كانت “شارون” في الحادية والعشرين من عمرها عندما وصلت من الكاميرون إلى لبنان، ولم تكن تبحث عن أكثر من عمل يوفر لها دخلا يساعد أسرتها، لكن رحلتها التي بدأت بهذا الأمل انتهت بها إلى العمل أشهرا من دون أن يصل إليها أجرها.
بحسب شهادتها التي وثّقتها قناة “دويتشه فيله”، تنقلت شارون بين أكثر من أسرة، وفي المنزل الثالث تقول إن عملها لم يقتصر على الأعمال المنزلية، بل امتد إلى تنظيف مكتبين تابعين لصاحب العمل، فيما ظل راتبها البالغ 200 دولار شهرياً محجوزاً ثمانية أشهر، فيما برر أصحاب العمل عدم دفع الأجر بأنهم دفعوا لوكالة التوظيف مقابل استقدامها.
تكلفة استقدام العاملة لا تلغي حقها في الأجر، وهنا تتجاوز قصة شارون خلافا ماليا فرديا لتفتح ملفا حقوقياً أوسع، وماذا تستطيع عاملة منزلية مهاجرة أن تفعل عندما تتعرض للاستغلال داخل منزل خاص، بينما لا يشملها قانون العمل بالحماية الممنوحة لبقية العمال ويرتبط وجودها القانوني بعلاقة الكفالة؟
ربع مليون عامل منزلي
تقدر اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان عدد العاملات والعمال المنزليين المهاجرين بنحو ربع مليون شخص، ينحدر معظمهم من دول إفريقيا وجنوب شرق آسيا، وتشكل النساء الغالبية الكبرى منهم. ولا توجد إحصائية حديثة تسمح بتحديد نسبتهم بدقة من إجمالي العمالة الأجنبية، لكن بيانات وزارة العمل السابقة تظهر حجم القطاع، إذ بلغ عدد العاملات المنزليات المهاجرات الحاصلات على تصاريح عمل جديدة أو مجددة 186,429 عاملة حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2018، وهو رقم لا يشمل من يعملن دون تصاريح.
خارج قانون العمل
يستثني قانون العمل اللبناني في مادته السابعة “الخدم في بيوت الأفراد” من أحكامه، وهو استثناء يضع العاملات المنزليات خارج مجموعة من الحمايات التي يتمتع بها بقية العمال.
وتقول اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان إن هذا الاستثناء يحرم العاملات المنزليات المهاجرات من حماية قانون العمل المتعلقة بالحد الأدنى للأجور وساعات العمل والراحة الأسبوعية والحماية النقابية.
وهنا تظهر فجوة قانونية أساسية، فقانون العمل اللبناني يتضمن أحكاما تنظم حقوق الأجراء الأجانب، لكن العاملات المنزليات لا يستفدن من هذه الحماية على النحو نفسه، والسبب أن المادة السابعة من القانون تستثني العاملين في الخدمة المنزلية من أحكامه أساساً.
وبمعنى أبسط، المشكلة ليست في كون العاملة أجنبية، بل في طبيعة العمل الذي تؤديه داخل المنزل؛ فدخولها إلى لبنان للعمل بصورة قانونية وحصولها على إجازة عمل لا يجعلانها مشمولة تلقائياً بالحماية التي يوفرها قانون العمل لبقية الأجراء؛ لذلك تبقى حقوق أساسية، مثل الحد الأدنى للأجور وساعات العمل والراحة الأسبوعية والحماية النقابية، خارج الضمانات التي يوفرها قانون العمل لهذه الفئة.
وتخضع علاقة العمل بدلا من ذلك لإطار إداري وتعاقدي يتضمن الموافقة المسبقة وإجازة العمل وعقد العمل والإقامة، بينما تبقى علاقة العاملة بصاحب العمل مرتبطة بنظام الكفالة.

الإقامة وصاحب العمل
تصف اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان نظام الكفالة بأنه أحد الأطر الأساسية المنظمة لعمل العمال المنزليين المهاجرين في لبنان، وتقول إن ربط الإقامة القانونية بصاحب العمل يحد من قدرة العامل على ترك العمل أو تغييره ويعرضه لخطر فقدان وضعه القانوني أو التوقيف أو الترحيل إذا غادر العمل من دون الإجراءات المطلوبة.
وتوضح المديرية العامة للأمن العام أن العامل الأجنبي يبقى في الأصل تحت مسؤولية صاحب العمل الأساسي إلى حين الموافقة على انتقاله إلى صاحب عمل آخر.
كما تنص التعليمات العامة المنشورة لنقل الكفالة على منع نقل كفالة العاملات في الخدمة المنزلية وفق هذه الآلية، فيما أعلنت السلطات في 2026 إجراءات مؤقتة لتسوية أوضاع فئات من العمال والعاملات الأجانب المخالفين لنظامي الإقامة والعمل، بما يشمل حالات محددة لنقل الكفالة أو تحويل الصفة أو تغيير الفئة، والتمييز بين المسارين مهم، لأن وجود تسويات استثنائية للعمالة الأجنبية لا يعني تلقائيا أن العاملة المنزلية أصبحت قادرة على مغادرة صاحب العمل وتغيير عملها بحرية.
اختلال في القوة
يرى الكاتب والناشط الحقوقي اللبناني وفيق الهواري أن المشكلة تتجاوز نقص بعض الحقوق العمالية إلى طبيعة العلاقة التي ينشئها نظام الكفالة نفسه.
ويقول لـ”صفر”: “إن ارتباط وضع العاملة القانوني بصاحب العمل يخلق اختلالا في القوة، خصوصا عندما تريد العاملة مغادرة علاقة عمل تعتبرها مسيئة أو المطالبة بأجرها أو الانتقال إلى عمل آخر”.
ويرى الهواري أن معالجة المشكلة تحتاج إلى إصلاح تشريعي يضمن للعاملات حرية أكبر في العمل والانتقال، ويوفر آليات واضحة ومستقلة للشكوى والوصول إلى العدالة واسترداد الأجور.. وهذا هو الفارق بين وجود عقد ينظم العمل ووجود حماية تستطيع العاملة استخدامها فعليا عندما يقع الانتهاك.
تنظيم السوق وحماية الحقوق
في المقابل يقول وزير العمل اللبناني محمد حيدر في تصريحات لـ”صفر”: “تعمل الوزارة على تطبيق القانون وتسوية أوضاع العمالة الأجنبية المخالفة بالتنسيق مع وزارة الداخلية، بما يهدف، وفق قوله، إلى حماية حقوق العمال وأصحاب العمل وتنظيم سوق العمل”.
وتدعو الوزارة أصحاب العمل إلى عدم تشغيل العمالة الأجنبية بصورة مخالفة للقوانين والأنظمة، فيما أعلنت السلطات اللبنانية خلال 2026 تسويات لأوضاع العمال والعاملات الأجانب الذين دخلوا البلاد بصورة شرعية للعمل ثم خالفوا نظامي الإقامة والعمل.
لكن هذا الموقف الرسمي يركز بصورة أساسية على تنظيم العمالة والإقامة، بينما يبقى السؤال الحقوقي المتعلق بالعاملات المنزليات قائما: ما الحماية المتاحة للعاملة نفسها إذا كان مصدر الانتهاك هو صاحب العمل المرتبط به وضعها القانوني؟
الأجر ليس الانتهاك الوحيد
تقول شارون إن تجربتها لم تتوقف عند حجب راتبها، فهي تتحدث عن آلام في الصدر ونزيف متكرر في الأنف، وتؤكد أن الطعام حجب عنها عندما أخبرت أصحاب العمل بأنها لم تعد قادرة على مواصلة العمل.
وإذا صحت روايتها، فإن المسألة تتجاوز الحق في الأجر إلى السلامة الجسدية والكرامة والحماية من المعاملة المهينة.
وفي النهاية لجأت شارون إلى منظمة أهلية لبنانية تعمل في الدفاع عن حقوق العاملات المنزليات المهاجرات، وساعد تدخلها -بحسب روايتها- في استرداد جزء من مستحقاتها، لكن قدرتها على الوصول إلى منظمة تساعدها تطرح الوجه الآخر للمشكلة: ماذا عن العاملة التي لا تعرف الجهة التي يمكنها اللجوء إليها أو تخشى أن يؤدي ترك المنزل أو تقديم الشكوى إلى مشكلة في إقامتها؟
حماية تبدأ بالقدرة على المغادرة
لا تكفي تجربة شارون وحدها لقياس حجم الانتهاكات في قطاع العمل المنزلي في لبنان، لكنها تكشف نقطة ضعف بنيوية في العلاقة بين العمل والإقامة والحماية القانونية، فالعاملات المنزليات المهاجرات يعملن داخل منازل خاصة، ومستثنيات من قانون العمل، بينما يرتبط وجودهن القانوني بمنظومة تجعل صاحب العمل طرفا أساسيا في علاقة العمل والإقامة معا.
وهنا لا يعود السؤال ما إذا كانت هناك عقود وإجراءات تنظم استقدام العاملات، بل ما إذا كانت العاملة قادرة فعليا على استخدام حقوقها عندما يقع الانتهاك؛ فالحق في الأجر لا يكتمل إذا تعذر تحصيله، والحق في الشكوى يفقد معناه إذا كانت العاملة تخشى أن تكون مغادرة مكان العمل بداية لمشكلة قانونية جديدة.
وبالنسبة إلى نحو ربع مليون عامل منزلي مهاجر في لبنان، لا تقاس الحماية بعدد النصوص والإجراءات وحدها بل بقدرة العاملة خلف باب المنزل على رفض الاستغلال والوصول إلى العدالة والخروج من علاقة عمل مسيئة من دون أن تخسر في الطريق حقها في الأجر والعمل والإقامة والكرامة.
