منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

دراسة دنماركية بتمويل أمريكي.. 14 ألف مولود في غينيا بيساو في مواجهة تجربة لقاح مثيرة للجدل

10 أكتوبر 2026
دراسة دنماركية بتمويل أمريكي.. 14 ألف مولود في غينيا بيساو في مواجهة تجربة لقاح مثيرة للجدل
دراسة دنماركية بتمويل أمريكي.. 14 ألف مولود في غينيا بيساو في مواجهة تجربة لقاح مثيرة للجدل

يواجه نحو 14 ألف مولود في غينيا بيساو تجربة طبية مثيرة للجدل، يخطط باحثون دنماركيون لإجرائها لدراسة آثار تأخير إعطاء لقاح التهاب الكبد الوبائي “ب”، بحيث يحصل نصف الأطفال المشاركين على الجرعة عند الولادة، في حين لا يحصل النصف الآخر عليها خلال الأسابيع الستة الأولى من حياتهم.
تثير التجربة مخاوف بشأن تعريض الأطفال لمخاطر صحية يمكن الوقاية منها، في ظل توصيات دولية بإعطاء اللقاح عند الولادة لحمايتهم من العدوى ومضاعفاتها الخطِرة.

وتعيد الدراسة الجدل حول الضوابط الأخلاقية للأبحاث الطبية التي تشمل أطفالاً لا يستطيعون اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، خصوصاً أن اللقاح المستهدف يتمتع بسجل طويل من السلامة والفاعلية، وقد تجدد الجدل بعد موافقة لجنة أخلاقيات البحث في جامعة جنوب الدنمارك على التجربة التي سبق تعليقها لأشهر عقب اعتراضات دولية، في حين لا يزال التصريح الوطني النهائي لتنفيذها في غينيا بيساو غير صادر، وفق ما أوردته منصة “سيدراب” الأمريكية المتخصصة في أخبار الأمراض المعدية والصحة العامة.

وتأتي هذه التطورات في ظل تخصيص مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأمريكية 1.6 مليون دولار للمشروع ضمن ميزانية عام 2026، إلى جانب تمويل من مؤسسات خاصة، بحسب ما نقلته صحيفة “الغارديان”.

مخاطر صحية رغم فاعلية اللقاح

حذرت منظمة الصحة العالمية من أن جرعة لقاح التهاب الكبد الوبائي “ب” عند الولادة تمثل تدخلاً أساسياً لحماية الأطفال، مستندة إلى سجل سلامة وفاعلية يمتد لأكثر من ثلاثة عقود، وإلى اعتماد أكثر من 115 دولة هذه الجرعة ضمن جداول التطعيم الوطنية.

وأوضحت المنظمة أن إعطاء الجرعة عند الولادة يمكن أن يمنع انتقال الفيروس من الأم إلى طفلها بنسبة تراوح بين 70% و95%، في حين قد تؤدي الإصابة إلى عدوى مزمنة ترفع خطر الإصابة بتليف الكبد وسرطان الكبد في مراحل لاحقة من العمر.

وأشارت المنظمة إلى أن نحو 90% من الأطفال الذين يصابون بالفيروس أثناء الولادة يصبحون حاملين للعدوى بصورة مزمنة، وهو ما يجعل الوقاية المبكرة ضرورية للحد من مخاطر صحية قد تستمر آثارها مدى الحياة.

واعترضت المنظمة على استخدام مجموعة لا تتلقى اللقاح في تصميم التجربة، موضحة أن حرمان المشاركين من تدخل ثبتت فاعليته لا يكون مقبولاً إلا في ظروف محددة، منها عدم وجود تدخل مثبت الفاعلية، أو ضرورة استخدام هذا التصميم للإجابة عن سؤال علمي أساسي لا يمكن حسمه بوسيلة أخرى، واعتبرت أن المعلومات المتاحة عن الدراسة لا توضح تحقق أي من هذين الشرطين.

ولفتت المنظمة أيضاً إلى أن التصميم المعلن يتضمن تعمية أحادية الجانب ومجموعة لا تتلقى اللقاح، ما قد يثير مخاوف بشأن التحيز في النتائج، مؤكدة أن محدودية الموارد في بلد ما لا تبرر حجب رعاية صحية فعالة عن الأطفال.
وتكتسب المخاوف أهمية إضافية في غينيا بيساو، حيث أفادت “الغارديان” بأن نحو 18% من البالغين يحملون فيروس التهاب الكبد الوبائي “ب”، حيث ينتقل الفيروس من الأم إلى الطفل أثناء الولادة، لكنه قد ينتشر أيضاً عبر التعرض اليومي في المجتمع.

ويستطيع الفيروس البقاء على الأسطح لمدة تصل إلى سبعة أيام، وأن انتقاله قد يحدث من خلال مشاركة بعض الأدوات الشخصية، مثل المناشف وأدوات تنظيف الأسنان وقص الأظافر.
وتثير هذه المخاطر تساؤلات بشأن مدى كفاية الفحوص التي يعتمد عليها الباحثون لاستبعاد الأطفال الأكثر عرضة للعدوى من المشاركة في المجموعة التي لن تتلقى اللقاح عند الولادة.

وأوضحت الصحيفة أن الباحثين عدلوا بروتوكول التجربة بحيث تخضع الأمهات للفحص قبل الولادة، ويحصل أطفال الأمهات اللاتي تظهر نتائج فحوصهن إيجابية على اللقاح ولا يُدرجون في الدراسة، في حين يمكن إدراج أطفال الأمهات اللاتي تظهر نتائج فحوصهن سلبية.

لكن الفحوص قد تسجل نتائج سلبية كاذبة في نحو 5% من الحالات، ما يعني احتمال إدراج أطفال يحملون خطراً للعدوى من أمهاتهم ضمن المجموعة التي لن تحصل على اللقاح عند الولادة، ولا يلغي استبعاد الأمهات اللاتي ثبتت إصابتهن احتمال تعرض الأطفال للفيروس من مصادر أخرى خلال الأسابيع الأولى من حياتهم.

وتزداد أهمية هذه المخاطر لأن الإصابة بالفيروس خلال السنة الأولى من العمر ترفع احتمال استمرار العدوى بصورة مزمنة، بما يزيد خطر الإصابة بأمراض الكبد الخطِرة في مراحل لاحقة.

تصريح نهائي لم يصدر

تعود التجربة إلى مشروع بحثي يقوده الباحثان الدنماركيان بيتر آبي وكريستين ستابيل بين، المرتبطان بمشروع “باندم” الصحي الذي يعمل في غينيا بيساو منذ عقود، وإلى جانب التمويل الأمريكي، حصل المشروع على تمويل من مؤسسات خاصة، بينها مؤسسة بيرشينج سكوير ومؤسسة بلو بيل، بحسب “الغارديان”.

وكانت الدراسة قد واجهت اعتراضات دولية دفعت إلى تعليقها في يناير 2026 لإجراء مراجعة أخلاقية.

ونقلت وكالة “أسوشيتد برس” عن وزير الصحة في غينيا بيساو، كوينهين نانتوتي، أن بلاده علقت التجربة لحين مراجعتها، مشيرة إلى أن لجنة الأخلاقيات المؤلفة من ستة أعضاء لم تكن قد اجتمعت لمراجعة الدراسة خلال مرحلة الموافقة الأولية.

وأثارت الموافقة اللاحقة على الدراسة اعتراضات داخل الأوساط الأكاديمية، إذ استقال أربعة أعضاء من لجنة الأخلاقيات في جامعة جنوب الدنمارك، من بينهم عضو اللجنة ستيج بورسن هانسن، احتجاجاً على القرار، وفق “الغارديان”.

وأوضح عميد العلوم الصحية بالجامعة، ياكوب جراوسلوند، لمنصة “سيدراب” أن لجنة الأخلاقيات الجامعية وافقت على الدراسة، وأن لجنة الأخلاقيات في غينيا بيساو وافقت أيضاً على بروتوكول منقح خلال الصيف، لكنه أكد أن التصريح الوطني النهائي لم يصدر بعد، وأن التجربة لا يمكن أن تبدأ قبل الحصول عليه.

ويكشف هذا التمييز بين الموافقات الأخلاقية والتصريح الوطني عن مرحلة إجرائية لم تُستكمل بعد، إذ لا تعني موافقة لجان الأخلاقيات بالضرورة استيفاء جميع الشروط المطلوبة لبدء التجربة على الأطفال.

الفئات الأكثر هشاشة

انتقد خبراء في الصحة العامة تصميم الدراسة، معتبرين أن حجب جرعة موصى بها عن بعض الأطفال بهدف مقارنة النتائج يثير إشكالات أخلاقية، خصوصاً في مجتمع ترتفع فيه معدلات الإصابة بالفيروس.

ونقلت “الغارديان” عن بول أوفيت، من مستشفى الأطفال في فيلادلفيا، قوله إن التجربة لن يُسمح بإجرائها في الولايات المتحدة، رابطاً ذلك بمواقف وزير الصحة الأمريكي روبرت إف. كينيدي جونيور المعارضة للتطعيم الشامل بجرعة الولادة.

كما نقلت الصحيفة عن هنريك ستورينج، من جامعة آرهوس، أن عقوداً من الأبحاث أظهرت فوائد اللقاح، معتبراً أن الدراسة تقوم على افتراضات لا تستند إلى ضرورة علمية واضحة.

ووصفت كوليت ديلاوالا، رئيسة منظمة “ستاند أب فور ساينس”، التجربة بأنها انتهاك خطِر لحقوق الإنسان وبحث علمي سيئ يستهدف فئات معرضة للخطر، في حين أعلنت المنظمة أنها تدرس سبل منع تنفيذها، بحسب “سيدراب”.

وأبدى المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها معارضته للتجربة، وأشار مسؤولون فيه إلى استمرار المناقشات بين الولايات المتحدة وغينيا بيساو بشأنها. كما شدد المركز على ضرورة وضع مصالح الأفارقة أولا خلال مراجعة الدراسة، وفق ما أوردته “أسوشيتد برس”.

وتأتي هذه الاعتراضات في وقت لا تقدم فيه غينيا بيساو حالياً جرعة التهاب الكبد الوبائي “ب” لجميع الأطفال عند الولادة، رغم توصية منظمة الصحة العالمية بها، وكانت البلاد قد قررت في عام 2024 إضافة الجرعة إلى جدول التطعيم الوطني، مع التخطيط لبدء تطبيقها بحلول عام 2028، بعد أن كان الموعد المستهدف سابقاً عام 2027، بحسب المنظمة.

حماية الأطفال أولاً

أكدت منظمة الصحة العالمية استعدادها لدعم غينيا بيساو في إدخال جرعة الولادة ضمن برنامج التطعيم الوطني، وتوسيع فحص النساء الحوامل، وربط المصابات بالرعاية الصحية، وتوفير التدخلات الوقائية اللازمة، إلى جانب تحسين سلسلة التبريد والتدريب والخدمات اللوجستية ومتابعة معدلات التغطية بالتطعيم.

ويتيح هذا المسار للسلطات الصحية تعزيز الوقاية من العدوى وتوسيع الوصول إلى اللقاح، بدلاً من تعريض أطفال حديثي الولادة لاحتمال الإصابة خلال فترة حرمانهم من جرعة توصي بها المنظمة للحد من انتقال الفيروس.

وتعيد التجربة إلى الواجهة مسؤولية المؤسسات البحثية والجهات الممولة والسلطات الصحية عن ضمان حماية المشاركين في الأبحاث الطبية، خصوصاً الأطفال الذين لا يستطيعون اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، ولا تنهي الموافقات المؤسسية الجدل بشأن سلامة التجربة أو أخلاقيتها، بل تظل حماية الأطفال من المخاطر التي يمكن الوقاية منها عنصرا أساسيا في تقييم أي دراسة تستهدفهم.