منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين العدالة والحق في الحياة.. هل تجعل طرق الإعدام الحديثة القتل أكثر إنسانية؟

13 أكتوبر 2026
بين العدالة والحق في الحياة.. هل تجعل طرق الإعدام الحديثة القتل أكثر إنسانية؟
بين العدالة والحق في الحياة.. هل تجعل طرق الإعدام الحديثة القتل أكثر إنسانية؟

ميغان ماكاردل*

تكشف مساعي الولايات المتحدة إلى تنفيذ الإعدام بطريقة إنسانية عن حقيقتنا أكثر مما تكشف عن المحكوم عليهم بالإعدام، ويفضل الأمريكيون إبقاء الموت بعيداً عن الأنظار، وإخضاعه للإجراءات الطبية، حتى يتسنى لنا خداع أنفسنا والاعتقاد بأن حاصد الأرواح ليس قاسياً إلى هذا الحد، وما دمنا لا نواجه بعض الحقائق الوحشية، يمكننا مواصلة تخيل أن الموت يشبه المشاهد الهادئة التي تعرضها المسلسلات التلفزيونية والأفلام، حيث يتمتم المرضى الذين يبدو عليهم شحوب شديد بكلماتهم الأخيرة المفعمة بالمحبة، ثم يغمضون أعينهم بهدوء.

يعرف كل من أمضى وقتاً في المستشفيات ودور رعاية المسنين أن هذا محض كذب، فالموت كثيراً ما يكون مؤلماً ومهيناً ومثيراً للشفقة، ومع ذلك، نشعر بالارتياح إلى تجاهل هذه الحقيقة، ما دام الموت يحدث خلف الأبواب المغلقة، وفي ظروف صحية معقمة.

لنتأمل قصة كريستا بايك، ففي 30 سبتمبر كان من المقرر أن تصبح أول امرأة تعدمها ولاية تينيسي منذ أكثر من 200 عام، لكن الولاية أخفقت في تنفيذ حكم الإعدام، وانتهى بها الأمر في وحدة العناية المركزة بدلاً من ذلك.. ومن الغريب أن نتخيل أطباء يبذلون جهوداً لإنعاشها، وهم يعلمون أنهم قد لا يفعلون سوى منح الجلاد فرصة أخرى لإنهاء حياتها، لكن هذا هو المنطق العبثي لعقوبة الإعدام كما تطبق في الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين؛ إذ يصبح قتلها أمراً مقبولاً، شريطة أن يتم بالطريقة المعتمدة رسمياً، مع اتباع جميع الإجراءات واستيفاء النماذج الصحيحة.

واتخذت ردود الفعل على الأنباء التي أفادت بأن نضال مالك حسن، منفذ إطلاق النار في قاعدة فورت هود، سينفذ فيه حكم الإعدام رمياً بالرصاص، مع بث عملية الإعدام مباشرة، طابعاً سريالياً بالقدر نفسه.

أعلن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن ذلك “سيعادل إعداماً علنياً، وسيشكل انتهاكاً للحظر المطلق للتعذيب”، ووصفه السيناتور الأمريكي كريس ميرفي، الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت، بأنه “مقزز”.
وأرى أن ما يبعث على الاشمئزاز هو أن تقتل الدولة، بدم بارد، شخصاً لا يشكل تهديداً وشيكاً، لكنني، بعدما تقرر السلطات تنفيذ ذلك، لا أفهم لماذا يصبح السماح للناس بمشاهدة الإعدام أمراً أسوأ بكثير.

نعم، يمكن القول إن تحويل الموت إلى فرجة للجمهور يحط من قدر مجتمعنا ومن قدر المحكوم عليه بالإعدام على حد سواء، لكن يمكن أيضاً القول إن رفضنا مواجهة حقيقة عمليات الإعدام هو ما يسمح باستمرارها.

على مدى عقود، أظهرت استطلاعات مؤسسة جالوب بشأن عقوبة الإعدام أن عدد الأمريكيين المؤيدين للعقوبة يفوق عدد المعارضين لها، ومع ذلك، ظللنا نشعر بعدم الارتياح إزاء عملية التنفيذ الفعلية، فنحن نريد أن نصدق أن الفعل نفسه يمكن أن يكون أقل وحشية، ولهذا أمضينا أكثر من 100 عام في البحث عن طريقة أكثر رحمة لتنفيذ الإعدام، لكن كل تقنية جديدة اتضح بدورها أنها تنطوي على مشاهد مروعة، ولم يكن الحقن المميت استثناءً من ذلك، ففي استطلاع أجرته جالوب عام 2014، رأى 65% من الأمريكيين أن هذه الطريقة هي “الأكثر إنسانية”.

ومهما عاناه السجناء أثناء انتظارهم على أروقة الإعدام حتى تحين الساعة المحددة لتنفيذ الحكم، فإننا نحب أن نتخيل أنهم يستسلمون للنوم بهدوء في اللحظة الأخيرة، لكن لا شيء يتسم بالهدوء في تقييد شخص إلى سرير نقال أمام شهود حضروا لمشاهدة موته.

كما لا يمكننا التأكد دائماً من أنهم لا يعانون ألماً جسدياً، فكثيراً ما تكشف عمليات التشريح عن وجود سوائل في الرئتين، وعلامات أخرى قد تشير إلى معاناة الشخص قبل وفاته، وهذا يحدث حتى عندما تسير عمليات الإعدام وفقاً للخطة المقررة.
فقد أظهر تحليل لعمليات الإعدام المنفذة بين عامي 1890 و2010 أن ما يزيد قليلاً على 7% من عمليات الإعدام بالحقن المميت أخفقت في التنفيذ على النحو المقصود، وهي أعلى نسبة إخفاق بين جميع طرق الإعدام.

وكما تكشف حالة بايك، ما زلنا نرتكب هذه الإخفاقات، ويقول محاموها إن القائمين على تنفيذ الإعدام واجهوا صعوبة في إدخال الإبرة وتثبيتها داخل أحد الأوردة، في حين ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أنه مع بدء حقن العقاقير، “وصفت شعوراً بحرقة في موضع بذراعها، وكأن هذا الموضع على وشك الانفجار”.
ووفقاً لمحاميها، كانت ذراعا بايك، عند وصولها إلى المستشفى، “متورمتين ومحروقتين ومغطاتين بالبثور جراء العقاقير المستخدمة في محاولة الإعدام الفاشلة”.

لا تبدو هذه الطريقة أقل وحشية بوضوح من الإعدام رمياً بالرصاص، كما أشار القاضي أليكس كوزينسكي في رأي مخالف شديد اللهجة عام 2014، في قضية استئناف متعلقة بعقوبة الإعدام.

ويمكن القول إن المقصلة هي الطريقة الأكثر إنسانية، وإن الإعدام رمياً بالرصاص يأتي في مرتبة تالية بفارق ضئيل، فمن الصعب نسبياً أن تفشل هاتان الطريقتان في تنفيذ الإعدام على النحو المقصود، كما أنهما تنهيان الحياة بسرعة، وتؤديان إلى فقدان الوعي في وقت وجيز.
وقد ظلت هاتان الطريقتان متاحتين منذ قرون، فلماذا انتقلنا، إذن، من الكرسي الكهربائي إلى غرفة الغاز، ثم إلى الحقن المميت؟

لأن تلك الطرق بدت أكثر لطفاً، فقد أبقت الجثامين سليمة من الخارج، ولم تبدُ وكأنها عمل من أعمال الحرب، لكن، كما يوضح كوزينسكي ببلاغة، فإن عمليات القتل القضائي هي بطبيعتها “أحداث وحشية وهمجية”، فنحن ندمر الجسد ونطفئ الكون الفريد القائم داخل عقل الإنسان، وما نفعله هو تدنيس، حتى لو اعتقدنا أن هذا الفعل مستحق.
وبين رغبتنا في الانتقام والحقيقة المزعجة لما يستلزمه ذلك، سعينا إلى تخفيف شعورنا بالضيق أكثر مما سعينا إلى تخفيف معاناة المحكوم عليهم، فسيظل السجين، في الحد الأدنى، مضطراً إلى الانتظار سنوات حتى يعلن مسؤول رسمي ساعة موته.
وبعد ذلك، يتعين عليه اختيار وجبته الأخيرة، والسير إلى غرفة الإعدام، ومواجهة أنفاسه الأخيرة أمام جمهور من الشهود، لكن وهم أن الحقن المميت ينهي الحياة بسلام يخفف من اضطرابنا النفسي إزاء النهاية التي قررناها جميعاً، لكننا لا نرغب في مواجهتها بكل ما تنطوي عليه من وحشية كاملة لا يمكن اختزالها أو تجميلها.

 

 *واشنطن بوست

ترجمة: زينب مكي