بدأ الاتحاد الأوروبي التحضير لتطبيق آلية جديدة تقوم على إنشاء مراكز لإعادة طالبي اللجوء خارج أراضيه، في خطوة تعكس تحولاً لافتاً في سياسات الهجرة، وذلك عقب تصويت البرلمان الأوروبي بالموافقة على هذا التوجه.
وتسعى الدول الأعضاء إلى بدء تنفيذ الخطة اعتباراً من يونيو المقبل، وسط نقاشات متسارعة لتحديد الدول المحتملة التي قد تستضيف هذه المراكز.
وتتركز المناقشات حالياً حول اثني عشر بلداً مرشحاً، منها رواندا وغانا والسنغال وتونس وليبيا وموريتانيا ومصر وأوغندا وأوزبكستان وأرمينيا والجبل الأسود وإثيوبيا، بحسب ما نقلته وكالة فرانس برس عن مصادر أوروبية لم تكشف هويتها.
وتشير المصادر إلى أن هذه القائمة لا تزال إرشادية، وأن المحادثات في مراحلها المبكرة وتهدف أساساً إلى استكشاف مدى استعداد تلك الدول للتعاون.
ويرى مؤيدو المشروع أن إنشاء مراكز إعادة خارج الاتحاد قد يسهم في تسريع إجراءات اللجوء ومعالجة واحدة من أبرز مشكلات الهجرة، وهي بقاء عدد كبير من طالبي اللجوء المرفوضين داخل أوروبا، وتظهر بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات” أن مئات الآلاف يتلقون سنوياً أوامر بمغادرة الاتحاد، لكن أقل من نصفهم يغادر فعلياً، ما يعكس فجوة واضحة في تنفيذ قرارات الترحيل.
تجارب سابقة لم تحقق النجاح
رغم الزخم السياسي، لم يتم حتى الآن تنفيذ هذا النموذج داخل الاتحاد الأوروبي، وتمثل تجربة المملكة المتحدة مع رواندا مثالاً بارزاً، إذ أُنفقت مليارات الجنيهات دون أن يتم نقل أي مهاجر فعلياً بسبب عراقيل قانونية، قبل أن يتم إلغاء البرنامج لاحقاً، كما حاولت إيطاليا نقل معالجة طلبات اللجوء إلى ألبانيا، إلا أن المحاكم الإيطالية أعادت معظم المهاجرين خلال فترة قصيرة، ما حد من فعالية التجربة.
وتختلف مواقف دول أعضاء الاتحاد حيال المشروع، كما أبدت بعض الدول المرشحة تحفظات واضحة على استقبال مهاجرين مرفوضين، وفي حالات أخرى، لا تزال طبيعة التعاون غير واضحة، كما هو الحال في المحادثات بين هولندا وأوغندا.
نماذج مثيرة للجدل
وتعد ليبيا من أكثر الدول إثارة للجدل ضمن القائمة نظراً لعدم الاستقرار السياسي والانقسامات الداخلية، فضلاً عن تقارير متكررة تتحدث عن انتهاكات بحق المهاجرين، ورغم ذلك، يواصل الاتحاد الأوروبي التعاون مع أطراف ليبية للحد من تدفقات الهجرة عبر البحر المتوسط، في إطار سياسات تهدف إلى تقليص أعداد الواصلين إلى أوروبا.
الهجرة ورقة ضغط سياسية
حذر عدد من خبراء إدارة الهجرة، في تصريحات نشرتها “مجلة The Parliament Magazine”، من أن اعتماد الاتحاد الأوروبي على دول خارج حدوده لإنشاء مراكز إعادة قد يمنح هذه الدول نفوذاً سياسياً متزايداً في علاقاتها مع أوروبا. وأشار هؤلاء الخبراء إلى أن هذا النهج قد يحقق مكاسب قصيرة الأمد، لكنه يفتح المجال لاستخدام ملف الهجرة بوصفه ورقة ضغط في التفاوض السياسي.
وتستند هذه المخاوف إلى سوابق حديثة، إذ اتهمت دول في الاتحاد الأوروبي كلاً من بيلاروسيا وروسيا باستخدام تدفقات المهاجرين على الحدود مع بولندا ودول البلطيق وسيلة ضغط، كما برزت اتهامات مماثلة لتركيا خلال أزمة عام 2020 المرتبطة باتفاق الهجرة مع الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى توترات بين المغرب وإسبانيا في عام 2021، ما يعزز القلق من تكرار هذه السيناريوهات مستقبلاً.
مخاوف أمنية وحقوقية متزايدة
حذر ألبرتو تاغليابيترا، منسق البرامج في برنامج سياسات المتوسط التابع لمؤسسة “German Marshall Fund”، من أن إنشاء مراكز إعادة في دول تعاني من هشاشة سياسية قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الأمنية فيها، مشيراً إلى أن هذه السياسات قد تخلق بيئات أكثر عرضة لعدم الاستقرار والتهديدات الأمنية، وفي السياق ذاته، أوضحت جوانا دي ديوس بيريرا، الباحثة في معهد “Royal United Services Institute”، أن وضع المهاجرين في ظروف تتسم بالتهميش وانعدام الأمن قد يزيد من احتمالات الاستغلال أو الانجذاب إلى جماعات متطرفة.
في المقابل، حذرت منظمة هيومن رايتس ووتش عبر مديرة المناصرة إيسكرا كيروفا، من أن نقل معالجة طلبات اللجوء خارج الاتحاد الأوروبي قد يقوض الضمانات القانونية، ويؤثر سلباً في حقوق طالبي اللجوء، خاصة في ظل الغموض المحيط بمفاهيم الدولة الثالثة الآمنة.
إضافة إلى ما سبق، يتواصل الجدل داخل المؤسسات الأوروبية، بين مؤيدين يرون في الخطة أداة ضرورية لفرض سياسات الهجرة، ومعارضين يعدونها خطوة محفوفة بالمخاطر القانونية والإنسانية، وبين هذين الموقفين، يبقى مستقبل مراكز الإعادة رهناً بالتوافق السياسي ومدى قدرة الاتحاد على تحقيق توازن بين ضبط الهجرة واحترام الحقوق الأساسية.
تأتي هذه الخطة في سياق ضغوط متزايدة تواجهها أوروبا منذ أكثر من عقد بسبب تدفقات الهجرة، خاصة بعد أزمة عام 2015 التي شكلت نقطة تحول في سياسات اللجوء. ومنذ ذلك الحين، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تطوير أدوات جديدة لإدارة الحدود وتعزيز التعاون مع دول المنشأ والعبور. ومع استمرار التحديات المرتبطة بإعادة المهاجرين المرفوضين، برزت فكرة نقل جزء من إجراءات اللجوء إلى خارج الحدود بوصفها خياراً مثيراً للجدل، يعكس محاولة أوروبية لإعادة صياغة سياستها في هذا الملف المعقد.
