين.

كما تبرز الحاجة إلى توضيح الآليات التي تعتمدها الجهات التعليمية لمنع العقاب الجسدي وتدريب المعلمين والتعامل مع البلاغات، حتى لا تصبح الكاميرا أو قدرة الأسرة على إيصال شكواها إلى الرأي العام شرطاً لحصول الطفل على الحماية.

بالنسبة إلى حبيبة، لا ينتهي الأمر بإيقاف المعلمة أو إحالة القضية إلى النيابة، فالاختبار الأهم هو ضمان تعافيها، وحمايتها من أي تبعات للشكوى، وتمكينها من العودة إلى صفها دون خوف، كما أن المدرسة التي يُفترض أن تمنح الطفل المعرفة والأمان لا تؤدي رسالتها إذا اضطر إلى الاختيار بين التعلم وحماية نفسه من الأذى.